سورية الجميلة RSS خدمة   Last Update:29/07/2026 | SYR: 00:46 | 29/07/2026
الأرشيف اتصل بنا التحرير



خلطات كامبو


شاي كامبو


IBTF_12-18


  الشرفات التي رأت كل شيء... من الحب إلى الحرب
29/07/2026      

الشرفات التي رأت كل شيء... من الحب إلى الحرب | اندبندنت عربية


سيرياستيبس

صورة لسيدة تحضر البطاطا على شرفة بيروتية في منطقة منهكة من القصف، في تحد وتأقلم وقدرة على التكيف، مثلما نجت كثير من الكائنات عبر العصور، كانت مدخلاً غريباً ربما للبحث والحديث عن الشرفات. وعلى رغم شهرة الصورة الواسعة على مواقع التواصل، لم تكن يوماً لقطة مدبرة بالمعنى الذي نتخيله، فبحسب ما روته عائلة المرأة نفسها لاحقاً، فإن الصورة التقطت في يوليو (تموز) 1981، عقب قصف إسرائيلي لمناطق من العاصمة اللبنانية بيروت، والمرأة تدعى نجوى بغدادي، والطفلة الصغيرة إلى جوارها هي ابنتها لمى.

لم تدرك نجوى للحظة أنها تصنع أيقونة، فقد روت أن مصوراً أجنبياً كان يتجول في الحي المقصوف عندما انهار ربع مسكنها، فاصطحبته إلى الشرفة ليرى منها حجم الدمار في المباني المقابلة، لكنه بمجرد أن رأى صينية البطاطا أمامها، أشار إليها أن تكمل تحضيرها كي يلتقط الصورة، فيما وجدت لمى الصغيرة نفسها جزءاً من المشهد بمحض الصدفة، كونها كانت واقفة إلى جانب أمها في تلك اللحظة بالذات. حتى الوشاح الأزرق على رأس نجوى لم يكن من اختيارها، إذ إنها لم تكن محجبة أصلاً في ذلك الوقت، لكن المصور طلب منها ارتداء منديل ليعطي انطباعاً بأن الصورة التقطت في حي مسلم.

 وقد اكتشف أبناء نجوى بعد عقود أن والدتهم كانت بطلة تلك الصورة بعدما انتشرت على وسائل التواصل بشكل "فيروسي"، إذ كتب، خطأً، أنها صورت في سوريا أثناء الحرب.

تكمن المفارقة أن امرأة لم تقصد أن تصبح بطلة صورة، وطفلة لم تكن سوى واقفة بجانب أمها، تحولتا بفعل عدسة عابرة وشرفة مطلة على الخراب إلى الصورة الأشهر لمعنى الاستمرار والبقاء. فبينما تتكدس خلفهما طبقات مبنى كامل مثل جثة حجرية مفتوحة على الهواء، تجلس الأم أمام كومة بطاطا تقشرها بيد ثابتة، وكأن يديها وحدهما لم تسمعا بالحرب.

ربما هذا هو جوهر الشرفة في بيروت، التي لا تكتفي أن تكون مجرد إطلالة على الشارع، وتشكل خط الدفاع الأخير الذي يفصل بين الدمار والبقاء، وربما كانت شرفة نجوى التي أطلت منها يوماً على الخراب باتت تطل على العالم بوشاح أزرق ولقمة بقاء.

الشرفات التي رأت كل شيء... من الحب إلى الحرب | اندبندنت عربية

شرفات بيروت

لكل بيت في هذه المدينة العتيقة عيون تطل على الخارج هي الشرفات. فوق الأدراج الحجرية القديمة، بين قناطر بيروتية ما زالت تتنفس على رغم كل شيء، وقفت الشرفة شاهدة على قرون من الحيوات وتغيرها. عليها علقت الرايات في الحروب، وارتفعت منها الأعلام في الثورات، واخضرت أحواض الحبق والياسمين على حوافها، وصدح صوت فيروز صباحاً ليخبر الحي بأكمله أن يوماً جديداً قد بدأ.

