سيرياستيبس
في خطوة تكنولوجية لافتة، أعلن علماء جامعة "نورث وسترن" الأميركية في يوليو (تموز) الماضي، عن تصميم طائرة مسيرة تدور بسرعة فائقة تجعلها تختفي عن الأنظار، تعرف باسم "فانتوم تويست"، وتدور حتى 25 مرة في الثانية، وهي سرعة تفوق قدرة العين البشرية على الرؤية. يستغل تصميم هذه المسيرة أوجه القصور في الرؤية البشرية ليجعلها تكاد تكون غير مرئية للعين المجردة، وهي أقل وضوحاً بنحو 10 مرات مقارنة بالطائرة الرباعية التقليدية، وتوصف بأنها أقرب ما توصل إليه البشر حتى الآن لتحقيق طائرة تكاد تكون غير مرئية بصرياً.
والحال أن هذا التطور المذهل يدفعنا إلى التساؤل عما إذا كنا سندخل فعلاً عصر المسيرات غير المرئية للعين البشرية، وعن استخداماتها المحتملة والتوقعات المرتبطة بها في المستقبل. عصر المسيرات غير المرئية
هناك أسباب وجيهة للاعتقاد بأن المفهوم الأساس لهذه المسيرة قابل للتطبيق من الناحية التقنية، إذ قام علماء الجامعة الأميركية، كما ذكرنا بالفعل، بتصنيع نماذج أولية واختبار طيرانها، لا بل أشاروا إلى أن الاختبارات أظهرت قدرة على الطيران المستقر والقابل للتحكم.
وتقتصر قلة الرؤية (أو التخفي البصري) لهذا النوع من المسيرات حالياً على العين البشرية، وليس بالضرورة أمام الرادار أو مستشعرات الأشعة تحت الحمراء أو الكاميرات الحرارية أو تقنيات الكشف الأخرى.
من هنا بوسعنا القول إنه يمكن للتقنية الكامنة وراء هذا الابتكار أن تدخل حيز التشغيل الفعلي في مجالات عدة غير أن تطوير نسخة عسكرية جاهزة للعمليات الفعلية سيتطلب مزيداً من التطوير.
كيف نستفيد منها؟
ستأتي هذه المسيرات عند انتشارها بالنفع على البشرية، إذ يمكن للمسيرة غير المرئية مراقبة الطيور في أعشاشها، أو الحيوانات البحرية، أو الأنواع المهددة بالانقراض من دون التأثير في سلوكها، كذلك يمكنها مراقبة الأراضي الرطبة والغابات والسواحل وتجمعات الحياة البرية، مع التسبب في قدر أقل من الإزعاج.
إضافة إلى ذلك يمكن لهذه المسيرات فحص الجسور وخطوط الطاقة والأبراج وخطوط الأنابيب والمنشآت الصناعية من دون أن تشكل مصدر تشتيت بصري كبير للعمال أو السكان القريبين، وحتى يمكنها مراقبة المحاصيل والنظم البيئية من دون التسبب في إزعاج مستمر للحيوانات أو الأشخاص العاملين في المناطق الزراعية. ماذا عن استخداماتها العسكرية؟
لا شك أن هذه التقنية تكتسب أهمية بالغة عسكرياً، إذ يمكن لطائرة مسيرة يصعب على البشر رؤيتها أن تنفذ مهام الاستخبارات والمراقبة والاستطلاع مع تقليل احتمالية رصدها بصرياً. ومع ذلك يجب التوضيح أن تقنية "فانتوم تويست" يمكن رصدها بواسطة الرادار، أو الكاميرات الحرارية، أو المستشعرات الصوتية، أو حتى طائرات مسيرة أخرى، ويصدر نظام الدفع الدوار الخاص بها ضجيجاً، وهي إحدى نقاط الضعف التي أشارت إليها جامعة "نورث وسترن" نفسها.
