سورية الجميلة RSS خدمة   Last Update:10/09/2026 | SYR: 14:32 | 10/09/2026
الأرشيف اتصل بنا التحرير



خلطات كامبو


شاي كامبو


IBTF_12-18


  كيف ابتلع اللون الرمادي كوكبنا الملون؟
10/09/2026      

كيف ابتلع اللون الرمادي كوكبنا الملون؟ | اندبندنت عربية

سيرياستيبس

إنها الثمانينيات... تعود إلى الشارع من بوابة "إنستغرام" قبل أن تجد طريقها إلى خزائننا. أكتاف منتفخة، ألوان نيون قادرة على إرباك إشارات المرور، وموسيقى تُبعث من جديد بعد تحسينات رقمية كي تبدو قديمة بالطريقة الحديثة. و"فيديو كليبات" استعادت "فلاتر" تلك الحقبة المشبعة بالأحمر والفوشيا والأزرق الكهربائي. أما الجيل الذي لم يعش الثمانينيات، فقد قرر أن يحنّ إليها بالنيابة عمَن عاشوها، ويتباهى بها على "إنستغرام" كأنها فردوس بصري مفقود، لزمن كانت فيه تسريحة الشعر تحتاج إلى هندسة كاملة وعبوة كاملة من سبراي مثبت الشعر.

لوهلة تشعر كأن الزمن وقد نفدت منه الأفكار وطوى نفسه وأعادنا إلى عقد لم يكن يخجل من الصخب، لا في موسيقاه ولا في ملابسه، ولا في جدرانه التي كانت تُطلى بالألوان بلا استشارة لجنة الذوق الرفيع التي ستأتي لاحقاً لتقنعنا بأن الأناقة تعني أن يشبه المنزل موقف سيارات راق.

للوهلة الأولى تبدو هذه العودة موجة نوستالجيا عابرة أو صرعة موسمية، لكنها في الواقع تجعلنا نسأل لماذا تشتاق أجيال اليوم إلى الألوان التي تخلت عنها بالأمس؟ ولماذا تبدو المبالغة البصرية في الثمانينيات بكل فوضاها المحببة أكثر إغراء من ذلك الصمت البيج والرمادي الذي حكم بيوتنا وشوارعنا ومقاهينا طوال عقد ونصف، حتى بات دخول بعضها أشبه بزيارة عيادة نفسية؟

الحكاية لا تختبئ في خزانة الملابس وحدها، لكنها تستجوب ربما عن الطريقة التي نجح بها لون واحد هو الرمادي في ابتلاع كوكب كان يوماً مشبعاً بالألوان، من السيارات والبيوت إلى ألعاب الأطفال وواجهات المتاجر.

وبين الثمانينيات التي تعود اليوم بكامل صخبها، وجيل "زد" الذي يقاوم الكآبة اللونية باستعادة الباستيل والزخارف القديمة تحت عنوان "الفنتج" vintage، يظهر كيف تحولت البساطة من خيار جمالي إلى أيديولوجيا صارمة. ومن أقنع العالم بأن الرقي يقتضي إزالة اللون والشخصية، وأحياناً الحياة نفسها. ومن يقف خلف هذا الانقلاب اللوني الذي غيّر وجوه مدننا وبيوتنا وثيابنا، وجعل نصف الكوكب يبدو كأنه معروض للبيع في كتالوغ عقاري؟
اللون الرمادي

في موازاة ذلك تطالعنا على وسائل التواصل صور لعالم ملون فيه شيء من الدفء وكثير من الألوان تقابلها صور لعالم رمادي محايد جاف كأننا نصور بكاميرا قديمة بالأبيض والأسود، مع مفارقة أن عناصر الصورة حديثة جداً، ومثلها اللون.

إنه الرمادي الذي يتربع على طبيعة ملونة ويقضم شجرها وأزهارها وبحورها وألوانها. سعى جيل الألفية إلى تكريسه كعامل لمدن الحداثة حتى صار العالم يخلع ألوانه وينضوي تحت شعار الرمادي الأكبر، ويحاول جيل "زد" اليوم، وإن بشكل خجول، إعادة اللون بباستيله pastel القديم تحت عنوان الـ"فنتج" vintage وصولاً إلى التراث في كل قارة ومدينة وقرية حسب هويتها اللونية. حتى الحرفية غابت في التصاميم لمصلحة البساطة، وأحياناً البساطة المفرطة في العمارة والإضاءة وكل تفاصيل الحياة المرئية، وبين عالم يتلون وآخر يترمد قصص وحكايات من الثوب إلى المكياج والدار والمكتب وصولاً إلى الحديقة.