فالشرفة ليست تفصيلاً معمارياً يضاف إلى الواجهة، لقد كانت أقرب إلى دفتر يوميات مفتوح على الشارع، يقرأ من الأسفل كما يقرأ من الداخل. حينها كان السقف أعلى بالمعنى الحقيقي والمجازي، والغرف أوسع والمدينة أقل ازدحاماً، والألوان أكثر جرأة وتعبيراً صارخاً، أما في الخارج على الشرفة فكان وقتاً مستقطعاً للتفرج والمراقبة ونشر الغسيل بالمعنين أيضاً، وصبحية من بيت إلى بيت.

إليها صعدت أغراضنا من الدكنجي (صاحب الدكان) بسلة من القش مربوطة بحبل، وعليها رميت رسائل العشاق التي لم تجرؤ دخول البيوت لا من أبوابها ولا من شبابيكها، ومنها كانت النظرة الأولى إلى العالم الخارجي.

واليوم، صغرت المنازل وتقلصت المساحات، وأصبحت الشرفة تبدو وكأنها ترف لم يعد يحتمله التصميم الحديث، فحلت الواجهات الزجاجية مكانها، وتحولت هي نفسها إلى ما يشبه غرفة إضافية مقفلة أيضاً.
نصف مفتوح نصف مغلق

يصف الفيلسوف الفرنسي غاستون باشلار الإنسان بأنه كائن نصف مفتوح نصف مغلق، يرغب في اللحظة نفسها أن يكون مرئياً ومخفياً معاً، وإذا كان باشلار قد خص الباب أيضاً بهذا التوصيف في كتابه "جماليات المكان"، فإن الوصف ينطبق على الشرفة بدقة أكبر ربما. هذه الفجوة المفتوحة على الشارع، التي قد تبدو مرتقى سهلاً للصوص في الطوابق الدنيا، لا تمثل تهديداً بقدر ما تمثله النوافذ الصغيرة الخلفية، لأن انفتاحها بالذات يوحي بالثقة، تماماً كما توحي واجهات المتاجر الزجاجية بوجود قوة خفية جاهزة للظهور عند الحاجة. وبين الجدار الصلب والفراغ الطلق، تنجح الشرفة في أن تمنح المبنى ليونة لا يمنحها له الباب ولا النافذة، فتصير أقرب إلى صوت ناعم وسط إيقاع موسيقى الحجر الصارمة.
رحلة كلمة من الشرفة إلى البلكون

إذا أردنا الجمع بين علم إتيمولوجيا الألفاظ (Etymology) والتاريخ المعماري المقارن للشرق الأوسط والغرب، نرى أن كلمة "شرفة" في العربية تشترك مع جذر "الشرف" والإشراف على الشيء من فوق، وهو معنى لا يخلو من دلالة. فمن يملك شرفة يملك موقعاً مرتفعاً يطل منه على الحياة، أما الكلمة التي غزت اللهجات العربية جميعها وأزاحت "الشرفة" الفصيحة من الاستخدام اليومي، فهي "البلكون"، المشتقة من الإيطالية balcone، ومعناها الأصلي "السقالة" أو المنصة الخشبية، وهي بدورها ذات أصل جرماني قديم يعني "الشعاع العالي" أو عارضة خشبية. من هذا الجذر تفرعت تسميات أخرى بحسب الشكل والحجم، فالتراس (Terrace) مساحة مسطحة مفتوحة وأطول، والفراندا (Veranda) ممر مسقوف وتستخدم غالباً للطابق الأرضي أو للمدخل الرئيس، واللوجيا (Loggia) شرفة مسقوفة داخل هيكل البناء ومفتوحة من جانب أو أكثر بأقواس كشرفة جولييت الشهيرة.

وفي اللهجات العربية المحكية تعددت الأسماء بتعدد المناطق، فما يدعى "بلكونة" في بلاد الشام يصير "فرندة" أو "برندة" في مصر والعراق، بينما تحتفظ الجزيرة العربية بكلمة "روشن"، المشتقة من "روزن" الفارسية بمعنى النافذة، أو من "روشندان" الأوردية بمعنى النور، أما "المشربية"، تلك الشرفة الخشبية المحجوبة بزخارف الأرابيسك، فيرجح مؤرخو العمارة أنها انطلقت من القاهرة الفاطمية على يد صناع أقباط أتقنوا تعشيق الخشب، وتحمل اسمها إما من "الشرب" لأن أواني الماء الفخارية كانت توضع في أعلى أرضيتها لتبرد، أو من "الإشراف" لأنها تطل من فوق.

