سيرياستيبس
دفعت الحرب الإسرائيلية على لبنان العام الدراسي إلى المجهول، مع تحول نحو 441 مدرسة من المدارس الرسمية إلى مراكز إيواء لعشرات آلاف النازحين جراء الهجمات العنيفة، وهذا العدد مرشح للازدياد في ظل استمرار عمليات التهجير واتساع نطاق إنذارات الإخلاء. وتسود حالة من القلق في أوساط الأسرة التربوية وأولياء الأمور على مصير أبنائهم ومستقبلهم الدراسي، وسط تساؤلات كبيرة حول إجراء امتحانات الشهادة الرسمية من عدمها، واحتمال تمديد السنة المنهجية أو العودة إلى بدعة "منح الإفادات الناجحة" بفعل الصعوبات، إضافةً إلى قرار فتح مختلف المدارس الرسمية والجامعة اللبنانية ومناشدة النازحين التوجه إلى محافظات الشمال وعكار والبقاع، بحسب وزيرة الشؤون الاجتماعية حنين السيد التي وعدت بتجهيز أماكن إضافية في بيروت ضمن "المدينة الرياضية"، و"الحمام العسكري" في ضبية، و"محطة شارل حلو للنقل" الواقعة مقابل مرفأ بيروت. مراكز آمنة إلى حين
تشكل المدارس الرسمية الملجأ "الأقل كلفة" مادياً للنازحين من المناطق المستهدَفة في لبنان، فهي تستقبل إلى حد كبير العائلات محدودة الدخل، أو أولئك الذين ينتظرون نتائج بحثهم عن مسكن للإيجار. وتمنح جولة على "شارع المدارس" في منطقة التل في طرابلس (شمال) انطباعاً بامتلاء المدارس بالنازحين، الذين عادوا إليها للمرة الثانية خلال عامين، فيما بدأت بعض الجهات الإغاثية بتقديم المساعدات العينية. وتخرق صمت الجدران أصوات الأطفال الصغار الذين يلعبون داخل المدارس، فيما تعكس نظرات السيدات الواقفات على النوافذ حالة من انعدام اليقين والقلق بسبب المؤشرات المخيفة لتصاعد الحرب المدمرة. وتحولت الشبابيك إلى مناشر للغسيل في دلالة على ضيق حال النازحين الذين خرجوا على عجل، وعدم جاهزية المراكز بسبب الحرب الصاعقة والمفاجئة. مصير العام الدراسي
منذ اندلاع الحرب الأميركية – الإسرائيلية ضد إيران، أغلقت المدارس أبوابها في لبنان، وهو ما فتح باب التساؤلات حول مصير الشهادة الرسمية والعام الدراسي. ومع مرور الأيام، بدأت التمايزات بالظهور في القطاع الخاص، حيث فتحت بعض المدارس أبوابها أمام الطلاب بذريعة وقوعها في مناطق آمنة. من جهتها، استمرت المدارس الرسمية والجامعة اللبنانية بإغلاق أبوابها، وتحرص وزارة التربية والتعليم العالي على وضع خطوط عريضة للعودة إلى التعليم "من بُعد" بسبب تعذر العودة إلى التعليم الحضوري لأسباب أمنية وامتلاء المدارس بالنازحين. وحسب وحدة إدارة أخطار الكوارث، ارتفع عدد النازحين المسجلين في مراكز الإيواء إلى 96 ألف نازح، موزعين على 441 مركز إيواء (قبل إنذارات إخلاء الضاحية والبقاع). ويُرجح ارتفاع هذه الأعداد في أعقاب الإنذار الواسع النطاق الذي أطلقه الجيش الإسرائيلي ضد مناطق واسعة في ضاحية بيروت الجنوبية والبقاع الشمالي. من جهتها، طمأنت وزارة التربية أن العمل جارٍ لتعويض الطلاب ما فاتهم من دروس عبر برنامج استثنائي للتعليم من بُعد. وتتولى الوزارة مع "المركز التربوي للبحوث والإنماء" الإعداد له، وسيتم وضعه بتصرف الطلاب من خلال إنشاء منصة تربوية خاصة.