يوم اختفت الألوان

في شارع قديم تتكسر الشمس على قرميد أحمر وشباك أخضر وحجر أصفر يختزن دفء النهار، وكل ما في هذا المشهد يدعوك بشكل مرئي ويستقبلك بمهرجان ألوان الطبيعة التي اختزلت في أماكننا. وفي مشهد آخر وشارع آخر واجهات من الزجاج الرمادي وأرصفة أسمنتية، ومقاهٍ بلون الغريج (يجمع بين البيج والرمادي) الحذر، وأثاث محايد كأنه يخشى أن يترك بصمته. هذا الانتقال حدث فعلاً، وعلى مدى عقد ونصف العقد تقريباً في مدننا وبيوتنا وصولاً إلى خزائن ثيابنا.

والقصة لا تختصر بلون واحد يكسب معركة جمالية عابرة أو هادئة، فأيديولوجيا المينيمال تسللت من مجلات التصميم إلى غرف نومنا، ثم إلى الشارع والحديقة والمطعم والمكتب والسيارة وألوان الحياة كافة، ووجدت من يبررها علمياً ويسوقها تجارياً، وكذلك من يقاومها أخيراً حين اكتشف أن الحياة بلون واحد باهتة ومضجرة.
التراث الذي لم يعرف الرمادي

من يفتح صندوق جدته سيعرف أن اللون الرمادي لم يكن ضيفاً مرغوباً فيه على الإطلاق، قد يكون مرحلة انتقال بين الحداد الأسود ودخول الألوان مجدداً فقط. وفي رحلة عربية سنجد الألوان تتلألأ في القفطان المغربي بأحمره الناري وذهبه المطرز، والثوب الفلسطيني المطرز بالأحمر القرمزي والأزرق النيلي، والعباءة الخليجية بخيوطها اللامعة، وأزياء بلاد الشام بأقمشتها الزاهية التي تصرخ باللون قبل أن تقال كلمة واحدة. فاللون في الزي التراثي زخرفة ولغة اجتماعية كاملة، يدل على القرية التي تنتمي إليها المرأة وحالتها الاجتماعية، وأحياناً على المناسبة التي ترتدي من أجلها الثوب، وكان الديكور نفسه يتماهى مع صخب الثوب ولا يتوارى خلفه.

هذا الحضور الطاغي للون في الملبوس التراثي لم يكن حكراً على شرقنا، فالتنورة الاسكتلندية المقلمة "تارتان" تحمل ألوان كل عشيرة كأنها بصمة وراثية، و"الكيمونو" الياباني التقليدي يستخدم درجات الأحمر والذهبي في مناسبات الاحتفال تحديداً لأنها ألوان الحظ والحياة، بينما يدل الأبيض والرمادي الفاتح على الحداد. ففي كل حضارة تقريباً، كان اللون الصريح مرادفاً للحياة، وكان الرمادي والباهت مرادفاً للفقد أو الحداد أو التقشف. فكيف صار هذا اللون الحدادي بالذات هو النجم الأوحد لعصرنا؟
الرمادي الميلينيالي والملل الأنيق

لا يوجد اسم واحد يمكن أن نضع تحته توقيعاً ونقول إنه من أشعل حريق الرمادي في بيوتنا. فالمسألة أقرب إلى تواطؤ غير معلن بين قوى عدة التقت في توقيت واحد.

ولم تكن الموضة وحدها من يغير ألوانها عبر العقود، فلقد كان التاريخ نفسه يعيد طلاء منازلنا بحسب تقلباته. ففي العشرينيات الصاخبة انطلقت الألوان الجريئة والمرحة مع طراز "الآرت ديكو" لتعبر عن ثورة الحداثة، قبل أن ينكسر هذا التوهج مع الكساد الكبير في الثلاثينيات وتقشف الحرب العالمية في الأربعينيات، حيث سادت النغمات الترابية والداكنة كأنه حداد بصري موقت. ومع منتصف القرن، وتحديداً في الخمسينيات والستينيات، انفجرت الألوان مجدداً بجرأة الباستيل والأزرق الفيروزي والأصفر الشمسي احتفاء بالحياة، لتتحول في السبعينيات إلى درجات دافئة مستوحاة من الطبيعة كالبرتقالي المحروق والأخضر الزيتوني. أما الثمانينيات والتسعينيات فقد تأرجحت بين هدوء الرمادي ولون درجات الجواهر الدافئة، وصولاً إلى مطلع الألفية التي سلمت بيوتنا تدريجاً لسيطرة الحياد التام، وكأن قرناً كاملاً من الصراع اللوني كان يمهد الطريق لولادة الرمادي الحديث.