وبين الشرفة المكشوفة والمشربية المحجوبة تماماً، تقف "الشناشيل" في منزلة وسطى، فهي شرفة خشبية قد تمتد لتغطي واجهة البيت بأكملها، أقرب إلى غرفة كاملة بارزة عن خط الجدار، لا تكتفي بدرابزين كالشرفة العادية، لكنها ليست مغلقة بالكامل كالمشربية، إذ يبقى نصفها الأعلى مفتوحاً على هيئة نوافذ متتابعة بين أعمدة خشبية حاملة للسقف. وتعد الشناشيل سمة عراقية بامتياز، عرفتها البصرة وبغداد تحديداً، وإن كان بعض المؤرخين يرجح أنها منقولة أصلاً عن العمارة الفارسية والهندية، في تذكير آخر بأن الشرفة، أياً كان اسمها المحلي، ظلت دوماً حلاً معمارياً مشتركاً بين حضارات المنطقة من المتوسط حتى الهند، تتقاسمه من دون أن تتقاسم بالضرورة لغة واحدة تسميه.

الشرفات التي رأت كل شيء... من الحب إلى الحرب | اندبندنت عربية

شرفة المسجد وشرفة الكعبة

يمتد حضور الشرفة إلى العمارة الدينية أيضاً، إذ تعود بالكلمة إلى جذرها اللغوي الأول بمعنى الرفعة والإشراف من فوق، فالمساجد تستخدم كلمة "الشرفة" للإشارة إلى الأسوار التزيينية التي تعلو المبنى وتنتهي بوحدات زخرفية، وقد يكون من أجمل نماذجها تلك التي تزين جامع أحمد بن طولون في القاهرة، إذ تصطف منحوتات تجريدية أشبه بعرائس رافعة أكفها إلى السماء، أما في المسجد الحرام بمكة المكرمة فيبرز مفهوم "المشرف"، وهو رواق مفتوح أقرب إلى الشرفة أو التراس الممتد، يطل على الساحة الداخلية ليتيح رؤية أكبر عدد ممكن من المصلين للكعبة.
حين كانت الشرفة عرشاً

يختلف المؤرخون في تحديد مسقط رأس الشرفة الأولى، فبعضهم يرجع أصلها إلى اليونان قبل نحو 1400 عام قبل الميلاد، فيما يمنح آخرون هذا السبق لفارس القديمة قبل الميلاد بـ3 آلاف عام، حين بنيت التظليلات للحد من حرارة الشارع. وفي الحضارة الفرعونية يكشف ما تبقى من القصور المبنية من الطوب بخلاف المعابد الحجرية الخالدة عن "شرفات التجلي" التي كان الفرعون يطل منها على رعيته احتفالاً بفيضان النيل أو استعراضاً للجيوش العائدة من الحرب.

أما في أوروبا العصور الوسطى فقد عاش النبلاء داخل حصون منيعة خالية من الشرفات، لأن الطابع الأمني والدفاعي كان يغلب على كل تفصيل معماري. ومع بدايات عصر النهضة تراجع الهاجس الدفاعي وبرزت الحاجة إلى التواصل مع العامة من دون الاختلاط التام بهم، فظهرت الشرفات أولاً في إيطاليا خلال عصر النهضة، إذ كانت تصمم في المنازل والفيلات الريفية، ثم انتقلت إلى القصور الملكية والمباني الفخمة في القارة كلها، محمولة على دعامات حجرية أو خشبية متعاشقة داخل الجدار. وما زالت روما القديمة تحتفظ بذاكرة شرفاتها الكبيرة التي كانت تلقى منها الخطب وتحشد منها الجماهير، وما زالت أوروبا الحديثة تتذكر إحدى أكثر لحظاتها قتامة، حين أعلن الزعيم النازي أدولف هتلر ضم النمسا من فوق شرفة، في مقابل لحظة أخرى أكثر إشراقاً حين وقف رئيس وزراء بريطانيا السابق ونستون تشرشل مع الأسرة المالكة البريطانية على شرفة قصر باكنغهام ليحيي الجماهير عند إعلان انتهاء الحرب العالمية الثانية.
شرفات النضال

