ما أكثر ما تريد هذه الحكومة تنفيذه ولكن هل تستطيع ؟  
سورية الجميلة RSS خدمة   Last Update:10/08/2022 | SYR: 16:28 | 10/08/2022
الأرشيف اتصل بنا التحرير
TopBanner_OGE

Sama_banner_#1_7-19



Aleppo_Int-2019-2022




IBTF_12-18



Sham Hotel






runnet20122




Baraka16

 ماتت بائعة الخبز.. ابتلعت شتيمتها ورحلت
01/08/2022      



 

سيرياستيبس

كتب فهد كنجو

ماتت أم النور.. تلك الخمسينية التعسة؛ النحيلة جداً، والشقية جداً، والحزينة جداً، والجلودة جداً، صاحبة أعرض واعمق شتيمة.. ماتت "بائعة الخبز"

قضت عصر يوم السبت اللاهب في ركنها المعتاد، إلى يسار الفرن، تماماً خلف كشك الرصيف، وبجانبها بضع أرغفة خبز منشورة على قطعة قماش بلا لون، حاول اثنين او ثلاثة من ابناء شقيقتها انتزاعها من مكانها إلى المشفى، لكنها ببساطة: فارقت الحياة، هذا كل ما علمته من إحدى النسوة اللاتي كن يشاطرنها الرصيف والبؤس.

في إحدى المرات حاولت استفزازها ممازحاً: "اخبرتها ان وزير التجارة التجارة الداخلية الجديد (كان عمرو سالم جديداً على المنصب) بدأ يداهم الافران ويصادر بطاقات باعة الخبز ويرسلهم إلى السجن، فشاهدتها تضحك لأول مرة بملئ فمها، حتى خلت أنها لن تنتهي من ضحكتها هذه إلا وقد لفظت انفاسها الأخيرة.. جحظت عيناها، وبرزت عظام وجهها، ظهرت لها أسنان كبيرة متفرقة صفراء وبُنية قليلاً، وبقايا اضراس سوداء ذابت وتماهت مع لحم اللثة الرمادي.. انهت ضحكتها - لم أعد أدرك أكانت تلك الحركة الميكانيكية التي تشكلت على كامل وجهها مصحوبة بحشرجة وسعال هي ضحكة أم نزوعاً مفتعلاً لإظهار شدة اللامبالاة وقسوة البؤس- على كل حال عندنا  اطبقت فمها، بدت وكانها تبتلع شيء ما علق في سقف حلقها، ربما لعابها، او شتيمة كادت تتلفظ بها، وبعد أن انتهت وعادت ملامح وجهها إلى طبيعتها، سألتني هل تريد ان أشتري لك الخبز من الفرن ام تشتري من هذا، وأشارت بيدها إلى بضع ربطات إلى يسارها، كانت الناس تتدافع أمام الكوة من كل الاعمار اطفال ونساء وعجائز، وكان الجو باردا، ناولتها البطاقة واخبرتها اني ساعود بعد نصف ساعة لآخذ حصتي.

كان لدى ام النور نظامين للبيع، الأول وهو المتعارف عليه، والذي يستخدمه جميع باعة الخبز على الطرقات وأمام الأفران، والآخر أقرب إلى نظام المقايضة، تأخذ بطاقة الزبون، وليس أي زبون طبعاً، وتتقاسم معه كمية الخبز المخصصة للبطاقة، مقابل الوقت الذي ستقضيه للحصول على الخبز، فيدفع الزبون ثمن حصته بالسعر المحدد من الفرن ويتفادى الانتظار، وإذا أراد كامل الكمية فعليه أن يدفع ثمن النصف الآخر بسعر أم النور الحر، تقريباً كل الخبز المتوفر لدى أم النور وتبيعه بالسعر الحر هو ناتج عن المقايضة، الوقت مقابل الخبز.

