سيرياستيبس
لا شك أن كثراً كانوا قد استعدوا للعام الجديد وكتبوا لوائح "السنة الجديدة"، من خسارة الوزن إلى تغيير الحياة، إلى البدء بما كان قد أجل لشهور للبدء به في صباح الأول من شهر يناير (كانون الثاني). وإذ نكتشف، أن هذا الشهر نفسه لم يبلغ بالخطة. وما زال جالساً على الكنبة متدثراً ببطانية ثقيلة، متسائلاً ماذا يحدث؟ ولماذا حمل بكل هذه الآمال؟
ليس خط الانطلاق في الأسبوع الأول نقف على الميزان كأننا في امتحان، ونفتح دفاتر جديدة بعناوين كبيرة، ونطالب أجسادنا وأعصابنا بأن تلتحق فوراً بنسخة محسنة منا، غير مدركين حقيقة أن يناير ليس خط الانطلاق. وهو في الواقع مرحلة انتقالية ثقيلة وبطيئة وباردة، جسدياً ونفسياً وطاقياً.
ونحن نريد من شهر بالكاد أنهى الحفلات والتخمة والسهر والإنهاك، أن يتحول فجأة إلى مدرب حياة ورياضة. نطالبه بالحماسة، بينما طاقته بالنسبة إلى الثقافات الشرقية العتيقة طاقة الين Yin صافية، داخلية وكسولة ورافضة للاندفاع.
ثم نغضب لأننا فشلنا بعد أسبوعين من تحقيق النتائج المبهرة التي قررناها، وننسى أن المشكلة ليست فينا، إنما في التوقيت. فشهر يناير ببساطة ليس البداية، إنه غرفة انتظار بين سنتين، هو شهر تنظيف وترتيب داخلي، وليس شهر إنجازات.
هو بمثابة تربة شتوية تبدو ميتة على السطح، لكنها تعيد ترتيب كل شيء في العمق. ومن يصر على الركض فيه، غالباً ما يصل متعباً قبل أن يبدأ السباق الحقيقي أصلاً.
بين مزاج الأفعى وإيقاع الحصان نحن ما نزال الآن في منطقة وسطى رمادية زمنياً وطاقياً، ومرحلة انتقالية تفصل بين سنة الأفعى التي ما زلنا في آخر شهر بها، وسنة الحصان التي تبدأ بحلول الـ17 من فبراير (شباط). والتقويم الذي يحدد هذه التسميات ليس الميلادي الذي يبدأ في الأول من يناير، إنما التقويم القمري – الشمسي الصيني، إذ يبدأ العام الجديد مع رأس السنة الصينية التي تقع عادة بين أواخر يناير ومنتصف فبراير.
وترتبط سنة الأفعى، في الثقافة الصينية، تقليدياً بالحكمة والحدس والبطء الذكي والعمل الداخلي الصامت، وهي سنة مراجعة وتخطيط وتجميع خيوط قبل الحركة. أما سنة الحصان، فعلى النقيض تماماً، تتميز بطاقة نارية وسرعة واندفاع وحضور اجتماعي قوي وحركة متواصلة، لذلك يقال إن الحصان ينطلق ولا ينتظر أحداً.
لذا ينظر إلى شهرنا الجاري كفترة انتقالية بين سنتين، وليس كبداية فعلية. فنحن نغادر مزاج الأفعى ببطء، لكننا لم ندخل بعد إيقاع الحصان، حيث الحركة الحقيقية، التي لا تتفعل إلا مع حلول رأس السنة الصينية، حين تتغير الدورة الزمنية فعلياً ويتبدل الإيقاع من الداخل إلى الخارج. من هنا، ترى اختصاصية علوم الطاقة والفنغ شوي جيسيكا خديده أن هذا الشهر ليس بوابة الانطلاق، إنما مساحة تحضير صامتة لتجهيز الأرض التي ستزرع لاحقاً. وتعتبر هذا التوقيت جيداً لاستعادة التوازن العصبي، لأن الجسد يحتاج إلى قدر من الراحة قبل أن يستعيد زخمه.
وأن ترتيب المساحات وتفريغ الذهن من الفوضى وإعادة تنظيم البيت ليست تفاصيل ثانوية، إنما هي أدوات لتحريك طاقة راكدة وإقفال الملفات العالقة، عاطفياً وعملياً، لفتح المجال أمام بداية أخف وأوضح.