وفي الجزائر، خلال أعوام الاحتلال الفرنسي حين فرض حظر التجوال على المدن، تحولت الشرفات والنوافذ إلى منصة النضال الوحيدة المتاحة، بما سمي حرب التكبير والزغاريد الجماعية، ففي الليالي التي فرض فيها حظر التجوال كان يكفي أن تبدأ امرأة بالزغردة أو يصدح رجل بالتكبير "الله أكبر" من نافذته، لتهتز المدينة بأكملها في ثوانٍ معدودة بصوت جماعي هادر يملأ الشوارع المهجورة، وهو ما شكل حرباً نفسية مرعبة ضد دوريات الجيش الفرنسي. وتحولت الشرفات إلى شبكات المراقبة والإنذار المبكر، نظراً إلى طبيعة المعمار المتلاصق في أحياء القصبة والمدن القديمة، كانت الشرفات والنوافذ تستخدم لرصد تحركات جنود الاحتلال. فإذا اقتحمت دورية فرنسية زقاقاً ما، يتم تمرير الإشارات والتحذيرات السريعة قبل وصول التفتيش، كما كانت مصدراً للتموين والتكافل الاجتماعي العابر للشرفات أثناء فترات الحصار الطويل، فخلف قضبان حظر التجوال ومجازر المستعمر، لا سيما في ليل "معركة الجزائر" الصاخب (1956-1957) وهبة "تظاهرات الـ11 من ديسمبر (كانون الأول) 1960" التاريخية، تحولت شرفات ونوافذ الأحياء العتيقة إلى جبهات قتال مدنية بديلة ومنصات نضال، إذ نجح الأهالي في كسر الحصار العسكري الفرنسي من دون خرق الحظر المفروض على الأرض.

الشرفات التي رأت كل شيء... من الحب إلى الحرب | اندبندنت عربية

رجل هتف بما استشرف

وفي عشرينيات القرن الماضي، أيام الانتداب البريطاني والفرنسي، حين كانت المدن العربية تخرج بتظاهراتها للتنديد بوعد بلفور، تروي إحدى الطرائف المتداولة واقعة جرت أمام فندق البارون في مدينة حلب في سوريا، حيث اجتمع المتظاهرون، واختير أحدهم ليكون "الهتيف" صاحب الصوت الذي يطلق الهتاف ليردده الجمهور خلفه. وكان الهتاف الذي اجتمع عليه العرب حينها "فليسقط وعد بلفور" في مقدمة التظاهرة، لكن من كان في الخطوط الخلفية سمع الكلام بطريقة أخرى تحت شرفة الفندق المكتظة بالمتفرجين الذين يراقبون المشهد فهتف بكل حماسة "فليسقط... واحد من فوق!" على الإيقاع نفسه من دون دراية فعلية بالكلمات وبمقصد التظاهرة نفسها، يومها ضحك الحاضرون وكانت طرفة، وربما لم يفهم بعضهم يومها أن في تلك الزلة اللسانية ما هو أعمق من مجرد هفوة.
مسمار في جدار الذاكرة

بين عامي 1860 و1910، في الأعوام الأخيرة من الحقبة العثمانية التي سبقت ولادة لبنان الكبير تحت الانتداب الفرنسي، شيدت غالبية الأبنية التي بات يطلق عليها اليوم اسم "بيروت التراثية"، بواجهاتها المزينة بالقناطر والأعمدة الرخامية وشرفاتها المزدانة أحياناً بالزجاج الملون. هذه الشرفات كانت كمثيلاتها في المدن المتوسطية مساحة انتقالية بين الخاص والعام، وبين البيت والشارع، وبين ما يخفى وما يعلن. عليها علقت الرايات في أوقات الحرب وارتفعت الأعلام في أوقات الفرح الوطني، وفيها جلست العائلات في أمسيات الصيف تتقاسم الهواء والقهوة والحكايا مع الجيران.

لكن الحرب الأهلية جاءت لتمنح الشرفة معنى مختلفاً تماماً، ولم تعد نافذة على الحياة بقدر ما أصبحت أحياناً نقطة مراقبة أو خط تماس.