مراعاة الأوضاع المختلفة
تختلف وجهات النظر حول الآلية الناجعة لإكمال العام الدراسي الحالي في لبنان بسبب الحرب، وصولاً إلى إجراء امتحانات الشهادة الرسمية خلال الصيف المقبل. ويؤكد رئيس رابطة التعليم الثانوي، الأستاذ جمال العمر، أن "صورة المستقبل التربوي هي رهن التطورات الميدانية والواقع الحربي، حيث لم يستقر النازحون في المناطق الحاضنة، بالتالي لا بد من انتظار حجم عملية النزوح والأعداد التي ستستقر عليها، وتحديد المدارس التي تتحول إلى مراكز إيواء للتعامل مع طلابها". ويشير العمر إلى "سيناريوهات عدة ممكنة، بالتالي لا بد من الأخذ في الاعتبار أوضاع المدارس الواقعة ضمن مناطق تُصنَّف آمنة، أو تلك التي تتعرض لاعتداءات، وتأمين التوازن بين حق الطلاب بالاستمرار في التحصيل العلمي والحفاظ على أمن مَن هم في خطر، ومن ثم بعد جلاء الصورة يمكن اتباع إجراءات خاصة لتعويض الفاقد التعليمي"، كاشفاً عن وجود محادثات لتطبيق نظام يدمج بين الدوام الحضوري، وعبر الإنترنت، و"هناك اقتراح باعتماد 3 أيام حضورياً ويوم عبر الإنترنت في المدارس الواقعة ضمن المناطق الآمنة، على أن يُنقل طلاب المدرسة التي تحولت إلى مركز إيواء إلى أقرب مدرسة من الناحية المكانية". ويذكّر العمر أنه "خلال الحرب السابقة اتبعت الوزارة بعض الإجراءات التي يمكن الاستفادة منها على غرار إلحاق الأساتذة في أقرب ثانوية أو مدرسة إلى مكان سكنه"، مشدداً على ضرورة إجراء امتحانات الشهادة الثانوية الرسمية، فيما يُدرس مصير الشهادة المتوسطة التي يُرجح إلغاؤها. التعليم الخاص والإجراءات المرنة
في موازاة ذلك يتجه التعليم الخاص إلى اتخاذ إجراءات مرنة لاستمرار العملية التعليمية في المدارس الواقعة ضمن مناطق آمنة نسبياً. ويشير الأمين العام للمدارس الإنجيلية في لبنان نبيل كوستا إلى "تفضيل المدارس الخاصة التعليم الحضوري، وخصوصاً تلك المجهزة لذلك"، متحدثاً عن "صفوف مجهزة بكاميرات تُتيح للطلاب غير القادرين على الحضور متابعة الشرح من مكان إقامتهم من خلال نظام عبر شبكة الإنترنت. أما الأساتذة الذين يتعذر عليهم الحضور، فيقومون بشرح الدروس من مكان وجوده، ويتابعه الطلاب في الصف ومن بُعد". ويضيف أن "التعليم الحضوري هو الخيار الأفضل لأن مخرجات التعليم من بُعد هي أقل بكثير من تلك الحضورية، ولكن المدارس ملزمة بتكييف الدروس لمصلحة كافة الطلاب"، منوهاً بأن "ثمة 35 مدرسة إنجيلية في لبنان، يلتحق بها قرابة 20 ألف تلميذ، وهي مهتمة بإدارة الأزمة على ضوء الظروف التي تعيشها كل منطقة لبنانية، وهي حريصة على استمرار التعليم للجميع، فمَن يقيم في منطقة آمنة مرحَّب به في الصف، وَمن اضطر إلى النزوح فإن المدارس جاهزة لإيصال المعلومة إليه في المنزل"، مؤكداً أنه "في موضوع الشهادة الرسمية فإنه من المبكر الحسم بهذا الملف