فبين نهاية العقد الأول من الألفية وبداية العقد الثاني، انفجرت في الولايات المتحدة موجة برامج تلفزيونية لتجديد المنازل على شاشة HGTV، وكانت تفضل توحيد المساحات القديمة المتنافرة الألوان بلمسة رمادية واحدة تظهر المنزل جاهزاً للبيع أكثر من مكان للعيش، من هنا ولد ما أطلق عليه النقاد اسم Millennial Gray، أي الرمادي الجيلي الذي أحبه جيل الألفية.

لكن الرمادي هذا لم ينتصر بمفرده، فلقد استعان بحليف فلسفي هو حركة المينيمال القادمة من اليابان والدول الإسكندنافية، حيث اقترنت البساطة بالهدوء الذهني، والفوضى اللونية بالقلق. وجاء العامل الاقتصادي ليؤطر الصورة كاملة، فالمنزل الرمادي المحايد أسهل تسويقاً في سوق العقارات، لأنه يشبه قماشة بيضاء يستطيع أي مُشترٍ محتمل أن يسقط عليها ذوقه الخاص، في حين الجدار الأصفر الزاهي أو غرفة الجلوس الحمراء قد تجعله ينفر. وهكذا تحول الرمادي إلى عملة تصميمية آمنة، يتشارك في صكها المصممون وشركات الطلاء وسماسرة العقارات على السواء، من دون مؤامرة مقصودة أو معلنة.

لكن جيل الألفية نفسه الذي كبر في بيوت أهله المزدحمة بألوان التسعينيات الصارخة والأنماط الريفية المفرطة، وجد في الرمادي هرباً نفسياً من صخب الطفولة أكثر مما وجد فيه جمالاً خالصاً. فلم يكن اختياراً بصرياً واعياً بقدر ما عبر عن رغبة في استعادة السيطرة وأخذ دفة المبادرة من الأهل.
الأسمنت الرمادي يبتلع المدينة

لم يكتف الرمادي بالصالونات والأثاث فقد صعد الدرج ليستولي على واجهات الأبراج عمودياً، وتمدد أفقياً ليحتل المطاعم التي باتت تتباهى بجدران الباطون العاري وكأن التقشف الجمالي بات فخراً معمارياً. المطاعم التي كانت تتنافس بالسجاد الأحمر والمخمل الذهبي صارت تتنافس اليوم على من يملك أكثر أسمنت مصقول وأنابيب معدنية ظاهرة على السقف، في نمط يعرف بالصناعي، لكنه في جوهره احتفاء بغياب اللون وليس بحضور الصناعة، فكل ما كان يخفى تحت الحجر وأوراق الجدران والبلاط بات يخرج معلناً عن حضوره حتى لو كان مشوهاً، حتى أنه بات ينظر إليه كجمالية معاصرة أكثر صدقاً!

أما الأبراج، فقد وجدت في الزجاج الرمادي العاكس حلاً عملياً وجمالياً في آنٍ واحد، فهو يقلل استهلاك الطاقة، ويمنح المبنى مظهراً محايداً يناسب أي مدينة من آسيا إلى أوروبا إلى أميركا، إلى درجة أن كثيراً من الأحياء الجديدة حول العالم باتت تتشابه بصرياً وكأنها نسخت من قالب واحد. والعمارة التي يفترض أن تعبر عن هوية المكان، أصبحت أداة لمحو الهوية، لأن الرمادي بحياده المطلق لا يقول شيئاً عن الثقافة التي أنتجته.
حدائق بلا زهور

حتى الحديقة، آخر معاقل اللون العفوي، لم تسلم. فمنذ عقود ساد في الغرب نموذج العشب الأخضر المشذب أحادي اللون، الخالي من أي زهرة برية قد تخرب النسق الهندسي المرتب، بينما كانت حدائقنا الشرقية تقليدياً فوضى محببة من الياسمين الأبيض والورد الأحمر والبنفسج متجاورة بلا حسابات هندسية صارمة. اليوم تكرر حدائق المجمعات السكنية الحديثة النموذج نفسه، مساحات خضراء أحادية وأشجار مشذبة بصور هندسية متطابقة، وأصص بيضاء أو رمادية بدل الفخار أو التنك الملون الذي كان يزين شرفات أجدادنا. الحديقة التي كانت يوماً احتفاء بفوضى الطبيعة، صارت هي الأخرى امتداداً لصالون العرض الرمادي، حتى مقاعدها صارت من الأسمنت المحايد كأنها تنضم إلى أريكة المنزل وستائره وجدرانه وأرضيته.

