سيرياستيبس
من جهة تأثيره في الاقتصاد الروسي، يمكن وصف يوليو بأنه عاصفة كاملة: أزمة وقود، وتدمير الملاحة في بحر آزوف، وخطوة واثقة نحو وقف الخدمات اللوجستية في البحر الأسود، وعزل شبه جزيرة القرم، وبداية أزمة لتجار التجزئة الروس، إلى جانب انخفاض سوق الأسهم، كل ذلك يخلق جميع الظروف لأزمة اقتصادية شاملة. يتزايد فقدان الروس ثقتهم بتعافي اقتصاد البلاد، بعد أكثر من أربعة أعوام ونصف العام على بدء الحرب ضد أوكرانيا، وتسببها بسيل لا ينقطع من العقوبات الغربية واليابانية والأسترالية وغيرها، وعدم ظهور بصيص أمل لقرب انتهائها في نهاية النفق الطويل. ففي الأشهر الأخيرة تلاشى الفارق بين نسب الإجابات الإيجابية والسلبية عن سؤال "بالنظر إلى الأوضاع الاقتصادية في البلاد ككل، هل تعتقد أن الأشهر الـ12 المقبلة ستكون جيدة أم سيئة لاقتصاد البلاد؟"، وفقاً لاستطلاع رأي أجرته مؤسسة "الرأي العام" بتكليف من البنك المركزي. ويعد التقييم الحالي للتوقعات الاقتصادية الأدنى منذ أكتوبر (تشرين الأول) عام 2022، حين أُجري الاستطلاع خلال فترة التعبئة
وتواجه روسيا بصورة متزايدة ليس فقط هجمات على المنشآت العسكرية، بل أيضاً تدميراً منهجياً لإمداداتها اللوجستية، فالهجمات الأوكرانية على مستودعات الذخيرة والوقود ومحطات السكك الحديد وممرات النقل ومراكز الخدمات اللوجستية تجبر الكرملين على إنفاق موارد متزايدة وهائلة لإعادة الإعمار.
المستثمرون في سوق الأسهم الروسية هم بمثابة الفئران على ظهر السفينة، ففرار الفئران شبيه بفرار المستثمرين الذي ينذر بانهيار الاقتصاد الوشيك (رويترز) الفقراء يزدادون فقراً والأغنياء ثراء! في روسيا، يرتفع باستمرار عدد الأشخاص الذين يعتقدون أنهم أصبحوا أكثر فقراً بشكل حاد، فقد أظهر استطلاع أجراه مركز "ليفادا" الروسي أخيراً، أن الروس فقدوا تقريباً كل تفاؤل في شأن وضعهم المالي والآفاق الاقتصادية للبلاد. وانخفض مؤشر ثقة المستهلك مدة عام على التوالي، وفي الأسبوع الأخير من يونيو (حزيران) الماضي انخفض إلى ما دون مستوى 100 نقطة الذي يفصل بين التقييمات المتفائلة والمتشائمة. وهذه هي المرة الأولى التي يحدث فيها هذا منذ أكتوبر عام 2022، عندما صُدم المجتمع الروسي بإعلان التعبئة العامة. خلال الربع الثاني من العام الحالي خسر المؤشر 23 نقطة، منها تسع نقاط في الشهرين الأخيرين فقط، عندما عانت روسيا أزمة الوقود. حالياً، لا تقتصر النظرة السلبية على الوضع الراهن فحسب، بل تشمل أيضاً التوقعات المستقبلية. انخفض مؤشر التوقعات إلى 97 نقطة، وانخفض تقييم الوضع الحالي للاقتصاد إلى 89 نقطة. وأشار مركز "ليفادا" إلى أن آخر مرة تم فيها تسجيل أرقام مماثلة كانت عام 2021، ويُلاحظ اتجاه مماثل في تقييمات الوضع المالي للأفراد. قبل عام، كان عدد أولئك الذين أبلغوا عن تحسن في وضعهم المالي خلال الأشهر الـ12 الماضية مساوياً تقريباً لعدد أولئك الذين أبلغوا عن تدهوره، 24 في المئة مقابل 23 في المئة. والآن أصبحت الفجوة ثلاثة أضعاف تقريباً: قال 35 في المئة من المشاركين في الاستطلاع إنهم أصبحوا أفقر، بينما أبلغ 13 في المئة فقط عن تحسن في رفاهيتهم. في الوقت نفسه، تجاوزت نسبة أولئك الذين يتوقعون أن تسوء أوضاعهم المالية خلال العام المقبل عدد المتفائلين لأول مرة، 24 في المئة مقابل 21 في المئة . للمقارنة، كان الوضع قبل عام عكس ذلك: توقع 31 في المئة من المشاركين حدوث تحسن، بينما توقع 13 في المئة فقط حدوث تدهور. وأشار مركز "ليفادا" أيضاً إلى تحول آخر في مشاعر الروس، ففي الأعوام الأخيرة، كان المشاركون في الاستطلاعات أكثر تفاؤلاً في شأن مستقبل البلاد الاقتصادي من تفاؤلهم في شأن مستقبلهم الشخصي، إلا أن هذا الاتجاه انعكس في يونيو الماضي. تضاعفت نسبة من يعتقدون أن الأشهر الـ12 المقبلة ستكون غير مواتية للاقتصاد الروسي، إذ ارتفعت من 16 في المئة قبل عام إلى 35 في المئة حالياً، في الوقت نفسه، انخفض عدد المتفائلين انخفاضاً حاداً، من 49 في المئة إلى 29 في المئة.
