سيرياستيبس
خلال أول شهرين من اندلاع الحرب في الشرق الأوسط جرى الإعلان عن 305 إجراءات شملت حظر تصدير الطاقة والأسمدة ودعم منتجات الطاقة النظيفة ودعم المصدرين
كشف تقرير حديث عن ارتفاع شعبية السياسة الصناعية، أي استخدام التدخلات الحكومية لدعم أو تطوير شركات وصناعات محددة، خلال الأعوام الأخيرة، ولا سيما في مواجهة الأزمات.
وتُعد الحرب في الشرق الأوسط أحدث مثال على ذلك، إذ دفعت أسعار الطاقة المرتفعة والاضطرابات الجيوسياسية إلى اتخاذ إجراءات، فإضافة إلى تدابير الدعم الشاملة للاقتصاد مثل تحديد سقف لأسعار الوقود وخفض الرسوم الجمركية، جرى الإعلان عن 305 إجراءات في الأقل في السياسة الصناعية تعود للنزاع خلال أول شهرين منه، وشملت هذه التدابير حظر تصدير الطاقة والأسمدة ودعم منتجات الطاقة النظيفة ودعم المصدرين.
وتأتي هذه التدابير في أعقاب زيادة ملحوظة في إجراءات السياسة الصناعية خلال الأعوام الأخيرة. ويظهر مرصد السياسة الصناعية الجديد الذي طوره صندوق النقد الدولي بالتعاون مع مبادرة التنبيه التجاري العالمي، تسارعاً حاداً منذ عام 2020، عندما أطلقت جائحة "كوفيد-19" موجة من الإجراءات الحكومية. وعلى عكس الأزمات السابقة، استمر العمل بكثير من هذه التدابير بعد انتهاء حال الطوارئ.
وتظهر البيانات التي تشمل أكثر من 52000 تدخل في 75 دولة منذ عام 2009، أن إجمال التدخلات التي تم إدخالها العام الماضي كان 2.5 ضعف متوسط ما قبل الجائحة، ويؤكد هذا النمو على ضرورة فهم أفضل لكيفية تطور السياسات الصناعية وأسبابها، ومتى تحقق النجاح.
تغير كبير في الأولويات منذ عام 2020 ويشير صندوق النقد الدولي إلى تحول ملحوظ في دوافع تدخل الحكومات، فالتوجه الحديث نحو السياسات الصناعية مدفوع بصورة متزايدة بمخاوف تتعلق بالمرونة والأمن، وهي مخاوف من غير المرجح أن تهدأ مع تصاعد التوترات في الشرق الأوسط.
بعد عام 2008، كانت المبررات الرئيسة للدعم الصناعي هي تعزيز القدرة التنافسية ومواجهة تغير المناخ. ولكن منذ عام 2020، أصبحت هذه المبررات موجهة بصورة أكبر نحو مرونة سلاسل التوريد والأمن القومي والمخاوف الجيوسياسية، وفقاً للدراسة التي استخدمت نماذج لغوية واسعة النطاق لتصنيف السياسات بحسب مبرراتها.
ويظهر ذلك كيف أن الحكومات لم تعُد تهدف وحسب إلى بناء صناعات أقوى وأكثر تنافسية، بل تسعى بصورة متزايدة إلى تقليل اعتمادها على المنافسين الجيوسياسيين وحماية ما تُعده قطاعات استراتيجية، وهذا نوع مختلف نوعياً من السياسة الصناعية.
ويشير صندوق النقد الدولي إلى أن النتائج متفاوتة، إذ يتحدد النجاح بتصميم السياسة مثل اختيار الأداة المستخدمة، لكن الصورة تصبح أقل تفاؤلاً مع توافر أدلة أكثر تفصيلاً، تحديداً البحث عن الأثر الاقتصادي للسياسات الصناعية الذي يتناول أنماط التجارة بين الدول والمنتجات وكيفية استجابة الشركات في القطاعات المستهدفة.
ويظهر تحليل مستوى المنتج أن السياسة الصناعية تميل إلى تحسين القدرة التنافسية للقطاعات المستهدفة، ولكن بآثار قصيرة الأجل.
والأهم من ذلك، أن هذا التحسن يظهر في الغالب في القطاعات التي كانت تتمتع بالتنافسية أصلاً، وهذا اعتبار مهم للحكومات التي تأمل في استخدام السياسة الصناعية لبناء صناعات جديدة من الصفر.