المدن المقاومة للرمادي

على النقيض تماماً من هذا الزحف الرمادي، توجد في العالم مدن رفضت، أو لم تخطر ببالها أصلاً فكرة التخلي عن اللون. جزيرة بورانو الصغيرة قرب البندقية مثال ساحر ببيوتها المصبوغة بعشرات الألوان الصارخة المتجاورة، وردي فاقع إلى جانب أخضر ليموني، وأزرق سماوي يلاصق برتقالياً نارياً. الرواية الأكثر تداولاً تقول إن صيادي الجزيرة كانوا يلونون بيوتهم بألوان مميزة ليتمكنوا من التعرف عليها من بعيد وسط الضباب الكثيف الذي يغلف الجزيرة، وتقول رواية أخرى إن كل عائلة كانت تعرف بلونها الخاص تمييزاً لها عن العائلات التي تحمل الاسم نفسه، وأن السلطات الإيطالية لم تترك الأمر للمصادفة، فأي تجديد لواجهة منزل في بورانو اليوم يحتاج إلى ترخيص رسمي يحدد اللون المسموح به من لائحة معتمدة، وهكذا صارت الفوضى اللونية نفسها خاضعة لنظام صارم لا يقل دقة عن أي كود بناء رمادي.

أما جارتها مورانو، الشهيرة بصناعة الزجاج منذ قرون، فلونها يأتي من الداخل، حيث كل قطعة زجاج مذهب أو مذوب بالكوبالت أو المرجاني هي احتفاء بأن اللون في هذه الجزيرة حرفة قبل أن يكون ديكوراً. وعبر الأطلسي، تقدم هافانا الكوبية نسخة أخرى من الفوضى اللونية الجميلة، فواجهاتها الاستعمارية الإسبانية المطلية بالفيروزي والوردي والأصفر الخردلي قبل أن تكون اختياراً جمالياً، هي بقايا ثراء تجارة السكر في القرن الـ18 حين كانت العائلات الثرية تتباهى بألوان منازلها كما تتباهى بمجوهراتها. وفي مدينة ترينيداد الكوبية المصنفة تراثاً عالمياً لدى "اليونيسكو"، تلألأ صفوف بيوتها الوردية والزرقاء والخضراء تحت أسطح القرميد الأحمر وتجعل من المشي في شوارعها الحجرية أشبه بتجربة العيش داخل لوحة ملونة يدوياً.

ومنها إلى المدن البحرية في اليونان وتونس والمغرب ولبنان بأزرقها وأبيضها كأن طلاب مدرسة بزيهم الرسمي يصطفون على جوانب الطرقات. ومدينة شفشاون في المغرب بالأزرق السماوي، وجودبور الهندية المعروفة بالمدينة الزرقاء، لنكتشف أن كل هذه المدن تشترك في فكرة واحدة، كأن اللون هوية جماعية توارثتها الأجيال، طلعت من البحر واستقرت في المنازل ودور العبادة والأسواق.
جبل لبنان الملون

يكفي أن تتأمل البيت اللبناني التقليدي لتشعر بتدفق الألوان، من القرميد الأحمر الذي دخل العمارة اللبنانية في أواخر القرن الـ19 متأثراً بموجات التحديث العثمانية والفرنسية، لم يكن الأمر مجرد حل عملي لتصريف مياه الأمطار والثلوج عن سطوح الجبال، فلقد صار مع الوقت علامة بصرية تختصر البيت اللبناني الجبلي في الذاكرة الجماعية، إلى درجة أن كثيراً من القرى التي تحولت أسطحها إلى كتل أسمنتية باتت اليوم تستعيد القرميد قصداً لإحياء هذا الطابع. أما الحجر الأصفر الذهبي، مثل ذاك المستخرج تاريخياً من بلدة دير القمر (جبل لبنان)، فقد أعطى بيروت رمزاً معمارياً كاملاً تجسد في البيت الأصفر الشهير أو "بيت بركات" في ساحة سوديكو (بيروت)، الذي بناه المهندس يوسف أفتيموس عام 1924 وأكمله المهندس فؤاد قزح عام 1932، ولا يزال حتى اليوم شاهداً حجرياً على حرب وحياة معاً.