عموماً، لا جدوى من توقع زيادة في عائدات النفط والغاز بخاصة مع توقف حركة الشحن في بحر آزوف تماماً قبل أسبوعين وتزايد معاناة ناقلات النفط وسفن البضائع السائبة في البحر الأسود (رويترز) وكانت مؤسسة "غالوب" الدولية للأبحاث قد أشارت سابقاً إلى أن الروس يظهرون أعلى مستوى من التشاؤم الاقتصادي خلال الأعوام الـ20 الماضية، وأن الغالبية العظمى من مواطني البلاد أبلغوا عن تدهور سريع في ظروفهم المعيشية. والمفارقة أنه في الوقت الذي يشعر فيه معظم المواطنين الروس بفقرهم ويعبرون عن شعور متشائم باحتمال تحسن الأوضاع الاقتصادية، صعدت الثروة الإجمالية لأغنى رجال الأعمال الروس بمقدار 4.82 مليار دولار منذ بداية العام الحالي، بحسب بيانات مؤشر "بلومبيرغ للمليارديرات". ويضم المؤشر 500 من أغنى أغنياء العالم، ويشمل حالياً 20 شخصية روسية، وبلغت قيمة ثروات الشخصيات الروسية بحلول نهاية يوليو (تموز) الماضي 297.15 مليار دولار. بوادر ركود يشعر الروس بتدهور الوضع الاقتصادي، الذي دخل في حال ركود تبدو مؤشراتها واضحة للعيان، فقد انخفض الناتج المحلي الإجمالي في الربع الأول من هذا العام بنسبة 0.2 في المئة مقارنة بالعام السابق، وهو أول انخفاض له منذ ثلاثة أعوام. كذلك ارتفعت الأسعار في بداية العام بسبب زيادة ضريبة القيمة المضافة، وبدأت تقييمات الوضع الاقتصادي والوضع المالي الشخصي وآفاقهما تتدهور بسرعة. في أبريل (نيسان) الماضي ولأول مرة منذ ديسمبر (كانون أول) عام 2022، جاءت توقعاتهم السلبية في شأن التغيرات في وضعهم المالي في العام المقبل أكثر من الإيجابية. يشهد الاقتصاد انقساماً متزايداً بين قطاع عسكري متنامٍ، مرتبط بعقود حكومية وسياسات إحلال الواردات، وقطاع مدني خاص متراجع. ففي الربع الأول سجلت 19 صناعة من أصل 24 صناعة تحويلية خسائر، وفقاً لمعهد التنبؤ الاقتصادي التابع للأكاديمية الروسية للعلوم. وهذا أحد أسباب ارتفاع البطالة الخفية المقنعة إلى أعلى مستوى لها منذ عقد في الأقل. ففي ظل نقص العمالة، تسعى الشركات جاهدة إلى الاحتفاظ بموظفيها أملاً في مستقبل أفضل. نتيجة لذلك، تباطأ نمو الأجور، وانخفضت الدخول الحقيقية المتاحة للروس، والتي كانت تشهد نمواً سريعاً سابقاً، لأول مرة منذ ثلاث سنوات مقارنة بالربع السابق، وفقاً لحسابات مركز الأبحاث (سماكس) التابع للحكومة، وبعد تعديلها وفقاً للعوامل الموسمية، انخفضت بنسبة واحد في المئة في الربع الأول مقارنة بالفترة من أكتوبر إلى ديسمبر 2025. أظهر استطلاع مؤسسة "فوم" أيضاً توقف نمو دخول الأفراد، إذ يبلغ متوسط دخل الفرد الشهري المتاح هذا العام نحو 27500 روبل (نحو 400 دولار)، وكل هذا لا يبشر بالخير. يعتبر مركز التحليل الاقتصادي الكلي والتنبؤ القصير الأجل أن انخفاض دخول الروس