وبمصيرها، حيث يفترض تجنُّب العودة إلى بدعة الإفادات وعدم تكرار المصيبة السابقة". من جهته، يؤكد الأمين العام المدارس الكاثوليكية الأب يوسف نصر أن "المدارس بدأت بمراجعة الأوضاع غير المستقرة في مختلف المناطق اللبنانية من أجل اتخاذ الإجراءات الصائبة للعودة إلى التعليم وفق الصيغة المناسبة سواء أكانت حضورية أم التعليم من بُعد، آخذين في الاعتبار جملة عوامل في مقدمها الوضع الأمني وسلامة الطلاب
ومصلحتهم وحقهم المقدس في التعليم”، مشدداً على أهمية الحفاظ على القطاع التربوي في بناء مستقبل الشباب، و"المدارس مأتمنة على بناء شخصية الطلاب". ويتحدث نصر عن اكتساب خبرات في أعقاب "حرب إسناد غزة"، حيث تمكن القطاع التربوي الرسمي والخاص من تجاوز تلك المحطة الصعبة، داعياً إلى الأخذ في الاعتبار كل أوضاع منطقة على حدة، حيث "لا يمكن ترك الأطفال منثورين في الشارع وفي أماكن غير مسموح لهم بالوجود فيها، أو حتى في البيت وحيدين في وقت يذهب الأهالي إلى العمل". وتحدث الأب نصر عن تحويل بعض المدارس إلى مراكز لإيواء الأهالي في محافظتي الجنوب والنبطية، ناهيك بالبحث عن بديل موقت لتعليم الطلاب النازحين واحتواء الطلاب الذين حُرموا من مدارسهم، متمسكاً بمبدأ العدالة في التعليم للجميع. وكشف عن عودة مبدئية إلى "التعليم عبر الإنترنت" خلال الأسبوع الراهن، والنظر في الوضع للأسبوع المقبل الذي يبقى رهن التطورات، فإما التعليم من بُعد أو اعتماد النظام المتزامن، أو الحضوري في المناطق الآمنة، مشدداً على أن "هناك إصراراً على التواصل مع الطالب لما لذلك من أهمية على مستوى بناء شخصية الطالب وصحته النفسية والذهنية واحتضانه خلال فترة النمو، ومساندة الأهل لتأمين البيئة السليمة وعدم تعريضهم للصدمات". الجامعة اللبنانية تتمهل
أدت الأوضاع الأمنية السيئة إلى إقفال أبواب الجامعة اللبنانية أمام أساتذتها وطلابها الذين تحول عدد كبير منهم إلى نازحين. وفي تصريح صحافي أكد رئيس الجامعة اللبنانية بسام بدران تجهيز خطة لإكمال العام الدراسي الذي يأخذ في الاعتبار "منح الأساتذة والطلاب النازحين الوقت لتأمين التجهيزات الكفيلة بالعودة إلى التعليم، بالتعاون مع وزارة المالية من أجل تأمين الاعتمادات للأساتذة والموظفين في الجامعة خلال الأسبوع المقبل"، منوهاً بـ"إمكان فتح الكليات في المناطق الآمنة، وستفتح الإدارة المركزية للجامعة اللبنانية أبوابها لكي تتيح للأساتذة الراغبين في تسجيل محاضراتهم للطلاب أو نشرها، حيث فتحت الإدارة مكاتب خاصة في كل كلية من الكليات لشرح الدروس"، ويمكن اللجوء إلى سياسة السماح لهم بالالتحاق بأقرب فرع آمن، مشيراً إلى إمكان تأجيل الامتحانات قليلاً مع الحرص على حفظ فرص الطلاب بإكمال دراساتهم العليا والتدريب في الخارج والتخريج في الوقت المناسب.
اندبندنت عربية
|