ووثقت السينما اللبنانية تلك الحقبة، وفي مقدمها فيلم "بيروت الغربية" (1998) لزياد دويري، إذ ترصد من خلال حكاية المراهق طارق وصديقه عمر كيف تحولت تفاصيل الحياة اليومية في العاصمة المنقسمة إلى مادة للرعب والدهشة معاً، حين يحول طارق شرفة في المدرسة الفرنسية إلى منصة احتجاج عندما يصدح بالنشيد الوطني مقابل النشيد الفرنسي، كما يدور في منتصف الفيلم ردح بين الجيران من شرفاتهم يشبه الردح الإعلامي على الشاشات اليوم حول من يسكن أين وبحسب الطائفة والمنطقة في هذا البلد "المتعدد".

فالشرفة في تلك الأعوام تحولت إلى عين حذرة تراقب الخط الأخضر الذي قسم المدينة، فصارت شاهدة على انقسام بيروت كما كانت من قبل شاهدة على وحدتها. وأكمل القناصون من الأحزاب المتعددة ذلك المشهد القاتم لمدينة كثيراً ما أطلت شرفاتها على الحياة لتطل على الموت بالصدفة للعابرين من أهلها.

الشرفات التي رأت كل شيء... من الحب إلى الحرب | اندبندنت عربية

من الاستقلال إلى الثورة

في كل مرة أرادت بيروت أن تدلي بشيء للعالم، كانت تقوله أولاً من فوق شرفاتها، فمنذ إعلان الاستقلال عام 1943 تحولت شرفات العاصمة إلى منصات معلنة للفرح الوطني، تتدلى منها الأعلام والزينات في مشهد يتكرر مع كل مناسبة وطنية كبرى، تماماً كما تحولت في أوقات أخرى إلى منصات حداد جماعي، تنكس منها الأعلام أو تعلق عليها صور الضحايا. وفي أكتوبر (تشرين الأول) 2019، عادت الشرفات لتؤدي الدور نفسه الذي أدته عقوداً من قبل. بيوت لم يستطع سكانها النزول إلى الساحات لأسباب مختلفة، اختاروا أن يعلقوا أعلامهم وشعاراتهم من فوق شرفاتهم، وأن يقرعوا الطناجر والمقالي في أوقات محددة، مشاركين بذلك في حراك جماعي واسع من دون أن يبارحوا بيوتهم بسبب وباء كورونا. وكأن الشرفة، في كل مرة يفرض فيها على الجسد أن يبقى داخل البيت، تتحول إلى الامتداد الوحيد المتاح له نحو الشارع والتاريخ، حينها أيضاً انتشرت الزراعة المنزلية كعنصر من الأمن الغذائي على الشرفات في لبنان الذي كانت وما زالت تنهشه الأزمات، بخاصة في بيروت، ونشأت صفحات على مواقع التواصل تعلم الناس كيفية الزراعة والاستفادة من الأماكن الصغيرة كالشرفات وأسطح المنازل.
حبات الرز من الشرفات

لا تقتصر مناسبات الشرفة على الحرب والحب فحسب، فهي تمتد إلى أكثر لحظات الفرح شعبية وهي الأعراس، فتقليد استقبال العروسين بوابل من حبات الرز، الذي يمارس غالباً من الشرفات المطلة على المداخل، يعود في جذوره إلى عصور ما قبل الميلاد، حين كان المحاربون القدامى يرمون الحبوب لإرضاء الأرواح وطلب الخصوبة والبركة للزوجين الجديدين.

الإيطاليون استبدلوا الحلوى أحياناً بهذا التقليد، والبولنديون أضافوا إليه العملات المعدنية طلباً للوفرة، والمغاربة استخدموا التمر أو التين المجفف. وفي لبنان، إذ تتشابك الأعراس مع تنوع طائفي واسع، بقيت الشرفة أحد أكثر الأماكن حميمية لتوديع العروسين واستقبالهما، إذ يقف الجيران والأهل مطلين من فوق، يشاركون الفرح من دون أن ينزلوا إلى الشارع، تماماً كما كانوا يشاركون الأحزان من الموقع نفسه.



