سيرياستيبس
تصاعدت مطالبات مجموعات استهلاكية وشركات طاقة في الأسواق الآسيوية والأوروبية للحصول على عقود غاز طبيعي مسال أكثر مرونة من الناحية التشغيلية، تحديداً من الموردين الخليجيين، مستندة في ذلك إلى توالي المخاطر الجيوسياسية واضطراب ممرات الملاحة، وخصوصاً في مضيق هرمز، بالتزامن مع تغير استراتيجيات التوريد لدى كبار المستوردين، ما سلط الضوء على تأثير ذلك في مدى إمكانية تقديم دول الخليج المصدرة للغاز لتنازلات طويلة الأجل وأثر ذلك على إيراداتها واقتصاداتها حال حدوثه. وأدى تعطل معظم تدفقات النفط والغاز عبر الممر المائي الحيوي إلى تراجع مؤقت في النفوذ التفاوضي الذي كان يتمتع به الموردون الخليجيون لفرض شروطهم الصارمة، ما فتح الباب أمام المشترين لإعادة فتح ملفات العقود واشتراط آليات تسعير جديدة تراعي تصاعد مخاطر الشحن الإقليمية، حسب تقرير نشرته وكالة رويترز في 23 يوليو/ تموز الماضي. ويأتي ذلك في وقت يتواصل فيه مسار المفاوضات لحل أزمة مضيق هرمز، إذ قالت إيران أول من أمس، إن التوصل إلى اتفاق مع سلطنة عمان بشأن السيطرة على مضيق هرمز أصبح قريباً، لكنه لن يكون كافياً لفتح الممر المائي حيث كشفت عن عدة شروط لإتمام الاتفاق. بموازاة ذلك، أعلنت مجموعة بترول أبوظبي الوطنية (أدنوك) في بيان، أن سفينة تابعة لها تعرضت للاستهداف بصاروخ في أثناء عبورها مضيق هرمز، في الساعات الأولى من صباح السبت. ورغم المطالبات الحثيثة بتخفيض الأسعار ومنح مرونة أكبر في تغيير وجهة الشحنات، إلا أن استجابة الدول الخليجية لتقديم تنازلات هيكلية واسعة لا تزال محصورة في تعديلات طفيفة دون المساس بجوهر العقود الممتدة لعدة عقود، ترقباً للتطورات في المنطقة، ولا سيما في ظل المفاوضات الجارية لحل أزمة الملاحة المتواصلة رغم وقف إطلاق النار.
وفي ما يتعلق بتأثير ضغوط مشتري الغاز واضطرابات التصدير في الإيرادات والأداء الاقتصادي الخليجي، فإن التداعيات المباشرة ظهرت في انكماش مؤقت لمعدلات النمو بسبب تعطيل بعض خطوط الإنتاج، مقابل صلابة مالية مدعومة بهياكل تكلفة منخفضة. وتؤكد البيانات المالية الرسمية الحجم الفعلي لتلك الصدمة.