بمثابة "تصحيح رسمي"، ويتوقع استئناف النمو في النصف الثاني من العام الحالي، لكن هذا المركز الموالي للكرملين لا يجد تفسيراً لـ"الانخفاض السريع، بخط انحداري" في تقييمات الروس لمستوى معيشتهم والوضع الاقتصادي "في ظل ظروف مواتية عموماً"، ولكنه يشير إلى أن هذا الانخفاض "المطول والعميق بصورة غير متوقعة" في التقييمات قد أصبح بحد ذاته عاملاً مؤثراً في سلوك الأفراد والاقتصاد برمته. كنز المال وتراجع الطلب! بسبب استمرار الحرب والعقوبات الغربية التي تضيق الخناق على الاقتصاد فقد المواطنون الروس تفاؤلهم وتزايد قلقهم في شأن أوضاعهم المالية، وهذا ما دفعهم إلى كنز المال وزيادة مدخراتهم. وقد سجلت استطلاعات مركز "ليفادا"، كتلك التي تجريها مؤسسة الرأي العام "فوم"، انخفاضاً في مؤشر ثقة المستهلك، إذ اقترب في الربع الأول من العام من المنطقة المتشائمة، ويزيد ضعف الطلب من حدة التراجع الاقتصادي، إذ تشير "سماكس" إلى أن الاستهلاك المنزلي هو المحرك الرئيس للاقتصاد. يفقد الروس ثقتهم بالاقتصاد بسبب ارتفاع الأسعار، وانخفاض القيمة الحقيقية للأجور، ونقص السلع، والعزلة المطولة التي تعانيها البلاد بسبب العقوبات، ويشهد الناس ارتفاعاً في أسعار المواد الغذائية، مما يدفعهم إلى تبني إجراءات تقشفية، ولا يتوقعون أي تحسن في ظل استمرار الحرب وتشديد العقوبات والإنفاق العسكري المتزايد.
يجدر التذكير بأن روسيا لا تجنِي الأموال من صادرات النفط ومشتقاته فحسب، بل أيضاً، على سبيل المثال، من صادرات القمح (رويترز) الأسباب الرئيسة لتراجع الآمال يمكن إرجاع فقدان الروس ثقتهم بمستقبل البلاد الاقتصادي إلى العوامل التالية: -ارتفاع الأسعار والتضخم: أصبحت المنتجات والخدمات والمعدات أغلى ثمناً بوتيرة أسرع من الأجور. -انخفاض الدخول الحقيقية: يقوم الناس بعمليات شراء كبيرة أقل وينفقون المال فقط على الضروريات. -العبء العسكري: تذهب غالبية الموازنة الحكومية إلى احتياجات الجيش، وليس إلى التنمية والطب والمدارس والطرق. -العقوبات والعزلة: فقدت البلاد إمكان الوصول إلى التقنيات المهمة والسلع الأجنبية. -الإرهاق من الأزمات: لقد حلّت محل التوقعات بتحسن سريع فكرة التراجع الطويل الأمد. البحّارة والفئران! كان سلوك الفئران عبر الزمن على السفينة المبحرة، علامة مجربة لدى البحارة القدماء تنذر بالهلاك الوشيك: فإذا سارعت الفئران إلى الهرب من السفينة نحو مصير مجهول في البحر، كان هذا نذير شؤم وعلامة على قرب غرق السفينة بمن عليها. في علم الاقتصاد، يمكن تطبيق هذا القياس على سوق الأسهم وسلوك المستثمرين، مما يمكننا من فهم حقيقة الوضع الاقتصادي في ظل التلاعب ببعض الإحصاءات، وتزييف البيانات العامة بصورة سافرة من قبل هيئة الإحصاء الروسية (روستات). فعند