شرفات للمجد وأخرى للانكسار

وإذا تتبعنا القصيدة العربية من فوق شرفتها، يمكننا أن نرصد تحول هذه القصيدة من النشيد العام إلى صوت الذات الفردية عبر العصور، ففي الشعر الجاهلي وما تلاه، التصقت الشرفة بمعناها اللغوي الأول كرمز للشرف والرفعة والنعمة، سواء في قصور فارس أو اليونان، كما عند "المتلمس الضبعي" جرير بن عبدالمسيح الذي وصف "القصر ذا الشرفات"، إذ قال "وقصر كظهر السعف زين شرفه... بأمر امرئ لم يرض بالدون معضم"، لتكون الشرفة رمزاً للعزة والشرف والامتناع عن الأعداء. أو عند مهيار الديلمي الذي ربط الشرفات بالمجد الذي لا يدرك حين قال "ومتمرد الشرفات يقصر دونه... مجد، ولا يدرك بألف نجيب". أي إنه في ذروة عالية متمردة، ومجد صعب المرام لا يستطاع الوصول إليه حتى بقافلة من النجباء والأنقياء. واستمر هذا المعنى الكلاسيكي حتى مطلع القرن الـ20، كما في بيت خليل مطران الشهير الذي يقول فيه "ليست بأحسن منها الشرفة ابتنيت... في المجد حتى يزين الشرفة الشرف"، في مقابلة لفظية بين الكلمتين اللتين تتشاركان الجذر نفسه.

لكن الحداثة الشعرية فتحت الشرفة على معانٍ أقل مشاعية وأكثر التصاقاً بهموم الذات الفردية.

وكانت شرفات نزار قباني احتفالية وردية اللون، في قصيدة "كلمات" حيث تحمل العاشقة موسيقى الحب "لمساء وردي الشرفات"، وكانت الشرفة لديه مسرحاً للجمال والغزل.

وبدت شرفات الشاعر المصري صلاح عبدالصبور أكثر تواضعاً وشجناً وذات طابع درامي هادئ يعبر عن الغربة والانتظار والأمنيات المنسية وسط المدينة "وأقف في الشرفة الصغيرة... أرقب الشارع المغبور، والأمنيات التي أرجأها المساء".

بينما بقي محمود درويش الأكثر بناءً للشرفات في القصيدة العربية الحديثة، إذ اتسعت شرفاته من الأنين الخاص إلى الألم الجماعي في قصائد كثيرة يطل فيها "كشرفة بيت" على وطن كامل، إذ يقول "أطل كشرفة بيت على ما أريد... أطل على الشارع الحي... على الشهداء وعلى النائمين... أطل على أمسي كي أرى أين أمشي...".

لكل رسام خطابه في الشرفة

قلما خلت مسيرة رسام حديث من شرفة أو شرفتين، بوصفها منصة بصرية غنية بالدلالات. ومن أشهر اللوحات، ربما لوحة "الشرفة" التي رسمها الفنان الفرنسي إدوار مانيه عام 1868، ويظهر فيها أربعة أشخاص مجتمعين على شرفة واحدة على رغم أنهم لم يجتمعوا فعلياً عليها في حياتهم، إذ رسم مانيه كل وجه على حدة ثم جمعها لاحقاً في تكوين واحد بارد الألوان، يوحي، بحسب بعض النقاد، بمزاج أرستقراطي يفتقر إلى الحياة على رغم رفاهيته الظاهرة.

وعام 1950 أخذ الفنان السوريالي رينيه ماغريت هذه القراءة إلى أقصاها بسخرية حادة حين رسم لوحته "شرفة مانيه"، مستبدلاً بالأشخاص الأربعة أربعة توابيت. أما الأميركي إدوارد هوبر فقد أفرد للشرفات والنوافذ حيزاً واسعاً من أعماله بين عامي 1882 و1967، لكنه حولها إلى ما يشبه "شرفات الوجود المعتم"، إذ يظهر أبطاله في لوحاته وكأنهم لا يلتفتون إلى جمال الأفق المحيط بهم، بل يغرقون في عزلتهم الداخلية على رغم انفتاح الشرفة أمامهم على البحر أو الغابة.

