سورية الجميلة RSS خدمة   Last Update:02/11/2026 | SYR: 12:59 | 02/11/2026
الأرشيف اتصل بنا التحرير



خلطات كامبو


شاي كامبو


IBTF_12-18


Baraka16

 الدور والقمامة وقانون السير… قبل التحرير وبعده
لماذا يلتزم السوري في دبي وبرلين ولا يلتزم في دمشق
02/11/2026      






لسنوات طويلة نظر كثير من السوريين إلى القانون باعتباره قانون السلطة وقانون الأجهزة وقانون الجباية والعقوبة والمنع , اليوم يجب أن يصبح «قانوننا» الذي يحمي حريتنا وكرامتنا وحقوقنا أمام السلطة, لا حرية بلا مسؤولية، ولا مسؤولية بلا حقوق، ولا قانون يحترم من دون مساواة



ينجح الكاتب " ياسر أسعد " في مقاله الجديد لموقع " سيرياستيبس  " في توصيف القانون ليس كقانون سلطة بل كسلطة  يخضع لها الناس على قاعدة  المساواة والمسؤولية , فكلنا كمواطنين معنيين بفهم القانون كقاعدة وجدت لنحترمها و لنطبقها بعيداً عن رغبة التجاوز مدفوعين بإحساس خاطئ بأن بعضنا فوق القانون ..  .. 

 سيرياستيبس

كتب المهندس ياسر علي أسعد


بعد أكثر من عشرين شهراً على سقوط النظام ، لم يعد السؤال كله في السياسة والدستور وشكل الحكم , ثمة أسئلة أصغر حجماً، لكنها ربما أكثر التصاقاً بمعنى الدولة التي يريد السوريون بناءها.
لماذا ما زال بعضنا يقطع الدورولماذا تُرمى أكياس القمامة من نوافذ السيارات ولماذا تصبح الإشارة الحمراء عند بعض السائقين مجرد اقتراح ولماذا يُحتل الرصيف , وتُركن السيارة في المكان الممنوع، ولماذا يبحث عن واسطة لإنجاز معاملة كان يفترض أن تكون حقاً عاديا ً؟
والسؤال الأكثر إحراجاً من كل ذلك , لماذا يلتزم السوريون في دبي وبرلين ولا يلتزمون في دمشق؟ , وإجابته تكشف أن المشكلة ليست في طبيعة السوريين , ولا في جينات تجعلهم عصيين على النظام.
السوري نفسه الذي قد يقطع الإشارة في دمشق يقف أمامها طويلاً في برلين ولو كان الشارع خالياً , والذي يرمي علبة فارغة من نافذة سيارته في سوريا يبحث في دبي عن أقرب حاوية , والذي يحاول تجاوز عشرة أشخاص أمام دائرة حكومية في بلده يأخذ رقماً وينتظر دوره بهدوء في أوروبا.
لعقود طويلة لم تكن علاقة السوري بالقانون علاقة طبيعية بين مواطن ودولة, بل كانت في كثير من الأحيان علاقة خوف وشك ومساومة , اختلط مفهوم الدولة بمفهوم السلطة , والقانون بالأجهزة والهيبة بالخوف والخدمة العامة بالواسطة والمخالفة المرورية بإمكانية دفع رشوة تنهي الأمر.
 حين يرى السوري أن القانون شديد على الضعيف , مرن أمام القوي , وأن صاحب النفوذ يستطيع تجاوز الدور والإشارة والقانون , بينما يُطلب منه وحده الانضباط , يبدأ القانون بفقدان قيمته الأخلاقية قبل أن يفقد قوته التنفيذية.
لم يعد تجاوز القانون اعتداءً على حقوق الآخرين , بل تحول إلى نوع من الشطارة , وإلى وسيلة للهروب من الرشوة أو التعقيدات , وإلى تمرد على سلطة يشعر بأنها لا تمثله.
لكن التمرد الذي يبدأ ضد السلطة ينتهي اعتداءً على السوريين , فمن يقطع الدور يأخذ حق سوري آخر ومن يرمي القمامة يلوث شارع أهله ومن يتجاوز الإشارة يعرض حياة سوري للخطر, وهكذا انتقل جزء من ثقافة الصراع مع السلطة إلى علاقتنا اليومية بعضنا ببعض.
سقط النظام… ولكن عاداته لم تسقط تغيرت سوريا سياسياً بصورة هائلة, لكن الأنظمة تسقط في أيام , بينما تحتاج آثارها داخل المجتمعات إلى سنوات كي تزول , يمكن تغيير وزير في ساعة , وإلغاء مؤسسة بقرار , وتعديل قانون بمرسوم , لكن لا يمكن إصدار قرار يقول , اعتباراً من صباح الغد أصبح المجتمع يثق بالقانون .
والدولة الجديدة لا تُقاس فقط بعلم جديد أو مسؤول جديد أو خطاب جديد , بل بالسؤال الأصعب هل تغيرت العلاقة بين المواطن والسلطة ؟
فإذا بقيت الواسطة والمحسوبية والاستثناءات , وإذا بقي القانون يطبق على شخص ويتوقف أمام آخر , فسوف يتغير اسم السلطة ويبقى السلوك القديم .
أما إذا شعر السوري بأن القانون أصبح ملكه , فإنه سيدافع عنه بدلاً من محاولة الهرب منه.
لماذا لا يلتزم السوري , ليست مقارنة بين شعوب «متحضرة» وشعب أقل تحضراً , إنها تجربة أجراها ملايين السوريين بأنفسهم , عاش السوريون خلال السنوات الماضية في ألمانيا والسويد وهولندا وبريطانيا وكندا والإمارات ودول أخرى , وتعلموا بسرعة قواعد المجتمعات التي استقبلتهم , لم يحتج الأمر إلى تغيير جيل كامل , لأن الإنسان عندما يدخل منظومة واضحة يبدأ سلوكه بالتكيف معها , يعرف أن الإشارة الحمراء ليست موضوعاً للتفاوض وأن المخالفة لا تختفي باتصال بصديق وأن الشخص الذي وصل قبله سيُخدم قبله وأن الشارع ملك للجميع وأن المسؤول خاضع للقانون .
وهناك عامل آخر, الحكومه لا تطلب منك السلوك الصحيح فقط , بل تجعل السلوك الصحيح أسهل , لا تستطيع أن تطالب الناس بالنظافة إذا لم توفر حاويات كافية وجمعاً منتظماً للنفايات , ولا تستطيع أن تطالب السائق باحترام الوقوف إذا لم توفر المواقف , ولا تستطيع أن تطلب من المواطن احترام الدور إذا كان إنجاز معاملة بسيطة يحتاج إلى ساعات من الانتظار , ولا تستطيع أن تحارب الرشوة بينما تترك دفع المخالفة خاضعاً للتفاوض بين المواطن والشرطي على قارعة الطريق , القانون لا يعاقب السلوك الخاطئ فقط , بل يصمم الحياة العامة بحيث يصبح الفعل الصحيح هو الأسهل .
وهذا ربما هو الدرس الأهم الذي يمكن لسوريا أن تتعلمه من الدول التي عاش فيها السوريون.
الدور ليس تفصيلاً صغيراً… إنه صورة مصغرة عن الدوله .
تخيل خمسين سورياً يقفون أمام نافذة في مؤسسة عامة , ثم يصل شخص يعرف الموظف , يدخل مباشرة وينجز معاملته , قد يبدو الأمر حادثة تافهة , لكنه درس سياسي كامل , الرسالة التي وصلت إلى اليهم ليست أن رجلاً وفر عشر دقائق بل أن العلاقات أقوى من الحقوق.
  الدور امتحان صغير لفكرة المساواة , والإشارة الحمراء اتفاق بين السائقين والمشاه على حماية حياة بعضهم بعضاً , والرصيف حق للطفل والمسن وذوي الإعاقة والمشاة .