النظر إلى سلوك أسعار الأسهم، نفهم حقيقة تردي الوضع الاقتصادي، لأن المشاركين في السوق يستخدمون أموالهم الخاصة لتقييم الوضع الراهن والتوقعات المستقبلية. المستثمرون في سوق الأسهم الروسية هم بمثابة الفئران على ظهر السفينة، ففرار الفئران شبيه بفرار المستثمرين الذي ينذر بانهيار الاقتصاد الوشيك. وعام 2026 فرّت الفئران بالفعل، جماعياً ومن دون توقف. أضف إلى ذلك أزمة السيولة الهائلة، وأزمة الوقود، وعجز الموازنة، وانخفاض الاستثمار، وانفجار فقاعة العقارات، وتدمير المراكز اللوجستية بالمسيرات الأوكرانية مع أضرار بلغت مئات المليارات من الروبلات، وستجد كل هذه العلامات تنذر باحتمال حدوث كارثة اقتصادية وشيكة. فرار الفئران وعواقبه عانى سوق الأسهم الروسي تراجعاً حاداً في يوليو الماضي، إلا أن هذه المعاناة ليست جديدة ولا طارئة، فهو كان يعاني التراجع في يونيو ومايو )أيار( الماضيين، بل وحتى قبل ذلك، لكن هذه السوق شهدت في الواقع خلال يوليو الماضي انخفاضاً قياسياً استمر 18 أسبوعاً متتالياً (وهي أطول فترة انخفاض تشهدها سوق الأسهم الروسية على الإطلاق). وحدث أن أسهم أكثر من 30 شركة روسية أخرى، إضافة إلى عملاق الغاز "غازبروم"، سجلت أدنى مستوياتها التاريخية، بما في ذلك "ألروسا"، و"أسترا"، وبنك "في تي بي"، و"في كي"، و"وش"، و"دياسوفت"، وغيرها كثير. فعلى سبيل المثال، انخفضت أسهم شركة "ساموليت"، إحدى أكبر شركات تطوير البرمجيات، بنسبة 95 في المئة مقارنة بمستويات عام 2021. إذاً، انخفضت أسعار الأسهم، وهذا ليس بسبب المضاربة والمضاربين. فاتجاهات سوق الأسهم لا تحددها المضاربة وحدها، ولا يتعلق أيضاً بتسييل رؤوس الأموال، بل أيضاً بسبب تسرب رؤوس الأموال وفرارها من الأسواق ذات الأخطار العالية بسبب عدم اليقين بمستقبل هذه الاستثمارات، وفقاً للقاعدة الذهبية في الاقتصادات الرأسمالية التي تؤكد أن "رأس المال جبان". يشير بعض البيانات إلى أن المليارديرات المحليين ورجال الأوليغارشية، وبينهم أولئك المقربون من الكرملين وحاشيته، قد بدأوا بهجرة جماعية لأعمالهم من روسيا ونقل أصولهم ومحافظهم المالية إلى الخارج، لأنهم أدركوا أن الأوضاع متردية وستزداد تردياً، وأن الحصول على ما غلا ثمنه وخفّ حمله أفضل من ألا يحصلوا على شيء في حال تطورت الأوضاع إلى ما هو أسوأ. بعبارة أخرى، باشر الأثرياء والمطلعون على بواطن الأمور بالفرار بأصولهم ورؤوس أموالهم قبل فوات الأوان. حتى الفئران الأصغر حجماً تشعر بالريبة. وتشير الشائعات إلى أن حجم الأموال المسحوبة من النظام المصرفي في يوليو وحده قد تجاوز تريليون روبل، ففي الأسبوعين الأولين من الشهر، تجاوز 513 مليار روبل، أي خمسة أضعاف ما تم سحبه في الفترة نفسها من عام 2025 (الدولار يساوي 78 روبلاً).
