سورية الجميلة RSS خدمة   Last Update:07/10/2026 | SYR: 02:18 | 07/10/2026
الأرشيف اتصل بنا التحرير



خلطات كامبو


شاي كامبو


IBTF_12-18


 حفل أصالة... كي لا تكون الهوية الوطنية ترينداً عابراً
07/10/2026      




سيرياستيبس :

كتب زيدون الزعبي 

لم يكن حفل أصالة نصري في دمشق الشهر الماضي (سبتمبر/ أيلول) حدثاً فنياً عادياً، وربما لم يرَد له أن يكون كذلك، وربما أيضاً لم يرده سوريون كثر أن يكون كذلك. بدا الحفل حالة منتظرة لدى فئة واسعة من المجتمع السوري. فئة كانت تنتظر أن ترى من دعمت الثورة تغني في دمشق، وأخرى كانت تنتظر أن تتنفس بعض الفرح، وفئة ربما كانت أكبر من هذه وتلك، كانت تنتظر أن ترى أن هوية سورية المتسامحة المتنوّعة الرحبة حية لا تموت. والآن وبعد أن انتهى "تريند" الحفل، لا بد أن نتوقف عند مسألة الهوية هذه: لماذا رأت فئة فيه أنه تعزيز لهوية سورية، بينما رأت أخرى أنه تهديد للدين، وثالثة لم تر فيه إلا سلطة تذرّ رماد الخداع في عيون الناس. 
ما معنى أن تغني أصالة للمحافظات الـ14؟ وبلهجاتها؟ وماذا يعني أن تغني باللغة الكردية؟ لماذا يغنى لسورية ولمحلياتها ولا يغنى لهويات أعلى، قومية أم دينية؟ ألا يستبطن هذا تعبيراً عن التنوع المذهبي والطائفي والديني والإثني من دون الغرق بتعبيرات تقسم المجتمع؟ أما جوابي عن السؤال الأول فأزعم أننا في مخاض إعادة ترميم الهوية الوطنية السورية، أو قل إعادة بنائها، فإننا أمام ثلاثة تيارات في البلاد عبر كل منها عن الهوية التي يريد، أو لا يريد. تيار يريد سورية متنوعة وتعددية يثري تنوّعها جذرها العربي والإسلامي، وآخر يرى سورية كياناً أصغر من أن يكون أمة ولا يعدو أن يكون مرحلة عابرة في طريق توحيد الأمة العليا عربية كانت أم إسلامية. أخيراً تيار يتشكّك بـالانتماء إلى بلاد يخشى أنها لم تعد تشبهه أبداً. طبعاً هناك خارج كل هذا من يذهب بالتطرف حداً لا يمكن التعامل معه على الأقل بسهولة، وهؤلاء من باتوا يرون التعامل مع سورية والسوريين بمنطق العنف سواء بمنطق التحالف مع التكفير أو العدو. 
أجرؤ على القول إن الحفل، بحد ذاته، وردود الفعل تجاهه، يؤشر إلى أن التيار الذي يريد سورية، وطناً نهائياً لكل أبنائه ومكوناته، آخذ بالاتساع، بعد فترة ساد فيها الاستقطاب وعلا فيها صوت الإقصاء. غير أن ذلك لا يعني أبداً التعامل مع التيارات الأخرى وكأنها لا تتمتع بأي حق، أو بأنها مارقة. ليست هذه تيارات صغيرة الحجم، ولا يجب أن تواجه بمنطق أخلاقي متعال، ولا بمنطق لا يرى مخاوفها، بل بمنطق الحوار تفهم الدوافع ومعالجتها.
عارض فريق الحفل لأسباب أيديولوجية، ورأى فيه خروجاً عمّا يعتبره ثقافة المجتمع السائدة وقيمه. وهؤلاء يرون أن الفضاء العام يعكس قيم المجتمع، وأن الدولة لا ينبغي أن تتبنى أنشطة تعدّها شريحة من الناس مخالفة لمعتقداتها. ويضيف بعضهم سؤالاً عن أولوية حفل غنائي في بلد مدمَّر ما زال ملايين من أبنائه في المخيمات.