وتلفت إلى أن سنة الحصان، بطاقتها النارية السريعة، ستأتي بزخمها الخاص. وحينها، لن يكون الاندفاع مشكلة، بل سيصبح طبيعياً لمن أعد أرضه جيداً. وتذكر أن البطء هنا ليس كسلاً والتوقف ليس تأجيلاً، إنما صورة واعية من التحضير الطاقي.
على إيقاع الطبيعة تقول جيسيكا "تعلمنا لسنوات طويلة أن شهر يناير هو وقت الاندفاع إلى الأمام، ووضع أهداف طموحة جديدة، واتخاذ قرارات حاسمة والتخلي عن العادات القديمة، والمطالبة بتغيير فوري. غير أن هذا المنطق، يتجاهل إيقاعاً أقدم وأعمق، ألا وهو إيقاع الطبيعة نفسها. إذ من منظور الفلسفات الشرقية ودورات الطبيعة، لا يعد موسم القوة أو الضغط. وهو بصورة أكثر دقة مرحلة تحضيرية صامتة، إذ يحمل طاقة الين التي هي طاقة داخلية وهادئة وتأملية. ما يشبه تماماً وقت تهيئة الأرض، وليس استعجال حصادها.
وتعتبر أنه كما تستريح الطبيعة في فصل الشتاء، "نحن أيضاً مدعوون إلى مواءمة إيقاعاتنا الداخلية مع إيقاعات الأرض"، إذ يفترض بالإنسان أن ينسجم مع هذا التباطؤ الطبيعي، ولا يحاول أن يكسره.
حكمة الشتاء.. سكون ترى جيسيكا أن السكون في فلسفة الين لا يعني الركود والجمود، لكنه يشكل شرطاً أساسياً للتهيئة. فبعد عام طويل من الضغط والعمل والتكيف المستمر، يحتاج الجسد والجهاز العصبي إلى استعادة توازنهما.
وتنصح بنقاط عدة تجعل الولوج إلى السنة الجديدة أكثر سلاسة، أولها الراحة وعدم الإجهاد "بدلاً من السعي إلى تغييرات جذرية، احترم جسدك وجهازك العصبي بعد عام طويل. والراحة هنا ليست ترفاً، هي في الواقع ضرورة بيولوجية وطاقية تعيد بناء الطاقة الحيوية الأساسية المعروفة في الطب الصيني باسم تشي (Qi)، تمنع الإرهاق وتقي من الاحتراق المبكر قبل أن يبدأ العام فعليا".
وثانيها "تأمل وارجع إلى الداخل، فالشتاء مساحة مناسبة للالتفات إلى الداخل، وهو مناسب للكتابة والتأمل والإنصات الهادئ، ففي الظلام تولد الرؤية الواضحة"، وتضيف "اسأل نفسك عما يهمك حقاً من دون إجبار أو استعجال".
كما أن أحد العناوين العريضة لديها هي "ازرع نوايا، من دون أهداف صارمة. فالأهداف تنتمي لطاقة اليانغ Yang، بينما النيات تنتمي لطاقة الين، وطاقة اليانغ مباشرة وضاغطة ومرتبطة بإنجازات قابلة للقياس. أما النية، فتنتمي إلى الين، أي اتجاه مفتوح، وعيش مقصود من دون صرامة زمنية. لذلك، بدل الجداول الزمنية الصارمة والضغط، ركز على كيف تريد أن تعيش وتشعر، مع ترك مساحة للمرونة والانفتاح".
غذ الإمكانات عنوان آخر تذكره جيسيكا في إطار دخول السنة يتلخص بـ"غذ الإمكانات، إذ إن طاقة الين تشبه بذرة نائمة تحت أرض متجمدة، لا شيء ظاهر على السطح، لكن كل شيء يعاد ترتيبه بهدوء في الداخل، لذا فالعمل الآن داخلي من جمع الحكمة وتقوية الجذور وتنمية الوعي".
وآخر العناوين، تلخصه بـعبارة "احتضن اللطف، فالنموذج السائد لتحديد الأهداف، امتداد لمقاربة ذكورية تقليدية تقوم على القسوة والتحدي والمنافسة المستمرة". هذا النموذج، برأيها، قد ينتج إنجازاً سريعاً، لكنه غالباً ما يخلف إرهاقاً عميقاً. في المقابل، تتيح طاقة الين مدخلاً أكثر رحمة وتقبل إلى العام الجديد، وتسمح للخطط أن تتشكل طبيعياً عندما يعود الضوء والزخم والحركة في فبراير أو مارس.
