سيرياستيبس :
بدأت
سورية تستعيد موقعها حلقة وصل حيوية في شبكة نقل الطاقة الإقليمية، مع
إعادة تأهيل خط الغاز العربي، الجزء الممتد من الحدود الأردنية وصولاً إلى
الحدود التركية، بعد سنوات عجاف على توقفه عن العمل بكامل طاقته، بسبب
الحرب التي شنها النظام البائد على شعبه. ويأتي هذا، تزامناً مع رؤية
استراتيجية أطلقها المبعوث الأميركي الخاص إلى سورية توم برّاك، تُعيد
تعريف الموقع السوري جسراً بريّاً لا غنى عنه، بين الشرق والغرب.
في وثيقة عمل نُشرت في نيسان الماضي، وضع برّاك سورية في قلب معادلة الطاقة
العالمية الجديدة، قائلاً بصراحة: لقد غيّر إغلاق مضيق هرمز والاضطراب في
البحر الأحمر المعادلة تماماً، فأصبح الجسر البرّي عبر سورية ليس فقط بوصفه
مشروعاً تجارياً، بل أصلاً جيوسياسياً وأمنياً لا تستغني عنه أوروبا
والعالم. وحده الموقع السوري يوفر مساراً برياً مباشراً لا بديل عنه يربط
الخليج والعراق بتركيا وأوروبا". وأكدت الوثيقة أن تمديد خط الغاز العربي
من الأردن عبر الأراضي السورية إلى تركيا يُشكّل "النواة الأسرع والأكثر
واقعية للانطلاق" قبل اكتمال المشاريع الكبرى، محذّرة من أن "غياب
الاستقرار والشفافية في إدارة العبور قد يدفع الدول للبحث عن مسارات بديلة
مهما كانت تكلفتها".
الأهم في هذا المشروع، هو أنه لا يقتصر على تزويد سورية بالطاقة، بل يفتح
باب رسوم العبور رافداً جديداً لم يكن متاحاً طوال سنوات الحرب التي دمّر
خلالها النظام البائد البلد، إذ تتراوح رسوم الترانزيت العادية بين 1.5
و2.5 دولار لكل ألف متر مكعب لكل 100 كيلومتر، وبعبور مليار متر مكعب
سنوياً، تدرّ ما بين 90 و150 مليون دولار سنوياً في الحد الأدنى، ومع وصول
القدرات الكاملة إلى 22 مليار متر مكعب سنوياً، يمكن أن ترتفع العوائد إلى
أكثر من 300 مليون دولار سنوياً، إضافة إلى حصة عينية من الغاز العابر
تُستخدم محلياً بدلاً من استيراده بأسعار السوق العالمية، ورفع أسعاره على
المستهلكين. وأرى أن هذه المبالغ، وإن لم تسد العجز بمفردها، تتميز بأنها
دخلٌ منتظمٌ لا يتأثر بتقلبات أسعار النفط، ويمكن توجيهه مباشرة لدعم قطاع
الكهرباء والخدمات الأساسية.
وتدعو وثيقة برّاك إلى النظر إلى سورية بوصفها "ملتقى ثلاثياً" للخليج
جنوباً، وأوروبا شمالاً، وشرق المتوسط غرباً. ولتحقيق هذا، يُفترض بالحكومة
في دمشق أن تضع قانوناً وطنياً للترانزيت يحدد آليات التسعير والتحصيل
والشفافية، وتُنشئ هيئة مستقلة لإدارة الممرات العابرة، بحيث لا تُعامل هذه
العوائد كأموال عادية بل تكون استثماراً في استمرار الممر وتطويره، ويقول
برّاك في وثيقته: "الثقة هي رأس المال الحقيقي لهذا الممر، فإذا شعر
الشركاء أن العبور يُستخدم ورقة ضغط أو أن الرسوم تتغير بلا قواعد واضحة،
انصرفوا عنه إلى مسارات أخرى".
في مطلق الأحوال، ليست إعادة تشغيل خط الغاز العربي مجرّد إصلاح لشبكات
قديمة، بل هي استعادة لمكانة جغرافية فريدة، وكما أكدت وثيقة برّاك "لا
يوجد بديل بري أقصر وأكثر كفاءة يربط بين شرق العالم وغربه من الأراضي
السورية".
والفرصة متاحة اليوم، لكنها لن تبقى مفتوحة إلى "الأبد"، فإما أن تُوضع هذه
المشاريع في سلم الأولويات بتخطيط سليم وقواعد شفافة، أو ستضيع كما ضاعت
فرص سابقة.. والقرار الآن في يد الحكومة، إما أن تكون سورية ممراً موثوقاً
يُكسبها احترام العالم وعوائده، أو تظل مجرّد أرض تعبرها الأنابيب وخيرها
لغيرنا، وهناك قصة تُروى عن قبيلة مرّ أنبوب الثروة عبر أرضها، فاكتفى
زعيمها بقوله: "كفانا فرحةً بأن خيرنا يصل إلى الناس". ومضى الزمن، ومرّ
الخير ولم يبقَ غير الذكرى. فكان الدرس أن الفرحة وحدها لا تُطعم، وأن
الموقع الاستراتيجي إن لم يُحوّل إلى منفعة، ولم يكن سوى عبورٍ عابر. العربي الجديد - ملحق سوريا الجديدة
|