سيرياستيبس :
تحت وطأة “فخ الأرقام”، يبدو الأمن الغذائي في سوريا كمن يسير فوق حبل مشدود بين تقارير دولية متفائلة وواقع معيشي مرير
الدكتور عبد الرحمن محمد، أستاذ التمويل والمصارف في كلية الاقتصاد بجامعة حماة، أكد أن الأمن الغذائي في سوريا يشكل اليوم أحد أعقد التحديات الإنسانية والاقتصادية، حيث تتداخل العوامل الطبيعية مع التداعيات السياسية لتشكل معادلة تعكس عمق الأزمة الهيكلية في القطاع الزراعي، لافتاً إلى أن التقرير الأخير لبرنامج الأغذية العالمي لشهر كانون الثاني (يناير) 2026 يحمل مؤشرات متباينة تجمع بين بوادر تحسن نسبي واستمرار معاناة الأغلبية العظمى من السكان في تلبية احتياجاتهم الأساسية.
فخ الأرقام
وفي قراءة أكاديمية لهذا التباين، أوضح الدكتور محمد أن القفزة الرقمية في نسبة الأسر الآمنة غذائياً من 11 بالمئة إلى 18 بالمئة تمثل تحسناً ملحوظاً في النسبة، لكنها تبقى محدودة جداً بقيمتها المطلقة، مبيناً أن هذا التطور يعكس أساساً فاعلية التدخلات الإنسانية المستهدفة، كمشروع دعم الخبز الذي وصل لـ 5.3 ملايين شخص والمساعدات النقدية، وهو ما أوجد ما يمكن وصفه بـ”جزر أمان غذائي” وسط محيط من العوز، ما يفسر تحسن المؤشر العام مع بقاء الأغلبية في دائرة العجز.
ونوه أستاذ الاقتصاد إلى أن هذه المتوسطات الإحصائية قد تحجب تفاوتات جغرافية حادة، حيث يظهر التحسن في مناطق استفادت من تدخلات مكثفة كحلب، بينما تظل مناطق كالحسكة والرقة والسويداء تحت وطأة الجفاف والظروف الأمنية التي تعطل الإنتاج والوصول..
التعافي المبكر
وحول فلسفة “التعافي المبكر”، اعتبر الدكتور محمد أن المشروعات التأهيلية لمحطات الضخ والصوامع وتطهير نهر العاصي بحماة، ودعم مزارعي السويداء بالبذور، تمثل نقلة نوعية تهدف إلى توفير أثر تراكمي طويل الأمد وتقليل الاعتماد على الاستيراد، إلا أنها من الناحية الواقعية تبقى “محدودة النطاق” مقارنة بحجم التحدي المليوني، مشدداً على أن تحسين الإنتاج المحلي وحده لا يكفي لانتشال الأسر من العوز في ظل تضخم جامح وتراجع حاد في الدخل، ما لم يرافقه ضبط حقيقي للأسواق ورقابة صارمة على سلاسل التوريد.
كما حذر من أن فجوة التمويل الدولية البالغة 175 مليون دولار تجعل هذه الاستثمارات عرضة للتوقف، ما يهدد بتحويلها من مشروعات تنموية إلى مجرد تدخلات إسعافية ممتدة.
إصلاح هيكلي
وخلص محمد إلى أن مشروعات التعافي المبكر، وإن شكلت جسراً نظرياً نحو الاستدامة، إلا أنها تظل في الممارسة العملية بمثابة “إسعاف مطور”، ما لم تتكامل مع سياسات اقتصادية كلية تعالج جذور التضخم وتدعمها تمويلات مستقرة تمنع انهيارها عند أول أزمة مالية، مؤكداً ضرورة الانتقال إلى استراتيجية شاملة تعيد بناء الثقة بالقدرات الإنتاجية المحلية، وتؤمن سبل العيش المستدام للمواطن السوري.