تجارب دول

تجربة جورجيا بعد الثورة الوردية تستحق الدراسة في سوريا, وخصوصاً في إصلاح الشرطة ومحاربة الفساد , فالمشكلة لم تُعالج فقط بمطالبة الناس باحترام القانون , بل بإعادة بناء المؤسسة التي تطلب منهم احترامه , وكان من أهم الدروس تقليص فرص الاحتكاك الذي يولد الرشوة وتغيير آليات العمل والرقابة , وبناء شرطة مختلفة في علاقتها بالمواطن , الكاميرا لا تعرف والد السائق، ولا عشيرته ولا طائفته ولا منصبه ولا رقم هاتف الشخص الذي يستطيع الاتصال به , المخالفة الكترونية والاعتراض حق قانوني موثق، والتكنولوجيا وسيلة لتحقيق المساواة.
أما تجربة رواندا فتقدم درساً آخر , حيث ارتبطت بالعمل المجتمعي المشترك بما فيه تنظيف الأحياء وتحسين المرافق المحلية .
لا تحتاج سوريا إلى نسخ التجربة , لكنها تحتاج إلى استعادة الفكرة التي تقف خلفها , المدينة ليست ملكاً للدوله بل لأهلها.
يحق لنا أن نسأل لماذا لا يكون لدينا يوم تطوعي شهري في المدن والقرى السورية يشارك فيه الطلاب والأطباء والتجار والموظفون والمسؤولون؟ ولماذا لا نرى المحافظ ورئيس البلدية والوزير أحياناً يعملون إلى جانب السوريين ، لا أمام كاميرا بروتوكولية , باعتبارهم مواطنين أيضاً ؟ من يشارك في تنظيف حديقته العامة يصبح أقل استعداداً لتخريبها , ومن يزرع شجرة في شارعه يصبح أكثر اهتماماً بحمايتها , إن إعادة بناء سوريا ليست بيتوناً وإسفلتاً فقط , إنها إعادة بناء شعور السوري بأن المكان العام يخصه
 