لذا، فإن أي نسخة عسكرية مستقبلية ستحتاج على الأرجح إلى الجمع بين أساليب عدة لتقليل البصمة، أي جعل رصدها صعباً بمختلف الوسائل، بدلاً من الاكتفاء بجعل الطائرة صعبة الرؤية بالنسبة إلى البشر.
ولعل أبرز ما يقلق بهذا الموضوع هو احتمالية استخدامها مستقبلاً في عمليات الاغتيال، فمن الناحية التقنية، قد تجعل الطائرة المسيرة منخفضة الرؤية من الصعب على شخص ما على الأرض ملاحظة عمليات المراقبة المعادية أو الهجوم، مما يثير مخاوف أمنية واضحة.
وبمجرد أن تجعل التقنية رصد الطائرة أمراً صعباً، فإن هذه الميزة ذاتها التي تفيد العلماء في مجال الحياة البرية يمكن أن تستفيد منها أيضاً أطراف عسكرية أو جهات إجرامية، وهذه معضلة كلاسيكية تتعلق بـ"الاستخدام المزدوج" للتقنية.
هل من مشاريع شبيهة؟
حتى تاريخه، لا توجد أي مشاريع شبيهة لمشروع جامعة "نورث وسترن" الأميركية، إذ تسعى البحوث العسكرية على الصعيد الدولي إلى تحقيق مفهوم أوسع، يتمثل في طائرات مسيرة ذات قابلية منخفضة للرصد، بحيث تقلل من بصماتها التي تلتقطها أجهزة الاستشعار المختلفة.
فمثلاً، تعد طائرة "نيورون" من شركة "داسو للطيران" الفرنسية واحدة من أهم نماذج المقارنة، وعلى عكس "فانتوم تويست" صممت المسيرة مع التركيز على التخفي العسكري، وتحديداً تقليل احتمالية الرصد الراداري، وهي مزودة بحجرة أسلحة داخلية، مما يجنبها كشف الأسلحة خارجياً ويساعد بالتالي في الحفاظ على خصائصها المتعلقة بصعوبة الرصد (البصمة المنخفضة)، وهذا يعني أن جعل الطائرة المسيرة صعبة الرؤية بالعين المجردة يختلف تماماً من الناحية الهندسية عن جعلها صعبة الرصد بواسطة المستشعرات العسكرية.
وبالمثل طورت شركة "بي أي إي سيستمز" مسيرة "تارانيس"، وهي واحدة من أكثر نماذج الطائرات القتالية المسيرة طموحاً في بريطانيا. وعلى عكس "فانتوم تويست"، تسعى "تارانيس" إلى جعل رصدها صعباً على الأنظمة العسكرية، بدلاً من مجرد استغلال محدودية الإدراك البصري البشري. هل سنراها بأعداد كبيرة قريباً؟
لا يوجد حالياً جدول زمني معلن للإنتاج أو النشر العسكري لنظام "فانتوم تويست"، حيث تصفه جامعة "نورث وسترن" بأنه نموذج أولي يحتاج إلى التحسين من خلال تزويده بنظام دفع أكثر هدوءاً واستخدام مواد أكثر شفافية.
لكن الخبراء يتوقعون أنه إذا أثبتت التقنية موثوقيتها، فقد تكون مجالات مراقبة الحياة البرية والرصد البيئي وفحص البنية التحتية أسواقاً أولية محتملة لها خلال ثلاثة أعوام، وإذا نجح المهندسون في حل المشكلات الرئيسة مثل الضوضاء وفترة التحليق وسعة الحمولة ومقاومة الظروف الجوية والملاحة الذاتية وقابلية الكشف عبر الكاميرات أو الرادار أو الأشعة تحت الحمراء، فقد تصبح الطائرات المسيرة منخفضة الرؤية الجزء الأساس من أساطيل الطائرات المسيرة عالمياً.
اندبندنت عربية
|