وبين الأحمر والأصفر تطل الشبابيك الخضراء، تلك الدرفات الخشبية التي كانت تطلى تقليدياً بأخضر داكن مصنوع غالباً من مزيج أكسيد النحاس المتوافر محلياً، فصار هذا الأخضر يستحضره أي لبناني حين يتخيل بيت الجد في الجبل.
قوس قزح الطبيعة

قبل أن يختزل اللون في خيار ديكوري، كانت الطبيعة نفسها أول من رفض فكرة الرمادي الواحد. فقوس القزح هدية الشتاء الملونة التي تسحرنا منذ الطفولة، ليست سوى ضوء الشمس الأبيض وهو ينكسر داخل قطرات المطر ليتفكك إلى أطيافه السبعة، وهي الحقيقة الفيزيائية التي أثبتها العالم البريطاني إسحاق نيوتن عام 1666 خلال تجاربه الشهيرة بالمنشور الزجاجي في منزله أثناء إغلاق "كامبريدج" بسبب وباء الطاعون، قبل أن ينشرها رسمياً في كتابه "البصريات" Opticks عام 1704. ونيوتن نفسه حين أراد تنظيم هذه الألوان لم يرصفها في خط مستقيم كما تظهر في السماء، بل طواها في دائرة، فكانت تلك الدائرة أول "دولاب ألوان" في تاريخ العلم. أما في الطبيعة الحية، فاللون لم يكن يوماً زخرفة، فألوان الأزهار الصارخة صممت تطورياً لاستدراج النحل والفراشات نحو الرحيق، بينما تستخدم بعض الضفادع والحشرات السامة ألوانها الفاقعة كإعلان تحذيري صريح لعدم الاقتراب، وهي ظاهرة يعرفها علماء الأحياء باسم "التحذير اللوني"، ما يجعل اللون لغة بيولوجية قبل أن يكون لغة جمالية.

من هذه اللغة الطبيعية بالذات، استعارت جماعات إنسانية متعددة عبر التاريخ فكرة قوس القزح كرمز للتعدد وللأمل بعد العاصفة، من قصة سفينة نوح إلى أعلام حركات سياسية واجتماعية مختلفة حول العالم. وأحدث هذه الاستعارات وأكثرها انتشاراً اليوم هو العلم الذي صممه الفنان الأميركي جيلبرت بيكر في مدينة سان فرانسيسكو عام 1978، بطلب من هارفي ميلك، أول مسؤول منتخب معلن عن مثليته الجنسية في كاليفورنيا، الذي طلب من بيكر تصميم "رمز مرئي" جديد لمجتمع "الميم" يحل مكان المثلث الوردي الذي كان في الأصل شارة فرضتها ألمانيا النازية على المثليين في معسكراتها. رفع بيكر علمه الأول، المؤلف من ثمانية ألوان بدلاً من الستة المعروفة اليوم، في 25 يونيو (حزيران) عام 1978 خلال مسيرة "يوم الحرية المثلية" في سان فرانسيسكو، وأعطى لكل لون معنى خاصاً، فأعطي الوردي للجنس، والأحمر للحياة، والبرتقالي للشفاء، والأصفر لضوء الشمس، والأخضر للطبيعة، والفيروزي للفن، والنيلي للانسجام، والبنفسجي للروح، قبل أن يختصر التصميم لاحقاً إلى ستة ألوان لأسباب تتعلق بتوافر الأصباغ وسهولة التصنيع الصناعي.

وهكذا يظهر حين تريد مجموعة بشرية أن ترى وتعرف، فإنها تلجأ غريزياً إلى اللون لا إلى الحياد، لأن الرمادي بطبيعته حيادي، بينما كل لون صريح هو إعلان عن وجود لا لبس فيه.
اللون لغة وليس زينة

إذا أردنا أن نرى النقيض الأقصى لثقافة "الغريج"، يأخذنا المشهد إلى أفريقيا، القارة الصاخبة بألوانها المتناقضة. فقماش الكنتي الغاني، المنسوج تقليدياً من الحرير والقطن بألوان صارخة متقاطعة أكثر من زخرفة عشوائية، هو نظام رمزي متكامل، فالأصفر يعني الثروة والملكية، والأخضر يرمز إلى الخصوبة والنمو، والأحمر يحمل دلالات الروحانية والتوتر السياسي أحياناً، والأزرق يعبر عن الانسجام والمحبة. وحين تلبس هذه الأثواب فإنها تقرأ كجملة أو موقف. أما قماش الأنكارا أو الطباعة الشمعية الأفريقية، فقصته أكثر عالمية، فتقنية الصباغة بالشمع وصلت أصلاً من إندونيسيا عبر جنود غرب أفريقيين عملوا هناك في القرن الـ19، ثم أعيد تطويرها محلياً بألوان أكثر جرأة حتى صارت هوية أفريقية خالصة على رغم أصلها الآسيوي، في مثال جميل عن كيف يمكن للون أن يهاجر ويتجنس.