الجميع تحت القانون

لكن هنا يجب أن نقول بوضوح ,إعادة الانضباط إلى سوريا لا يجوز أن تكون ذريعة لإعادة إنتاج الخوف , لا نريد مواطناً يتوقف عند الإشارة لأنه يخاف من الشرطي , نريده أن يتوقف لأنه يعرف أن الإشارة تحمي حياته وحياة الآخرين , ولا نريد أن يتحول تطبيق القانون إلى إذلال للناس أو استعراض للقوة , فالفرق بين دولة القانون والدولة السلطوية ليس أن الأولى لا تعاقب , الفرق أن دولة القانون تعاقب المخالفة، بينما الدولة السلطوية تستطيع معاقبة الإنسان.
ولهذا فإن أول امتحان ليس عدد المخالفات التي تسجلها بحق السوريين , بل عدد الاستثناءات التي نرفضها لأصحاب النفوذ , إذا أرادت الدولة تغيير السلوك العام , فلا تبدأ بلوحة إعلانية تقول للمواطن «احترم القانون» , ابدأوا بسيارة المسؤول , دعوا السوري يرى سيارة وزير تقف عند الإشارة , دعوه يرى سيارة حكومية تحصل على مخالفة لأنها وقفت في مكان ممنوع , دعوه يرى مسؤولاً ينتظر دوره أمام مؤسسة عامة , عندها فقط ستصبح عبارة «القانون فوق الجميع» خبراً يراه السوري بعينيه , لا شعاراً قرأه آلاف المرات ولم يصدقه , فالقدوة في المجتمعات الخارجة من الاستبداد ليست مسألة أخلاقية , إنها سياسة عامة.
قد نستغرب الربط بين الدور والسلم الأهلي، لكن العلاقة عميقة ,فالاحتقان الاجتماعي لا يولد فقط من القضايا السياسية الكبرى , إنه يتراكم من آلاف الإهانات الصغيرة واسطة هنا، واستثناء هناك وشخص يأخذ حق غيره لأنه أقوى منه ومواطن يشعر كل يوم أن احترامه للقواعد يجعله خاسراً أمام من يخالفها , أما حين يكتشف السوريون أن القانون لا يسألهم عن طائفتهم أو منطقتهم أو ثروتهم أو علاقاتهم، تبدأ الثقة بالدوله .

قانون الناس وليس السلطة

العدالة الكبرى تبدأ من دور لا يستطيع أحد سرقته ومن رصيف أستطيع السير عليه ومن شارع لا يرمي أحد قمامته فيه , ومن إشارة أعرف أن سيارة المسؤول ستقف عندها معي , احترام القانون جزء من السلم الأهلي، لأن القانون العادل يحول مجموعة من الأفراد المتنافسين على الامتيازات إلى مواطنين متساوين في الحقوق والواجبات.

لسنوات طويلة نظر كثير من السوريين إلى القانون باعتباره قانون السلطة وقانون الأجهزة وقانون الجباية والعقوبة والمنع.
اليوم يجب أن يصبح «قانوننا» الذي يحمي حريتنا وكرامتنا وحقوقنا أمام السلطة, لا حرية بلا مسؤولية، ولا مسؤولية بلا حقوق، ولا قانون يحترم من دون مساواة.
السوري الذي تعلم احترام القانون في بلد آخر يستطيع أن يتعلم احترامه في بلده، بأسرع مما نتصور، إذا شعر أن هذا القانون يحميه ولا يهينه، وأنه يُطبق على الجميع، وأن المال والسلطة والواسطة لا تستطيع شراء استثناء منه.
سوريا الحره لن تُبنى في القصر والبرلمان والوزارات , بل أمام شباك الانتظار، وعند الإشارة الحمراء وعلى الرصيف وبجانب حاوية القمامة.

 
الحرية لا تعني أن يفعل كل منا ما يشاء

وحين يقف السوري في دوره في دمشق كما يقف فيه في برلين ويحافظ على شارع اللاذقية كما يحافظ على شارع دبي ويحترم إشارة حلب كما يحترم إشارة لندن , فلن يكون ذلك لأن السوري قد تغير , بل لأن معنى الدولة قد تغير.
وحينها فقط نستطيع أن نقول إن 8 كانون الأول لم يغير السلطة التي تحكم سوريا فحسب , بل أيضاً غيير العلاقة بين السوري ودولته, وبين السوري والسوري.
فأصعب مهمه بعد التحرير ليس إسقاط قوانين الاستبداد , بل أن نتعلم جميعاً — سلطةً ومواطنين — أن الحرية لا تعني أن يفعل كل منا ما يشاء، وإنما أن يعيش كل منا حراً من دون أن يعتدي على حق الآخر , وهذه هي المسافة الحقيقية بين سقوط النظام وقيام الدولة.


طباعة هذا المقال طباعة هذا المقال طباعة هذا المقال أرسل إلى صديق

 
 

Baraka16


Orient 2022


معرض حلب


الصفحة الرئيسية
مال و مصارف
صنع في سورية
أسواق
أعمال واستثمار
زراعـة
سيارات
سياحة
معارض
نفط و طاقة
سوريا والعالم
محليات
مجتمع و ثـقافة
آراء ودراسات
رياضة
خدمات
عملات
بورصات
الطقس