تعاني الميزانية الفيدرالية الروسية الآن عجزاً يقدر بقيمة تريليونات الروبلات بحلول نهاية النصف الأول من عام 2026، ولا يمكن سد هذا العجز إلا من خلال إصدار سندات دين على شكل سندات قروض فيدرالية وبيعها للمستثمرين المحليين، لأن المصادر المالية الغربية محظورة على الحكومة الروسية بسبب الأزمة الأوكرانية. وإذا كان المستثمرون يفرون، فلمن وكيف يمكن لوزارة المالية الروسية بيع هذه السندات؟ لقد حدثت أمور غريبة أخيراً في ما يتعلق بالمناطق المالية الخاصة وسياسات وزارة المالية: ففي الـ24 من يونيو، تم إلغاء مزاد لبيع مناطق إنتاج نفطي، وفي الأول من يوليو، لم تبع الوزارة سوى 10 في المئة من الأصول التي خططت لبيعها، وفي الثامن من يوليو، تم إلغاء المزاد، وفي الـ15 من يوليو، تم إعلان المزاد غير صالح "بسبب عدم وجود عروض بأسعار مقبولة". بالطبع، هذه ليست نهاية العالم. من الممكن، على سبيل المثال، تنظيم عملية بيع قياسية للذهب من احتياطات النقد الأجنبي (باع البنك المركزي الروسي 44 طناً من الذهب منذ بداية العام)، لكن تجربة صندوق الرفاه الوطني تظهر أن لهذا المخطط حدوده المادية. حتى مع الأخذ في الاعتبار مكافأة ترمب بالسماح لموسكو ببيع نفطها لمدة شهرين عقب اندلاع الحرب مع إيران، تظهر التجربة أن عائدات النفط والغاز انخفضت بنسبة 23 في المئة بين يناير (كانون الثاني) ويونيو مقارنة بالفترة من العام السابق، مما ترك الميزانية بعجز تريليون دولار. إضافة إلى ذلك، فإن الحرب بين أميركا وإيران ليست أبدية، ولكن الأمر الرئيس ليس ذلك، بل العقوبات المتصاعدة والحرب التي تطحن الحجر والبشر والمال معاً. ضرب النفط بالطائرات المسيرة في نهاية يوليو، دأبت هيئة الإحصاء الروسية (روستات) على نشر تقارير فاجأت الجميع بإعلانها عن انخفاض إنتاج المنتجات البترولية بنسبة تقارب 22 في المئة ، وهذا ما تعلنه "روستات" الحكومية رسمياً، لكن المتخصصين يقولون إن الانخفاض وصل إلى 35 في المئة . وحاول باحثون في معهد "أكسفورد" للطاقة استخلاص بعض الاستنتاجات الأولية حول تأثير غارات الطائرات المسيّرة في صناعة النفط الروسية. وأهم النتائج التي توصلوا إليها جاءت على النحو التالي: -عام 2026، هاجمت طائرات من دون طيار 24 مصفاة نفط روسية (من أصل 34) بطاقة إنتاجية إجمالية تبلغ 5.1 مليون برميل يومياً، ما يعادل 81 في المئة من إجمال طاقة التكرير في روسيا. -منذ منتصف يونيو، كان ثلث طاقة تكرير النفط في روسيا متوقفاً عن العمل. -تراوحت الطاقة الإنتاجية للمصافي الروسية ما بين 4.4 و5.2 مليون برميل يومياً على مدى الأعوام الثلاثة الماضية، لكنها انخفضت بنحو 0.9 مليون برميل خلال الأشهر الثلاثة الماضية، من 4.6 مليون في مارس (آذار) إلى 3.7 مليون برميل يومياً في يونيو، وهو أدنى مستوى لها منذ 21 عاماً. -انخفض إنتاج البنزين بنسبة 24 في المئة مقارنة بيونيو 2025، ووقود الطائرات بنسبة 23 في المئة، ووقود الديزل بنسبة 20 في المئة . -تراجعت صادرات وقود الديزل في يونيو الماضي ما يقرب من ثلثي (63 في المئة) مما كانت عليه في بداية العام. -انخفضت الأحجام في ميناء بريمورسك على بحر البلطيق، وهو مركز تصدير وقود الديزل الرئيس في روسيا، بنسبة 44 في المئة مقارنة بمايو وبأكثر من النصف مقارنة بالعام الماضي. من أجل حل أزمة الوقود المستفحلة التي جعلت الروس يصطفون في طوابير طويلة أمام محطات الوقود تم ابتكار خطة تكلف الموازنة أثماناً باهظة، إذ تقضي ببيع النفط للهند بأقصى خصم (أي خسارة عائدات النفط والغاز)، ثم شراء البنزين من الهند بأسعار عالمية، مع استخدام آلية كبح الواردات في الوقت نفسه، أي تعويض المستوردين من الموازنة عن الفرق بين السعر المحلي للبنزين وما دفعوه للهند. عموماً، لا جدوى