ففي يونيو/ حزيران 2026، أدت الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية في مدينة رأس لفان الصناعية القطرية إلى إعلان القوة القاهرة، ما أدى إلى انكماش الطاقة التصديرية للغاز الطبيعي المسال في قطر بنسبة 17%، وهو ما دفع صندوق النقد الدولي إلى تعديل توقعات نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي لقطر لعام 2026 إلى سالب 8.6%، حسبما أورد تقرير نشرته منصة ذا جي سي سي إيدج (The GCC Edge)، المتخصصة في شؤون الاقتصاد والاستثمار الخليجي، في 11 يوليو الماضي. الخليج تجاوز هرمز
من جانبها، تسعى الإمارات إلى مواصلة إمداداتها من الغاز المسال للحد من أثر الأزمة الهيكلية والحفاظ على موثوقيتها لدى العملاء الدوليين. وتؤكد التقييمات الميدانية لقطاع الطاقة أن "شركة أبوظبي الوطنية للطاقة تواصل تسيير صادرات الغاز الطبيعي المسال من مصنعها في الخليج العربي، حتى في الوقت الذي تجبر فيه الأعمال العدائية المتجددة في المنطقة المنتجين على الحد من الحركة المرئية عبر مضيق هرمز"، وتبرز هذه الخطوات حرص الموردين الإماراتيّين على التعامل بمرونة مع التحديات الأمنيّة والتعاقدية، حسب تقرير نشرته منصة ريجزون (Rigzone)، المتخصصة في أخبار الطاقة والصناعات النفطية العالمية، في 29 يوليو الماضي. أما سلطنة عُمان، التي تُعَدّ مصدراً رئيسياً للغاز المسال في المنطقة، فتتميز بموقع استراتيجي، حيث تقع محطات التصدير الخاصة بها خارج مضيق هرمز (مطلة على بحر العرب ومحيطه)، ما يمنح صادراتها مرونة جيوسياسية عند حدوث اضطرابات في المضيق. وتتمتع الميزانيات الخليجية بهامش أمان مرتفع بفضل انخفاض أسعار التعادل، حيث يشير التقرير ذاته إلى أن "قطر تحافظ على سعر تعادل مالي منخفض للغاية، الذي يقدره المحللون بـ 44.74 دولاراً للبرميل في عام 2025، ويتوقعون انخفاضه إلى 37.88 دولاراً للبرميل بحلول عام 2030"، ما يحدّ من أي تهديد هيكلي للإيرادات العامة على المدى البعيد. وتظل خيارات المشترين الدوليين في فرض تنازلات طويلة الأمد محصورة بمدى التنسيق العالمي، ولا سيما في ظل الضرر المادي الذي أصاب البنية التحتية للإنتاج وأدى إلى تضييق المعروض العالمي بشكل كبير. الخيار الأكثر أماناً للمستوردين
في هذا الإطار، يؤكد الخبير في أسواق الطاقة، أحمد حسن كرم، لـ"العربي الجديد"، أنّ مطالبة بعض الدول المستوردة للغاز بعقود أكثر مرونة وبأسعار تنافسية يأتي تأثيراً مباشراً للتوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط، وخصوصاً بسبب تأثر أكبر الدول المنتجة للغاز، وهما قطر وإيران. ويوضح أن الاعتماد على قطر يمثل الخيار الأكثر أماناً للمستوردين الدوليين، نظراً لما تعانيه إيران من خلل سياسي داخلي وسياسة خارجية صعبة مع أغلب دول العالم ودول الجوار تحديداً، ما يجعلها مصدراً غير موثوق به، ولا يمكن الاعتماد عليه في تأمين الإمدادات طويلة الأجل. ويرجّح كرم أن تستجيب قطر لهذه الرغبات بجعل عقودها أكثر مرونة، بهدف ضمان استمرار تدفق إيرادات الغاز على دول العالم بشكل سليم، والحفاظ على هذه التدفقات لفترة أطول، وهو ما يساهم في طمأنة الاقتصادات العالمية بعدم تأثرها بالتوترات الجيوسياسية الحادة، وبالتالي الحفاظ على استمرار العجلة الاقتصادية ونمو اقتصادات هذه الدول. وفي السياق، يرى كبير محللي الغاز الطبيعي المسال في مؤسسة بوتن أند بارتنرز (Poten & Partners)، سيرجيو شابا، أن "تنوع الإمدادات أصبح العقيدة الجديدة لمشتري الغاز المسال"، مستعرضاً أثر التطورات الميدانية وإغلاق الممرات البحرية بالقول إن "إغلاق مضيق هرمز أدى إلى سحب ما بين 70 إلى 80 مليون طن سنوياً من الغاز المسال من الشرق الأوسط، ما أعاد كتابة الآفاق المستقبلية للقطاع في المدى القريب"، وفقاً لما أورده تقرير نشرته منصة ناتشورال غاز إنتليجنس (Natural Gas Intelligence)، المتخصصة في أبحاث الغاز المسال ودراساته، في 26 يونيو الماضي. إعادة تشكيل مسار التوقعات
ويضيف شابا أن هذا الانقطاع غير المتوقع أعاد تشكيل مسار التوقعات، موضحاً أنه "قبل حدث إغلاق مضيق هرمز، كنا نتوقع حدوث فائض في المعروض بحلول عام 2027، إلا أن المشترين الدوليين يهرعون الآن لتنويع محافظهم الاستثمارية للابتعاد عن نقطة الضعف الجيوسياسية المتمثلة بالمورد الواحد".