وتؤكد أن البطء لا يعني الكسل، وأن التوقف ليس تأجيلاً، إنما شكلاً من أشكال الذكاء الطاقي الذي يميز بين التوقيت المناسب والفعل القسري.
وبما أننا ما زلنا عالقين في طاقة شهر يناير، تقترح جيسيكا الانسجام معه بطريقة ذكية مثل إعطاء الأولوية للراحة العميقة والنوم الجيد، وتغذية الجسد بالدفء والعناية، وممارسة يوغا الين والتاي تشي أو المشي الهادئ. كما تعتبر أنه من المهم ترتيب وتنظيف المنزل والذهن وإقفال الالتزامات، إضافة إلى إغلاق الدوائر العاطفية، ومراجعة ما نجح فعلاً وما لم ينجح، والتخلي عن الضغط لأن الوضوح يولد في السكون.
قرار الين... القبول تعتبر اختصاصية علوم الطاقة والفنغ شوي أننا راهناً في الفترة المناسبة لما تسميه قرار القبول، وتضيف "هذا العام، فكر في نوع مختلف من القرارات، لا يحمل في طياته الإصلاح أو التحسين أو التقييد، إنما ببساطة قرار القبول، واسأل نفسك ما الشيء في داخلي الذي أستطيع أن أسمح له بأن يكون كما هو؟ هذا مخالف للثقافة السائدة. وليس سهلاً". وتكمل "من الأمثلة على قرارات الين قول أقبل جسدي كما هو الآن، أو أسمح لمشاعر الغضب أو الخوف أو الحزن أن تظهر من دون حكم. وأختار البقاء في عملي، أو علاقتي، أو منزلي من دون محاولة تغييره، وأسمح لأمر ما أن يكون كما هو".
وتؤكد أنه في الماضي، كان كثير من القرارات تتمحور حول التخلي عن شيء ما، والجانب المظلم لهذه القرارات "اليانغ" قد يكون فقدان الفرح أو الراحة، مما ينشر عدم الرضا بهدوء في بقية مجالات الحياة.
وتوضح أن كل قرار له نتيجة، مشيرة إلى أن السؤال الحقيقي هو "هل أنا أفضل حقاً أو أكثر صحة أو أكثر سعادة، أو أكثر توازناً بسبب قراراتي السابقة؟"، معتبرة إن لم يكن الجواب نعم، فقد حان الوقت لإعادة النظر في النية، وليس في السلوك فقط.
تحديد الأهداف تعرض جيسكا بعضاً من الحكم الشرقية التي تساعد في تحديد الأهداف، مثل فلسفة "انسجم ولا تطارد"، أي الفعل السلس من دون إجبار. والفكرة ليست إلغاء الأهداف، ولكن عدم فرضها بالقوة. بحيث تراقب تدفق الحياة وتتحرك معه، عندما يصبح الفعل منسجماً مع التوقيت، فيبدو طبيعياً وليس مرهقاً. الفعل الصحيح، وفق هذا المنطق، هو الذي يأتي في وقته، وليس الذي يفرض بدافع القلق، مما يجعل الانفتاح بديلاً للصرامة في السلوك والتفكير.
"نم الذات، تتبعك النتائج" تشير جيسيكا إلى هذه الحكمة الكونفوشيوسية، التي تعني التركيز على أن تكون إنساناً أفضل، وليس مجرد تحقيق إنجازات، وهذا يعلي من شأن تهذيب الذات عبر الطقوس اليومية والالتزام الهادئ والاستمرارية والمسؤولية التي تعد أهم من الطموح وحده.
طاقة 2026: حصان النار "طاقة عام 2026 هي طاقة حصان النار سريعة ومندفعة، وللركوب معها بقوة، تحتاج إلى أساس متين ومتوازن. ويناير هو شهر التحضير، بينما فبراير ومارس يحملان الحركة، لذا لا بد من احترام السكون الآن، فالزخم سيأتي من دون إجبار أو قسر"، تقول جيسيكا، وتضيف "يرتبط يناير بفصل الشتاء، وهو ذروة طاقة الين. أي أن الطبيعة ساكنة، والطاقة تتحرك إلى الداخل وإلى الأسفل. وبالتالي فالجسم ينتقل من النشاط إلى الحفظ والتخزين، وهذا ليس وقتاً مخصصاً لاستنزاف الطاقة، إنما حمايتها. وتعد الكلى العضو الرئيس في هذا الشهر وفق الطب الصيني التقليدي، فالشتاء يحكم الكلى (Shen) والكلى تخزن ما يعرف بالجوهر (Jing)، وهو أعمق طاقة حياتية، وكذلك يؤثر في الحيوية والقدرة والطاقة التناسلية. إضافة إلى الإرادة والقدرة على الصمود طويل الأمد، لذا فكر في طاقة الكلى كبطاريتك الداخلية".