ما جرى في الحفل، وحوله، لا يجب أن ينتهي بانتهاء الترند، بل يجب أن يكون مساراً حقيقيا نحو عقد اجتماعي يحترم المواطنة والتنوع وقبول المختلف

ينطلق هذا الفريق من تخوف مفاده أن التنوع يهدّد البعد الإسلامي للمجتمع. الرد ببساطة على هذا التخوف يأتي مثلاً لا حصراً من أوروبا. فأوروبا، ورغم تبنيها هوية علمانية، لا تخفي هويتها المسيحية. فالكنائس في كل حي، والعطل الرسمية مسيحية بغالبها، وضريبة الكنيسة لا تزال سارية في معظم بلادها. باختصار التنوع والتعددية لا يهددان ثقافة المجتمع، بل يثريانه.
عارض الفريق الآخر الحفل لأسباب مختلفة تماماً. فقد رأى فيه تحايلاً من السلطة، ونوعاً من البروباغندا التي تسعى إلى أن تقدم صورة زاهية عن التنوع والانفتاح، بينما تبقى السياسات على الأرض بعيدة عنها. ولهذا الموقف جذوره أيضاً. فقد عرف السوريون طويلاً كيف يُستخدم الفن أداة لتلميع السلطة، وكيف تُرفع شعارات "الوحدة الوطنية" بينما يُمارَس الإقصاء. والريبة من الصورة حين يتحداها الفعل ضرورية أحياناً لمساءلة أي سلطة. الرد على هذا التيار، هو الفعل ذاته. إذا كان مسار الحفل هو ما يريده تيار في السلطة ولا يريده آخر، فإن رفضه لا يعدو كونه تقوية للتيار المعارض في السلطة. وإذا كانت كل السلطة تستخدمه كقناع، فإن تكريس تظاهرات كحفل أصالة، يصعِّب عملية نزع القناع إلى حد يجعل النزع شبه مستحيل. 
في واقع الأمر، تتباين أسباب الاعتراضين إلى حد التناقض، لكن كلاً منهما يظل مشروعاً ما دام لا يتحول إلى تخوين أو إقصاء، أو إلى أي شكل من أشكال العنف، اللفظي أو المادي. فالفرق كبير بين أن تنتقد الحفل وأن تكفّر من حضره، وبين أن تشكك في دوافع السلطة وأن تخوّن كل من رحّب به. والقاعدة نفسها تنطبق على المرحّبين. فمن يصف المعترضين بالظلاميين أو بأعداء الدولة يرتكب الخطأ نفسه. ما يهدّد النسيج الوطني هو نزع الشرعية عن المختلف، وإنكار مخاوفه، وافتراض أن الوطن يشبه ما يشبهنا فقط، واعتبار أن المخالف "لا يشبه سورية". فسورية هي كل هؤلاء.
لا تعني الهوية الوطنية الإجماع، بل الإطار المشترك الذي يتيح لنا أن نختلف من دون أن نتقاتل. وحتى الاعتراضان على الحفل يحملان رسالة مفيدة. فالأول يذكّر بأن الهوية لا تُفرض من فوق بما يصادم قيم المجتمع، بل يُتفاوض عليها معه. والثاني يذكّر بأن الصورة بلا سياسات تبقى دعاية، وأن التنوع الذي احتُفي به على المنصة يجب أن يحضر في المؤسسات، والتعيينات، والمناهج، والإعلام، والأهم في السياسة والأحزاب والانتخابات.
لن يُقاس ما جرى بعدد من صفّقوا، بل بما يبقى منه بعد أن تنطفئ الأضواء. فهل تتبنى السلطة والنخب خطاب الهوية الوطنية الجامعة، وروح الاحتفاء بالهويات المحلية، والجغرافيا، والمواطنة بدل خطاب المكونات والطوائف؟ وهل يبقى الفضاء العام مفتوحاً لكل الأصوات، المرحّبة والمعترضة، ما دامت تحتكم إلى الكلمة لا إلى التخوين أو العنف؟
ما جرى في الحفل، وحوله، لا يجب أن ينتهي بانتهاء "التريند"، بل يجب أن يكون مساراً حقيقيا نحو عقد اجتماعي يحترم المواطنة والتنوع وقبول المختلف. الوطن الذي احتفت به المنصة يجب أن يتسع لكل محافظاته وما تحمله من تنوع، وأن يتسع أيضاً لكل من يختلفون حوله.

العربي الجديد - ملحق سوريا الجديدة



طباعة هذا المقال طباعة هذا المقال طباعة هذا المقال أرسل إلى صديق

 
 

Baraka16


Orient 2022


معرض حلب


الصفحة الرئيسية
مال و مصارف
صنع في سورية
أسواق
أعمال واستثمار
زراعـة
سيارات
سياحة
معارض
نفط و طاقة
سوريا والعالم
محليات
مجتمع و ثـقافة
آراء ودراسات
رياضة
خدمات
عملات
بورصات
الطقس