وقال صندوق النقد إن الإعانات على مستوى الشركات ترتبط بزيادات مستدامة في الاستثمار الرأسمالي، لكن آثارها على الإنتاجية والناتج تتلاشى بسرعة، بل قد تنعكس بعد بضعة أعوام.
ولا تؤثر حوافز التصدير بصورة كبيرة في أداء الشركات، على رغم وجود بعض المؤشرات على أنها يمكن أن تعيد تخصيص الموارد نحو الشركات الأكثر إنتاجية بعد فترة من التكيف.
لكن هناك جوانب إيجابية، يرتبط كثير منها ببعض أهداف السياسة الصناعية الحديثة مثل المناخ ومرونة سلسلة القيمة، فعند استهداف القطاعات التي تعاني تشوهات سوقية كبيرة كالهوامش الربحية المرتفعة والاعتماد المالي الخارجي، قد يصل التأثير إلى أربعة أضعاف.
وتظهر السياسات الداعمة للتحول الأخضر تحسينات أقوى وأكثر استدامة في القدرة التنافسية، ويبدو أن التدخلات التي تستهدف مكونات المنتجات النهائية، والمعروفة بالجزء الأولي من سلسلة التوريد، أكثر فاعلية من تلك التي تستهدف المنتجات النهائية مباشرة.
الإصلاحات الشاملة تحقق مكاسب أكبر وأشار صندوق النقد إلى أن السياسة الصناعية ليست خاطئة، فهناك أسباب اقتصادية وجيهة لها في ظل إخفاقات السوق.
واستنتج الصندوق أن تحقيق الأهداف المنشودة أصعب بكثير مما قد توحي به الشعبية السياسية الحالية لهذه الإجراءات.
ولا تدعم الأدلة فكرة دورات النجاح ذاتية التعزيز، حيث يعزز الدعم الحكومي المنافسة. بدلاً من ذلك، نرى في الغالب مكاسب متواضعة وموقتة في قطاعات كانت قوية بالفعل.
وتثير هذه الأدلة سؤالاً جوهرياً، هل ينبغي أن تكون السياسة الصناعية هي الخطوة الأولى الصحيحة؟ فغالباً ما تحقق الإصلاحات الشاملة للاقتصاد مكاسب أكبر، إذ يمكن للتحسينات المؤسسية والتنظيمية أن ترفع الإنتاج في الصناعات غير الكفؤة بنسبة تصل إلى 10 في المئة على المدى المتوسط، أي خمسة أضعاف الزيادة في الإنتاج التي لوحظت على المدى المتوسط بعد تطبيق السياسات الصناعية. وتفيد الإصلاحات المالية بصورة خاصة الصناعات التي تعاني قيوداً ائتمانية.
وعلى نطاق أوسع، تفيد الإصلاحات الهيكلية جميع القطاعات، وتُجنّب أخطار تفضيل قطاعات على أخرى، وتحسن فرص نجاح السياسة الصناعية في حال تطبيقها.
وغالباً ما تتجاهل الحكومات الآثار الأوسع نطاقاً على مستوى الدولة والعالم. وعادة ما تعيد السياسة الصناعية تخصيص الموارد لكيانات محددة، مما قد يضر بالاقتصاد ككل إذا جاء على حساب الجهات الفاعلة الأكثر إنتاجية. علاوة على ذلك، عندما تدعم دولة ما قطاعاً استراتيجياً، غالباً ما تحذو دول أخرى حذوها، كما تظهر بيانات المعهد الوطني للملكية الفكرية.
وقد ينتج من ذلك سباق تسلح مكلف وغير فاعل عالمياً في مجال الدعم، مما يلحق الضرر بالجميع. أخيراً، يمكن أن تؤثر تدابير السياسة الصناعية في الاختلالات العالمية عندما تؤثر في الإنتاجية الإجمالية أو تُطبق على مستوى الاقتصاد ككل لفرض الادخار وإعادة توجيه الموارد نحو الفوائض الخارجية، وتتطلب إدارة هذه الآثار الجانبية مزيداً من التعاون الدولي في وقت تجعل التوترات الجيوسياسية هذا التعاون أكثر صعوبة.
بينما من الواضح أن السياسة الصناعية عادت، يصعب تحديد ما إذا كانت قادرة على تحقيق فوائد اقتصادية مستدامة أو ما هي كلفتها. ويشير صندوق النقد إلى أن ذلك يعتمد على مدى دقة تصميم السياسات وكفاءة إدارة المؤسسات المنفذة وقوة أسس السياسة الاقتصادية الكلية للدولة، وما إذا كان العالم قادراً على التنسيق بدلاً من الرد بالمثل.
اندبندنت عربية
|