الشرفات التي رأت كل شيء... من الحب إلى الحرب | اندبندنت عربية


شرفة المسرح للعرض والنميمة

أما شرفة المسرح ذلك المكان الذي يشبه مقصورة حقيقية، بدأت وظيفتها الأولى في العمارة الدينية الأوروبية لخدمة المنشدين والموسيقيين، قبل أن تنتقل إلى دور الأوبرا والمسارح، ثم إلى دور السينما لاحقاً، لتصبح مكاناً لجمهور يرغب في أن يكون نصف مرئي نصف مخفي في آن. كانت هذه المقصورات، على مر تاريخها، حكراً على الأثرياء وأهل السلطة الذين يدخل الجمهور العام حين يراهم يدخلون المسرح بكامل أبهتهم، ليختفوا بعدها خلف أبواب يحرسها الخدم. ولعل أبرز من وثق هذا العالم أدبياً هو الروائي الفرنسي مارسيل بروست في روايته الملحمية الضخمة "البحث عن الزمن المفقود"، إذ تدور حياة الطبقة الأرستقراطية بأكملها بين موائد العشاء وشرفات المسرح والأوبرا.
حكايات الحب المعلقة في الهواء

من بين كل وظائف الشرفة، تبقى وظيفتها الرومانسية الأكثر رسوخاً في الذاكرة الجماعية، فهي مسرح اللقاءات نصف المفتوحة، إذ يمكن للعينين أن تتبادلا النظر من دون أن يمر الحب من باب البيت. وفي السينما المصرية القديمة، التي كانت لا تفصل كثيراً بين الأغنية والفيلم، تحولت الشرفة إلى مسرح كامل للغزل، إذ يقف محمد فوزي في فيلم "ورد الغرام" متمثلاً بشحاذ أنيق تحت الشرفة طالباً "حسنة" من نظرة أو ابتسامة، فيما تطل عليه ليلى مراد وتنتهي الأغنية بوردة ترمى من فوق. وفي فيلم "عاشت للحب"، يستخدم الجاران كمال الشناوي وزبيدة ثروت جرساً معلقاً بحبل يربط بين شرفتيهما، فكلما اهتز الحبل عرف أحدهما أن الآخر يريد أن يطل عليه، في واحدة من أكثر وسائل "التراسل" براءة وعذوبة في الوقت نفسه.

لكن أشهر شرفة حب في التاريخ لا تنتمي إلى الواقع، فلقد نسجها البريطاني ويليام شكسبير من خياله، ولم يتوقع أنها ستتحول إلى واقع سياحي مربح، فشرفة جولييت في مدينة فيرونا الإيطالية، التي انتظرت منها حبيبها روميو في مسرحية روميو وجولييت التي أنجزت كتابتها عام 1596، لم تكن موجودة أصلاً في المبنى الذي يعود بناؤه إلى نحو عام 1200، لكن بلدية فيرونا اشترت هذا المنزل عام 1905 ونسبته إلى عائلة "كابوليت" التي تنتمي إليها جولييت في المسرحية، وأضافت إليه شرفة لم تكن جزءاً من تصميمه الأصلي، لتتحول القصة الأدبية إلى أسطورة سياحية يصدقها العالم بأسره.

ولكن السينما الغربية غالباً ما استغنت عن هذه الوظيفة الرومانسية المباشرة لمصلحة استخدامات أكثر حسية وأكثر أسى في آن،ـ ففي فيلم ألفريد هيتشكوك Rear Window (1954) تتحول مراقبة النوافذ والشرفات المقابلة إلى وسيلة لكشف لغز جريمة كاملة، بينما تبنى في فيلم The Girl on the Train (2016)، المقتبس عن رواية الكاتبة البريطانية باولا هوكينز، حبكة بأكملها على تخيلات امرأة تراقب يومياً من نافذة القطار زوجين تظنهما سعيدين على شرفتهما، قبل أن تكتشف أن الأمر ليس كما بدا لها. وفي فيلم Shall We Dance عام 2004 لريتشارد غير وجنيفر لوبيز، تكون لحظة عابرة يرفع فيها المحامي المنضبط رأسه من نافذة المترو ليرى امرأة تقف في شرفة عليا، كافية، لتفتح أمامه عالماً كاملاً من الشغف كان قد نسي أنه موجود، فتتغير حياته بأكملها بسبب تلك النظرة الخاطفة نحو شرفة لا يعرف صاحبتها.


