ترأس وزير المالية محمد يسر برنية اجتماع اللجنة المكلّفة معالجة القروض المتعثرة المقدمة من بنك الاستثمار الأوروبي، التي شُكّلت بموجب المرسوم رقم 70 لعام 2026، مؤكداً ضرورة تسريع أعمال اللجنة وإنجاز المهام الموكلة إليها ضمن الأطر الزمنية المحددة، والوصول إلى آلية قانونية وحلول مالية منصفة وعملية تعالج هذا الملف بما يحفظ حقوق البنوك من جهة، ويخفف الأعباء عن المقترضين المتعثرين من جهة أخرى، بما يسهم في تنشيط الاقتصاد.
وتضم اللجنة مستشارين وقضاة وخبراء مصرفيين وقانونيين، إلى جانب ممثلين عن غرف التجارة والصناعة والمصارف العامة المعنية، إضافة إلى مصرف سورية المركزي والجهاز المركزي للرقابة المالية.
يرى الدكتور عبد الرحمن محمد، أستاذ التمويل والمصارف في كلية الاقتصاد بجامعة حماة، أن ملف القروض المتعثرة لبنك الاستثمار الأوروبي يجسد مأزقاً بنيوياً للاقتصاد السوري، حيث تتداخل ثلاثة عوامل رئيسية تتمثل في انهيار سعر الصرف الذي ضاعف قيمة الديون القديمة، وتدمير جزء كبير من الطاقة الإنتاجية بما أفقد المقترضين قدرتهم على توليد التدفقات النقدية اللازمة للسداد، إضافة إلى تعقيد البعد السيادي المرتبط بالتفاوض مع مؤسسة مالية دولية خاضعة لنظام العقوبات.
ويشير إلى أن المرسوم رقم 70 لعام 2026، الذي أحدث اللجنة المختصة، يمثل اعترافاً ضمنياً بأن أدوات التسوية التقليدية لم تعد كافية، وأن المرحلة الحالية تتطلب هندسة مالية وقانونية جديدة تتعامل مع الواقع الاقتصادي الراهن، وليس مع الظروف التي أُبرمت فيها عقود القروض الأصلية.
سعر الصرف وتقييم الديون
ويؤكد محمد أن اعتماد سعر الصرف الحالي في السوق الموازية لإعادة تقييم هذه الديون ليس خياراً عملياً ولا عادلاً، لأنه يحول التزامات كانت مقبولة عند منحها إلى ديون يستحيل سدادها، بما يؤدي إلى إنهاك المدين وإفراغ أي عملية تسوية من جدواها الاقتصادية.
ويضيف: إن انهيار الليرة لم يكن نتيجة تصرفات المقترضين، وإنما جاء نتيجة السياسات النقدية والمالية، وبالتالي فإن تحميلهم كامل تبعاته يمثل ظلماً اقتصادياً واضحاً.
ويقترح في هذا الإطار اعتماد آلية متكاملة تبدأ بتثبيت سعر صرف استثنائي يعيد تقييم الدين على أساس متوسط يراعي سعر الصرف وقت منح القرض، مضافاً إليه التضخم التراكمي وسعر الصرف التجاري، بدلاً من سعر السوق الموازية، بما قد يخفض القيمة الفعلية للدين إلى مستويات قابلة للسداد.
كما يدعو إلى إعادة جدولة القروض لفترات تتراوح بين 15 و 20 عاماً مع فترة سماح تمتد ثلاث سنوات وفائدة رمزية لا تتجاوز 2 بالمئة، بما يمنح المقترضين فرصة لإعادة تشغيل مشاريعهم وتوليد تدفقات نقدية جديدة.
ويرى أيضاً ضرورة فصل العلاقة الداخلية عن مخاطر سعر الصرف، باعتبار أن البنك السوري الوسيط منح القرض بالليرة، وبالتالي يمكن قانوناً تحميل مخاطر تقلبات العملة للبنك بصفته المقترض الخارجي، وليس للعميل المحلي.
التسوية الداخلية والالتزام الخارجي
وفيما يتعلق بالعلاقة مع بنك الاستثمار الأوروبي، يوضح محمد أن التسوية الداخلية لا يمكن فصلها عن الالتزامات الخارجية، نظراً لأن البنك يمثل الذراع التمويلية للاتحاد الأوروبي، وأن عقوده تتضمن عادة شروطاً تتعلق بالامتثال للعقوبات والتحكيم الدولي، وهو ما يجعل أي معالجة داخلية منفردة عرضة لمخاطر قانونية ومالية قد تصل إلى تفعيل بند التخلف عن السداد والمطالبة بكامل الالتزامات مع الغرامات.
ومن وجهة نظره، فإن المسار الصحيح يتمثل في فتح مسار تفاوض رسمي موازٍ مع بنك الاستثمار الأوروبي بهدف تجميد الغرامات والفوائد الجزائية المتراكمة منذ عام 2011 استناداً إلى مبدأ القوة القاهرة الناتج عن الحرب والعقوبات وتعطل النظام المصرفي، وصولاً إلى اتفاق حكومي يعيد هيكلة الالتزامات الخارجية.
كما يشدد على ضرورة احترام بنود التحكيم الدولي، لأن المرسوم 70 لا يستطيع تجاوز العقود الأصلية، وأي تعديل جوهري ينبغي أن يتم عبر اتفاق ملحق مع البنك الأوروبي.
ويرى أستاذ التمويل والمصارف أن اللجنة مطالبة بالعمل بالتوازي مع الحكومة، بحيث تتولى إعداد تسويات المقترضين داخلياً، فيما تتولى الحكومة التفاوض الخارجي، على ألا تصبح التسوية الداخلية نهائية قبل تثبيت الاتفاق الخارجي.
التمييز بين المتعثر والممتنع عن السداد
ويؤكد محمد أن العدالة تقتضي عدم مساواة المنتج الذي دمرت الحرب منشأته بالمقترض الذي يمتلك القدرة على السداد ويتعمد الامتناع عنه، لأن هذا التمييز يشكل أساساً لأي سياسة ائتمانية ناجحة مستقبلاً.
الوطن