سيرياستيبس
يشكّل البحر مورداً وطنياً استراتيجياً لا غنى عنه، إذ يتجاوز دوره كمسطح مائي ليغدو ركيزة أساسية للأمن الغذائي ومصدراً مباشراً لفرص العمل، ولا سيما في المجتمعات الساحلية التي ترتبط معيشتها بالثروة السمكية ارتباطاً وثيقاً، وفي هذا السياق، تبرز قضايا استدامة الموارد البحرية بوصفها أولوية وطنية في ظل التحديات المتزايدة التي تواجه المخزون السمكي، وفي مقدمتها أنماط الصيد غير المنظم، وعلى رأسها الصيد الجارف.
يُعرَّف الصيد الجارف بأنه أحد أنماط الصيد الصناعي الذي يعتمد على شباك ثقيلة تُجر عبر قاع البحر أو بالقرب منه لالتقاط كميات كبيرة من الكائنات البحرية، ويُستخدم هذا النمط وفق ضوابط فنية ومناطق محددة في بعض الدول، إلا أن خروجه عن هذه الضوابط، ولا سيما في المناطق الساحلية الضحلة، يحوّله إلى ممارسة ذات آثار بيئية واقتصادية بالغة الحساسية.
وتشير الدراسات البيئية إلى أن الصيد الجارف، عند ممارسته في بيئات غير مخصصة له، يؤدي إلى تضرر قاع البحر والموائل الطبيعية التي تشكّل الحاضنة الأساسية لتكاثر الأسماك واللافقاريات البحرية، كما يسهم في تقليص قدرة المخزون السمكي على التجدد الطبيعي، ويؤدي إلى انخفاض التنوع الحيوي نتيجة القضاء على الكائنات الصغيرة واليرقات البحرية قبل بلوغها مراحل النضج.
ولا تنحصر تداعيات تراجع المخزون السمكي في البعد البيئي فحسب، بل تمتد إلى البعد الاقتصادي والاجتماعي، ولا سيما بالنسبة للصيادين التقليديين الذين يعتمدون على الصيد الساحلي كمصدر دخل رئيسي، إذ ينعكس ضعف الإنتاج السمكي على استقرار سوق الأسماك ويرفع تكاليف المعيشة ويهدد استمرارية مهنة توارثتها أجيال متعاقبة.
وفي هذا الإطار، يقول الصياد محمد الكردي إن تراجع المخزون السمكي بات الهاجس الأكبر للصيادين، موضحاً أن الأسباب تعود إلى تراكم ممارسات خاطئة، من بينها الاستخدام السابق للديناميت، إضافة إلى غياب التنظيم وعدم الالتزام بمواسم الصيد، ويشير إلى أهمية احترام الأشهر المحددة لمنع الصيد، الممتدة من منتصف حزيران حتى منتصف أيلول، ومنع استخدام المعدات غير المسموح بها، معتبراً أن الالتزام بهذه الضوابط كفيل بإعادة التوازن إلى البحر.
كما يلفت الكردي إلى أثر الملوثات البحرية الناتجة عن مخلفات السفن والقوارب القديمة وقطع الخردة التي تُلقى في البحر دون مساءلة، ما يؤدي إلى تضرر البيئة البحرية وتجمع الأسماك حول هذه المخلفات بصورة تؤثر في سلامتها واستدامتها.
دوريات بحرية لمكافحة الصيد الجارف من جهتها، تؤكد الجهات المعنية أن تنظيم قطاع الصيد البحري وحماية الثروة السمكية يحظيان بأولوية قصوى، وفي تصريح لصحيفة «الثورة السورية»، أوضح مازن علوش، مدير العلاقات في الهيئة العامة للمنافذ والجمارك، أن المديرية العامة للموانئ تولي ملف الصيد الجارف أهمية كبيرة من خلال التنسيق المستمر مع القوى البحرية لتنفيذ دوريات دائمة ضمن المياه الإقليمية السورية.
وبيّن علوش أن جميع مراكب الجرف النظامية تعمل حالياً خارج المياه الإقليمية ضمن المياه الدولية فقط بعد حصولها على التصاريح اللازمة، ويتم تتبعها بدقة عبر برج مراقبة العائمات منذ انطلاقها وحتى وصولها إلى مناطق الصيد المسموح بها، أما الجرف الشاطئي، فقد شهدت الفترة الماضية مصادرة عدد كبير من الشباك المخالفة لما تسببه من أضرار جسيمة على البيئة البحرية، ولا سيما عند استخدام شباك ذات فتحات صغيرة تؤدي إلى تجريف القاع الساحلي الغني بالأحياء البحرية.
وأشار إلى أن أبرز التحديات تتمثل في محدودية الإمكانات والحاجة إلى تحديث القوانين وفرض غرامات رادعة، إضافة إلى إعادة هيكلة الضابطة العدلية البحرية وخفر السواحل وتجهيزهم بالوسائل الفنية اللازمة، كما يجري العمل على معالجة تداخل الصلاحيات بين الجهات المعنية والسعي إلى توحيد الجهة المختصة بما يعزز فعالية الرقابة.
وفي ضوء هذه المعطيات، يبرز الصيد المستدام بوصفه خياراً وطنياً يوازن بين الاستفادة الاقتصادية وحماية الموارد الطبيعية، ويشمل اعتماد وسائل صيد صديقة للبيئة، واحترام مواسم التكاثر، وتحديد مناطق الصيد، ورفع مستوى الوعي البيئي لدى الصيادين، إلى جانب تعزيز الشراكة بين الجهات الرسمية والمجتمع المحلي.
وتؤكد هذه المعطيات أن حماية البيئة البحرية ليست مسؤولية جهة بعينها، بل مسؤولية مشتركة تتطلب تكامل الأدوار بين المؤسسات الرسمية والصيادين والباحثين والمجتمع ككل، فالإدارة الرشيدة للثروة السمكية تمثل استثماراً طويل الأمد في الأمن الغذائي والاقتصادي، وضمانة حقيقية لحقوق الأجيال القادمة في بحر حي متوازن قادر على العطاء.
الثورة السورية
|