من توقع زيادة في عائدات النفط والغاز، بخاصة مع توقف حركة الشحن في بحر آزوف تماماً قبل أسبوعين، وتزايد معاناة ناقلات النفط وسفن البضائع السائبة في البحر الأسود، بل إن الوضع حرج لدرجة أن البحر الأسود نفسه سيصبح خطراً قريباً بسبب استهداف المسيرات الأوكرانية لكل سفينة تتحرك فيه. في هذا السياق، يجدر التذكير بأن روسيا لا تجنِي الأموال من صادرات النفط ومشتقاته فحسب، بل أيضاً، على سبيل المثال، من صادرات القمح. لذا، بعد استبعاد بحر آزوف من حساباتها، تبيّن أن ثلث صادرات القمح تقريباً كانت تمر من هناك أيضاً. بالتالي، لن تقتصر الخسائر على إيرادات موازنة النفط والغاز والقمح فحسب. ففي يوليو، إضافة إلى ميدان الرماية في بحر آزوف والبحر الأسود، استهدفت أوكرانيا عشرات المستودعات الضخمة لشركة "وايلدبيريز" التي تعتبر أكبر منصة بيع عبر الإنترنت في روسيا ودول الاتحاد السوفياتي السابق، مما أسفر عن خسائر تقدر قيمتها بمئات المليارات. تمثل سوق التجارة الإلكترونية في روسيا اليوم حجم مبيعات سنوية يقدّر بنحو 10 تريليونات روبل. وتسيطر شركة "وايلدبيريز" على هذه السوق بحصة سوقية تقارب 50 في المئة . ومن ثم فإن توقف أعمال هذه الشركة سيؤدي حتماً إلى خسائر فادحة للجميع، بما في ذلك الموازنة العامة التي ستتأثر بفقدان الإيرادات الضريبية. أزمة الديون والقطاع المصرفي مع نهاية أبريل، بلغ إجمال ديون المؤسسات المتأخرة رقماً قياسياً قدره 7 تريليونات روبل، بزيادة تقارب 20 في المئة على أساس سنوي. ويشمل هذا المبلغ ليس فقط القروض المصرفية، بل أيضاً الديون المستحقة للموردين والموظفين وسلطات الضرائب. 7 تريليونات مبلغ ضخم، بالمناسبة، فهو يزيد علة نصف موازنة روسيا الاتحادية العسكرية بأكملها. فإذا لم تسدد شركة ما ديونها قبل رفع ضريبة الشركات، وزيادة ضريبة القيمة المضافة، وارتفاع التضخم، وأزمة الوقود، وأزمة الخدمات اللوجستية، فمن المستبعد جداً أن تسددها في ظل الظروف الراهنة. بالمناسبة، اقترض المواطنون أيضاً بشكل مفرط، حتى أصبحوا مدمنين للائتمان. لم تعد البنوك تقرض هؤلاء المدمنين، لكنهم بحاجة إلى حل. لذا، أخذت مؤسسات التمويل الأصغر ومحلات الرهن الأخرى القيام بهذه المهمة لكن مع فوائد تصل إلى 250 في المئة سنوياً، إنه طريق مسدود. لفهم حجم المشكلة، اقترض المواطنون الروس العام الماضي وحده 2.1 تريليون روبل من مؤسسات التمويل الأصغر (بزيادة قدرها 35 في المئة مقارنة بعام 2024)، ويوجد في روسيا 13.2 مليون شخص مدمن للقروض. أزمة عميقة هكذا يتضح أن الموازنة التي تعاني عجزاً مالياً كبيراً لا تملك أموالاً، بل عليها تريليونات من الديون، والشركات لا تملك أموالاً، وترزح تحت عبء تريليونات من الديون، والمواطنون لا يملكون أموالاً، ويعانون مشكلة سداد تريليونات من الديون. بحسب البيانات الرسمية، تمتلك البنوك قروضاً متعثرة تتجاوز قيمتها 11 تريليون روبل. في الواقع، هذه ليست قروضاً متعثرة بالمعنى الحرفي، بل هي قروض ميؤوس منها. يبلغ حجم القروض المتعثرة الحقيقي ثلاثة أضعاف هذا الرقم، أي نحو 36 تريليون روبل، ومع هذا العجز الهائل، يصبح النظام المصرفي مُعرّضاً للانهيار. أضف إلى ذلك المواطنين الذين يسحبون أموالهم من البنوك بكميات هائلة، وهكذا نصل إلى ما يسمى بفجوة السيولة، التي تؤدي إلى أزمة مصرفية، وإذا انهارت البنوك، فإن الاقتصاد بأكمله سينهار. من جهة تأثيره في الاقتصاد الروسي، يمكن وصف يوليو بأنه عاصفة كاملة: أزمة وقود، وتدمير الملاحة في بحر آزوف، وخطوة واثقة نحو وقف الخدمات اللوجستية في البحر الأسود، وعزل شبه جزيرة القرم، وبداية أزمة لتجار التجزئة الروس، إلى جانب انخفاض سوق الأسهم، كل ذلك يخلق جميع الظروف لأزمة اقتصادية شاملة.
اندبندنت عربية
|