هذا الحضور اللوني الصاخب في الأزياء الأفريقية مقاومة ثقافية صامتة، في قارة عانت طويلاً محاولات محو هويتها، بقي اللون أحد أكثر أشكال التعبير عصياناً على المحو، لأنه ببساطة لا يحتاج إلى ترجمة.
هل يرى الرجل اللون كالمرأة؟

كثيراً ما ينقل شعبياً أن الرجل لا يرى الألوان كالمرأة فالأحمر والوردي والنبيذي والبرتقالي والعنابي والزهري مثلاً يوضع تحت عنوان واحد هو الأحمر، لكن للعلم كلاماً آخر، وهنا تدخل الفيزيولوجيا في قلب النقاش الجمالي. ففي دراسة أجراها الباحث الأميركي أبراموف من كلية "بروكلين"، ونشرت عام 2012 في مجلة Biology of Sex Differences، طلب من رجال ونساء تحديد نسب الألوان الأساسية الأحمر والأصفر والأخضر والأزرق، في عينات لونية معروضة أمامهم. وخلصت الدراسة إلى أن النساء أكثر قدرة على تمييز الفروق الدقيقة بين الألوان المتقاربة، خصوصاً في منتصف الطيف اللوني، حيث تتداخل درجات الأخضر والأصفر، بينما يحتاج الرجل عموماً إلى طول موجي أطول قليلاً كي يشعر بأنه يرى الحمرة نفسها التي تراها المرأة، ما يعني أن اللون البرتقالي، على سبيل المثال، قد يبدو للرجل أميل إلى الاحمرار مقارنة بإدراك المرأة له. ورجح فريق البحث أن هرمون التستوستيرون قد يؤثر في كثافة المستقبلات العصبية داخل القشرة البصرية، وظل هذا التفسير فرضية قيد النقاش، إذ إن دراسات أخرى، من بينها بحث نشرته مجلة Journal of Vision عام 2012 لباحثين بريطانيين من جامعة "برادفورد"، لم تجد فروقاً حاسمة بين الجنسين في الرؤية اللونية.

أما على مستوى المفردات لا الفيزيولوجيا، فقد قدمت الباحثتان الأميركية نيكول فايدر والروسية ناتاليا كوماروفا، دراسة عام 2019 في مجلةHumanities and Social Sciences Communications اعتمدت على قاعدة بيانات "مسح الألوان العالمي" العابرة للثقافات، وخلصتا إلى أن النساء يملن إلى تصنيف درجات اللونين الأخضر والأزرق ضمن فئات لغوية أكثر تفصيلاً، بينما يكتفي الرجال غالباً بمصطلح واحد جامع يعرف بـ"غرو" Grue يخلط الأخضر بالأزرق في تسمية واحدة، ما يظهر أن ثمة فروقاً حقيقية، لكنها متواضعة الحجم وموضع جدال علمي مستمر، وليست تلك الهوة الأسطورية التي تروج لها بعض المقالات الشعبية حين تدعي أن المرأة ترى ملايين الألوان الإضافية التي لا يراها الرجل إطلاقاً، وهذا الادعاء قد يستند إلى حال نادرة جداً تعرف بـ"رباعية الاستقبال اللوني" Tetrachromacy ولا يمكن تعميمها على كل النساء.

حين يغيب اللون كلياً

أما من يعاني عمى الألوان، فتجربته مع هذا الجدال مختلفة جذرياً. وأول وصف علمي موثق لهذه الحالة قدمه الكيميائي البريطاني جون دالتون في نهاية القرن الـ18، حين لاحظ أنه هو نفسه يرى اللون الوردي أزرق، فكتب عام 1794 ورقة بحثية عن حالته الخاصة، ومن اسمه اشتقت التسمية الشائعة لهذا العرض "الدالتونية". واليوم نعرف أن هذا العمى هو حال وراثية مرتبطة بالكروموسوم X، مما يفسر إصابته للرجال بنسبة تقارب ثمانية في المئة، مقابل أقل من واحد في المئة بين النساء، لأن المرأة تملك نسختين من هذا الكروموسوم فتعوض إحداهما نقص الأخرى غالباً. ومن يعانون الشكل الأكثر انتشاراً، وهو ضعف إدراك اللون الأخضر لا يرون العالم بالأبيض والأسود كما يشاع خطأً، بل يرون الأحمر والأخضر والبرتقالي والبني في درجات متقاربة يصعب التمييز بينها، فتبدو لهم إشارة المرور الحمراء أقرب إلى الأصفر الباهت، وورقة الشجر الخضراء أقرب إلى درجة تشبه الطين.