لاحقاً اعتمدت وزارة التجارة الداخلية نظام بيع للخبز قريب لنظام أم النور، بحيث أنها خفضت مخصصات البطاقات، وفتحت المجال لبيع كميات بالسعر الحر، ولو كان هناك اعتبار لحقوق الملكية الفكرية، لأطلق على تلك العملية اسم "أم النور"!، لكن ليس بعد أن أخلت الوزارة بمبدأ جوهري تقوم علية طريقة أم النور "الوقت مقابل الخبز"، فالوزارة لم تلتزم بمسألة الوقت!، وسيكون من الظلم تحميل أم النور هذا الخلل!.

في ذلك اليوم لم أعد، تقريباً نسيت الأمر، وعندما تذكرت، كان الوقت متأخراً، عدت في اليوم التالي، لم أجد أم النور، سألت عنها، أخبروني أنها لم تأت، تغيبت أم النور لثلاثة أيام متتالية، كنت أكتفي بالسؤال عنها، الجواب كان دائماً أنها لم تأت وهذا نادراً ما يحدث، ساورتني بعض الشكوك، فربما تلك المزحة السمجة تحققت وقبض على أم النور متلبسة وبحوزتها بضعة بطاقات، واتهمت بالمتاجرة بالمواد المدعومة؟!.. في عصر اليوم الرابع، كانت أم النور على غير عادتها واقفة أمام الكشك لا جالسة خلفه، تراقب السيارات، لمحتها من بعيد، وبمجرد أني وقفت أمامها وهممت بالنزول جحظت عيناها ليس لأنها بدأت بالضحك هذه المرة، إنما لأمر آخر، وأطلقت عبارات لم أفهمها، كانت السماء تمطر بغزارة، فهمت بعد برهة أنها كانت توجه لي عتاب بأنها تنتظرني منذ الصباح، وخشيت أن أكون شتمتها بسبب تغيبها هذه المدة، وأنها كانت مريضة، واحتفظت لي بأربع ربطات من الخبز (الحصة الكاملة) لأني في المرة الماضية لم آخذ حصتي، وأن سعر الربطة في هذا الجو الماطر ارتفع إلى ١٥٠٠ ليرة، علقت على آخر جملة لها: "والله يا أم النور صايرة متل الحكومة بتقولي سعر الربطة ١٥٠٠ وعم تبيعيها بـ ٢٠٠ ليرة، وأنا كنت مفكر أنو شحطوكي)، هنا انفرجت أساريرها وفهمت أني غير عاتب عليها، ناولتني البطاقة ولم يكن لديها غيرها، واكتفيت بربطة خبز واحدة، وقبل أن أنصرف أطلقت عبارة بمثابة رد على عبارة "شحطوكي".. سماع: كل ما يجي وزير جديد بيحكي نفس الحكي.. لا تاخد منهم غير السوالف!.

منذ أسبوع تقريباً انتبهت لأم النور كانت تسب وتشتم إحداهن لسبب ما، كانت الشتيمة سلاحها الوحيد، لاصطناع هيبة زائفة، تجنبها ربما استضعاف الآخرين لها، تقريباً كل زميلاتها كن يخشينها، ويتفادين الاشتباك معها، ومع ذلك عندما سألت إحداهن: هل حقاً ماتت أم النور؟، لمحت في عينيها وهي تحاول أن تؤكد الأمر حزناً دفيناً وأسفاً على فراغ من الصعب أن يملأه أحد بعدها في ذلك الركن إلى يسار الفرن، تماماً خلف كشك الرصيف، تلك الخمسينية التعسة؛ النحيلة جداً، والشقية جداً، والحزينة جداً، والجلودة جداً.. ابتلعت شتيمتها وماتت عن سبعة وزراء وسوالف الثامن!.

 


شارك بالتعليق :

الاسم : 
التعليق:

طباعة هذا المقال طباعة هذا المقال طباعة هذا المقال أرسل إلى صديق

 
 

islamic_bank_1




Baraka16


Orient 2022



Haram2020_2


mircpharma



معرض حلب


ChamWings_Banner



Longus




CBS_2018


الصفحة الرئيسية
ســياســة
مال و مصارف
صنع في سورية
أسواق
أعمال واستثمار
زراعـة
سيارات
سياحة
معارض
نفط و طاقة
سوريا والعالم
محليات
مجتمع و ثـقافة
آراء ودراسات
رياضة
خدمات
عملات
بورصات
الطقس