تشير اختصاصية علوم الطاقة والفنغ إلى أن كثيرين يلاحظون في هذا الشهر تغيراً في أجسادهم، مرده هو طاقة هذه الشهر. وتقول "جسدياً يعاني بعضهم حساسية في أسفل الظهر والركبتين والوركين، إضافة إلى شعور بالبرد وبطء الهضم، ورغبة في النوم والدفء والعزلة. أما عاطفياً فقد تظهر مشاعر الخوف أو عدم الأمان وتشير إلى أن كثيرين يلاحظونها في هذا الشهر، خصوصاً أن العاطفة المرتبطة بالكلى هي الخوف، إضافة إلى حاجة إلى الطمأنينة والتجذر. وعلى صعيد الجهاز العصبي يدعم يناير وضعية الراحة والإصلاح، ولكن التحفيز الزائد يضعف طاقة الكلى والجوهر".
حاجة الجسد هذا الشهر يحتاج الجسد في يناير إلى الراحة والسكون من خلال نوم أبكر وقيلولة وتخفيف الضغط الاجتماعي، كما يحتاج إلى دفء جسدي واضح، وحماية أسفل الظهر والبطن والقدمين، وتجنب البرودة والمشروبات المثلجة، فالكلى تكره البرد. إضافة إلى التغذية الدافئة، مثل الشوربات واليخنات ومرق اللحم والخضار الجذرية والأطعمة السوداء كالسمسم الأسود والفاصولياء السوداء والأعشاب البحرية.
في حين أن الإفراط في الأطعمة النيئة والعصائر الباردة أو الصيام المفرط قد يزيد الاستنزاف، أما الحركة فيفترض أن تكون لطيفة تدور الطاقة بدل أن تفرغها، مع تجنب التمارين القاسية والنشاطات عالية التأثير.
ترى جيسيكا أن هذا الشهر مثالي لخلق التوازن العاطفي والطاقي من خلال بعض الممارسات البسيطة مثل التأمل والكتابة أو التدوين والإصغاء الداخلي، وسؤال الجسد عما يجب أن نحافظ عليه وليس ما نتخلى عنه، فهذا الشهر يقوي الصحة على المدى الطويل، ولا يقدم النتائج السريعة.
ماذا لو تجاهلنا طاقة يناير؟ تحذر جيسيكا من أن طاقة يناير لا تظهر فوراً دائماً، إذ يظهر الأثر غالباً في الربيع أو منتصف السنة. "فوفقاً للطب الصيني يؤدي استنزاف الجوهر إلى احتراق مبكر خلال العام، وضعف الكلى يرافقه الخوف عدم الأمان، والإرهاق المزمن. كما ينتج من ركود الربيع الغضب والتوتر، وسوء استخدام طاقة الشتاء يظهر كمشكلات في الربيع".
وتختم بفكرة بسيطة في ظاهرها، عميقة في أثرها، "ازرع النيات الآن، ودع الفعل يأتي لاحقاً. وهذه ليست دعوة إلى التراخي، إنها دعوة إلى حماية الطاقة".
في النهاية قد تشعر عزيزي القارئ كما شعرت أثناء البحث والحوار، أنك لست متأخراً، فتتنفس قليلاً وتؤجل عمل الشهر إلى الشهر المقبل، وتستمتع بالكسل اللطيف والدفء والنمو داخل الأرض، من دون اللهاث وراء تحقيق اللائحة المستحيلة، والتفكير على مهل وليس في خضم الأعياد والازدحام وأفكار الهدايا والموائد. من دون كل هذه الضغوط، ازرع نواياك على مهل، واجعلها هضبة خضراء صغيرة مغرية بالصعود، وليس جبلاً جليدياً يحتاج إلى استراتيجية ضخمة لتسلقه. فكلما كانت الأمنيات واقعية لا تأسرك، وكلما كانت ضخمة لفت حولك القيود وزرعت المتاهات في طريقك، وعل حصانك الناري هذا العام يتجاوز كل الحواجز.
اندبندنت عربية
|