هذه الفئة التي تتجاوز نسبتها عالمياً 300 مليون شخص بحسب تقديرات منظمات متخصصة برعاية المصابين بعمى الألوان، ربما تكون الأقل تأثراً بحرب الرمادي التي نتحدث عنها، ببساطة لأن عالمها البصري أصلاً أقرب إلى درجات محايدة متقاربة. فهل يمكن القول إن عصر المينيمال صمم من دون قصد ليكون أكثر عدالة بصرية تجاه هذه الفئة تحديداً؟
دولاب الألوان

بعدما رتب نيوتن أطياف قوس القزح في دائرته الأولى عام 1666، ظل هذا "الدولاب" أداة العلماء وحدهم لقرنين تقريباً، إلى أن جاء الرسام والمعلم السويسري يوهانس إيتن، أحد أبرز أساتذة مدرسة "باوهاوس" الألمانية الطليعية، ليطوره في كتابه المرجعي "فن اللون" Kunst der Farbe الصادر عام 1961 إلى الشكل الذي نعرفه اليوم، الذي يحوي 12 لوناً موزعاً بين أساسية وثانوية وثالثية، مع قواعد دقيقة لما يسمى "التناسق اللوني". فالألوان المتقابلة تماماً على الدولاب، كالأحمر مقابل الأخضر، أو الأزرق مقابل البرتقالي، تعرف بالألوان المتكاملة، وتمنح أعلى درجة من التباين والحيوية البصرية، بينما الألوان المتجاورة على الدولاب، كدرجات الأصفر والأخضر والأصفر المخضر، تعرف بالألوان المتجانسة، وتمنح إحساساً بالهدوء والانسجام، في وقت يعتمد التناسق الأحادي على درجات متفاوتة من لون واحد فقط.

وحين تمزج الألوان المتكاملة، أي المتقابلة تماماً على الدولاب، ببعضها بنسب متوازنة، فإنها لا تنتج لوناً أكثر حدة، لكنها تنتج بالضبط اللون المحتل الجديد، الرمادي المحايد، فالأحمر والأخضر إذا امتزجا بتوازن دقيق يلغي كل منهما توهج الآخر، والنتيجة ظل رمادي صامت لا يشبه أياً من أصليه. وهذه الحقيقة الكيماوية البحتة تصلح استعارة بالغة الدقة عن عمارة المدن المعاصرة، إذ حين تمزج كل الهويات المحلية، القرميد اللبناني والفيروزي البورانوي والأصفر الهافاني في قالب عمراني عالمي واحد يريد أن يرضي الجميع ولا يميز أحداً، فإن النتيجة النهائية، عملياً وبصرياً في آنٍ، هي المتوسط الرمادي ذاته الذي لا يشبه أياً من أصوله. فالبلد الذي يفقد هويته لا يتحول إلى لون آخر، إنما إلى رمادي، لأن الرمادي هو حاصل جمع كل الألوان حين تطفئ بعضها بعضاً.

والمدن التي نجحت في البقاء ملونة من دون أن تبدو فوضوية، من بورانو إلى أحياء بيروت القديمة، لم تفعل ذلك عشوائياً، فربما خضعت ولو بلا وعي أكاديمي بنظريات إيتن، لمنطق التناسق نفسه. فألوان قرميد أحمر وحجر أصفر وشبابيك خضراء في البيت اللبناني التقليدي ليست تركيبة اعتباطية، وهي تقترب فعلياً من "التناسق الثلاثي" الذي يصف دولاب الألوان اجتماع ثلاث درجات متباعدة بتساو على الدائرة، وهو ما يمنح العين إحساساً بالتوازن على رغم صخب كل لون على حدة، فأجدادنا ومن دون كتاب نظري بين أيديهم رصفوا ألواننا وفق منطق يجعلها تتكلم مع بعضها بدلاً من أن تتقاتل أو أن تذوب كلها، كسلاً وخوفاً في نغمة رمادية واحدة.
لماذا انتصر الرمادي؟