ويؤكد شابا أن "الطريقة المثلى للحد من تقلبات الأسعار في السوق الفورية هي الاتجاه نحو العقود طويلة الأجل، غير أن هذا النمط ليس هو السائد عادة في مناطق مثل أميركا اللاتينية، ما يجعل شركات المرافق هناك تدخل في منافسة مباشرة مع المشترين الأوروبيين والآسيويين على الشحنات الفورية المكلفة لضمان استمرار الإمدادات". ويخلص شابا إلى أن البيئة الحالية لسوق الغاز تمنح "المشاريع الإقليمية في نصف الكرة الغربي جاذبية عالية للمشترين الذين يسعون لضمان عدم الاعتماد على مصدر طاقة واحد"، ما يمثل تحدياً أمام دول الخليج المصدرة للغاز، وتحديداً قطر والإمارات. تقدير في غير محله
لكن الخبير الاقتصادي القطري، عبد الله الخاطر، يرى، في المقابل، أن حديث بعض المستوردين عن ضرورة خفض أسعار الغاز والأسمدة بسبب المخاطر الجيوسياسية "في غير محله"، إذ إن هذه السلع الأساسية تخضع لآليات سوقية واضحة، حيث تتحمل الدول المصدرة ومشغلو أساطيل النقل تكاليف المخاطر الخاصة بمضيق هرمز والتي تنعكس تلقائياً على الأسعار السوقية أو ضمن العقود طويلة الأجل، حسبما أفاد لـ"العربي الجديد". ويضيف الخاطر أن العقود طويلة الأمد تكتسب أهمية استراتيجية لضمان استقرار الأسواق والأسعار وسلاسل التوريد، وهي مصممة أساساً لتمكين الموردين من الاستثمار في الاستكشاف وتجهيز المواد وتصفيتها وتصنيعها، وهي عملية معقدة تتطلب تخصيص أموال ضخمة وتهيئة أسواق وتحمّل مسؤوليات جسيمة لا يمكن مقارنتها بالأوضاع الطارئة والمؤقتة مثل أزمة مضيق هرمز الحالية، حسب تقديره. ولا يرى الخاطر صحة اعتبار الأوضاع الطارئة الجارية حالياً جزءاً بنيوياً من هيكل السوق الذي اعتاده العالم لعقود طويلة، لذا فإن المطالبة بتغيير بنود العقود أو خفض الأسعار بناءً على مخاوف مؤقتة تفتقر إلى المنطق الاقتصادي والمالي، خصوصاً أن صناعة الغاز لم تشهد تغييرات بنيوية جوهرية، بل هي "مجرد تقلبات عابرة ستنتهي بزوال الأزمة"، حسب توصيفه. ويتوقع الخاطر أن ترتفع الأسعار خلال المرحلة المقبلة بسبب تزايد الطلب العالمي بشكل كبير، خصوصاً مع نمو خدمات الذكاء الاصطناعي والحاجة لبناء مراكز بيانات ضخمة تستهلك كميات هائلة من الطاقة النظيفة المتمثلة بالغاز، ما يجعل عامل الطلب محركاً رئيسياً للأسعار بغضّ النظر عن التوترات الجيوسياسية المؤقتة، حسب تقديره. وإزاء ذلك، يخلص الخاطر إلى أن المطالبات بخفض الأسعار ليست مبنية على أسس منطقية أو استثمارية أو تتعلق بعائد رأس المال، لأن المخاطر الجيوسياسية الحالية أوضاع طارئة ستنحسر خلال أشهر، ولن يكون لها أثر دائم على هيكل السوق، ما يستدعي الحفاظ على استقرار العقود وعدم الانجرار وراء ردود الفعل العاطفية تجاه الأحداث الآنية.
العربي الجديد
|