لماذا سمحنا لهذا اللون الحيادي بأن يستولي على حياتنا الملونة بهذا الشكل الكاسح؟ بعدما وجدت صناعة الطلاء في الرمادي لوناً آمناً يرضي الجميع فلا يخسر زبوناً، وصناعة العقارات وجدت فيه أداة تسويقية تسرع البيع، وصناعة الأزياء السريعة وجدت فيه حلاً اقتصادياً لأن الملابس المحايدة اللون يسهل مزجها فتباع قطع أكثر بتصاميم أقل، ووسائل التواصل الاجتماعي، وتحديداً "إنستغرام"، كافأت الجماليات الهادئة الموحدة اللون لأنها تبدو أكثر "احترافية" في الصورة المصغرة مقارنة بالفوضى اللونية التي تشتت العين على شاشة صغيرة.

نبحث في الأثر النفسي لهذا الطغيان، إذ تشير أبحاث في علم الجمال العصبي Neuroaesthetics إلى أن الدماغ البشري يستجيب فعلياً لجمال الأشكال والألوان بتنشيط منطقة "القشرة الحجاجية الجبهية الإنسية"، وهي منطقة مرتبطة بالمكافأة والمتعة، بحسب دراسة أجراها الباحث الياباني توموهيرو إيشيزو والعالم البريطاني سمير زكي من جامعة "كوليدج" لندن، ونشرت عام 2011 في مجلة PLoS ONE عنوان "نحو نظرية دماغية للجمال". وعلى رغم أن هذه الدراسة تناولت الجمال البصري والموسيقي عموماً لا اللون تحديداً، فإن نتائجها استخدمت لاحقاً، لتبرير ما يعرف إعلامياً بـ"ديكور الدوبامين"، وهو مصطلح صاغته الصحافة المتخصصة في التصميم الداخلي منذ عام 2022 تقريباً، للحديث عن مساحات مصممة عمداً بألوان جريئة كالمرجاني والأصفر الزاهي والأخضر الليموني، بدعوى أنها تحفز إفراز الدوبامين في الدماغ. وبينما تؤكد أبحاث موثوقة أن الجمال والتناغم اللوني يفعلان بالفعل مراكز المكافأة في الدماغ، فإن الربط المباشر والدقيق بين لون بعينه ونسبة إفراز الدوبامين لا يزال أقرب إلى تسويق ذكي منه إلى حقيقة مخبرية مؤكدة، إذ لم تجر حتى الآن دراسات سريرية واسعة تقيس هذا الأثر تحديداً بأرقام موثوقة قابلة للتحقق.

وقد يكون "ديكور الدوبامين" نفسه رد فعل طبيعياً على سنوات من الرمادي الميلينيالي، فبعدما شبع الناس من الحياد، عادوا يبحثون عمن يذكرهم بأن الحياة، كما الثوب التراثي والحديقة الفوضوية والمدينة الملونة، لم تخلق لتكون بلا لون.
أي لون أفضل؟

الحقيقة العلمية هي أن الدماغ البشري لا يبحث عن لون واحد مثالي، إنما عن التوازن والتناغم. فالإفراط في الألوان الصارخة قد يرفع مستوى التحفيز العصبي إلى درجة الإرهاق البصري، تماماً كما أن الإفراط في الحياد الرمادي قد يقود، بحسب ملاحظات متكررة في علم النفس البيئي، إلى شعور بالخمول والانفصال العاطفي عن المكان الذي نعيش فيه، والحل ليس في اختيار معسكر ضد آخر، فاللون قد يكون مرآة لحالتنا النفسية الجماعية، نلجأ إلى الرمادي حين نخاف من العالم ونريد التحكم فيه، ونعود إلى الألوان حين نستعيد شيئاً من الثقة بأن الحياة، على رغم كل شيء، تستحق أن ترى بكامل أطيافها، وليس بظل واحد باهت.

اندبندنت عربية


طباعة هذا المقال طباعة هذا المقال طباعة هذا المقال أرسل إلى صديق

 
 

Baraka16


Orient 2022


معرض حلب


الصفحة الرئيسية
مال و مصارف
صنع في سورية
أسواق
أعمال واستثمار
زراعـة
سيارات
سياحة
معارض
نفط و طاقة
سوريا والعالم
محليات
مجتمع و ثـقافة
آراء ودراسات
رياضة
خدمات
عملات
بورصات
الطقس