الشرفات التي رأت كل شيء... من الحب إلى الحرب | اندبندنت عربية


الشرفة في الأغنية

في لبنان، اتخذت علاقة الشرفة بالصوت طابعاً مختلفاً، أقرب إلى الطقس اليومي منه إلى الغزل العابر، فصوت فيروز الذي كان يصدح كل صباح من المذياع، كان يسمع داخل البيوت ويتسرب من شرفة إلى أخرى، ليصبح جزءاً من إيقاع الحي بأكمله قبل أن يبدأ أهله يومهم. وتروى في هذا السياق حكاية طريفة ومؤثرة في آن، تتعلق بأغنية "وحدن" التي كتبها الشاعر طلال حيدر وغنتها فيروز، عن ثلاثة شبان فدائيين ألقوا التحية على الشاعر وهو جالس في شرفة منزله ذات ليلة، قبل أن يقتلوا في عملية عسكرية أصبحت لاحقاً مادة الأغنية نفسها، فكأن الشرفة، مرة أخرى، كانت الشاهد الأخير قبل أن تتحول اللحظة العابرة إلى ذاكرة جماعية يغنيها الناس عقوداً.
شرفات ممنوعة!

لم تكن كل شرفات التاريخ بريئة أو رومانسية، ففي البندقية الإيطالية، وتحديداً في حي "كارامبانه" الذي خصصته السلطات رسمياً للعمل الجنسي المنظم منذ عام 1412، جرت العادة على أن تعرض المومسات أنفسهن من الشرفات والنوافذ المطلة على أحد الجسور الصغيرة، الذي يعرف حتى اليوم باسم "جسر الأثداء"، ولم يكن هذا العرض العلني يعد مخالفة يعاقب عليها القانون، فلقد كان سياسة رسمية أقرها مجلس المدينة في القرن الـ16، بهدف تشجيع العلاقات بين الرجال والنساء في مواجهة ما اعتبرته السلطات الدينية والمدنية آنذاك تنامياً مقلقاً للمثلية الجنسية.
غرفة إضافية

لكن هذا الحضور الطاغي للشرفة في الذاكرة والفن والسياسة والحب، بدأ يتقلص بصمت في العقود الأخيرة، فمع تضخم أسعار الأراضي وتقلص مساحات الشقق في المدن العربية عموماً ومنها بيروت، باتت الشرفة تعامل غالباً كمساحة فائضة يمكن التضحية بها أو تسكيرها بالألمنيوم والزجاج لتتحول إلى غرفة إضافية أو مخزن، بدلاً من أن تبقى فسحة مفتوحة على الشارع والجيران والهواء. وحلت الواجهات الزجاجية الحديثة محل تلك المساحة الحية التي كانت الشرفة تمثلها بين الجدار الصلب والفراغ الطلق.

والمفارقة أن أزمة عالمية واحدة كشفت، ولو موقتاً، عن مدى حاجة الإنسان إلى تلك المساحة نصف المفتوحة، ففي ذروة جائحة كورونا وحين فرض التباعد الاجتماعي على العالم، عادت الشرفات الإيطالية أولاً لتستضيف الجيران وهم يغنون ويعزفون الموسيقى من شرفة إلى أخرى في مواعيد محددة مسبقاً، في رسالة رقيقة مفادها بأن الناس ما زالوا أحياء وموجودين، قبل أن تنتقل الفكرة إلى مدن أخرى حول العالم بصور مختلفة، من عروض السينما التي تعرض على جدران العمارات لتشاهد من الشرفات في برلين، إلى معارض فنية كاملة صممت لترى من فوق. وكأن الشرفة، في أضعف لحظات البشرية وأكثرها عزلة، استعادت وظيفتها الأولى بأن تكون تذكيراً بأن الفرد لا يزال جزءاً من مجتمع، وليس معزولاً وسط حشد من الغرباء.

يقول الكاتب المصري عزت القمحاوي إن الشرفة تحقق مسعى الوجود "نصف المفتوح لساكنها وللعابر من تحتها، حتى لو كانت خالية غير مأهولة، فمجرد الإحساس بوجودها وعد، فالإحساس ببيت له شرفات يختلف عن بيت عديمها، هناك إمكان دائم للانفتاح بين الطرفين".

وربما كانت هذه هي الحكمة الأعمق التي تختصر حكاية الشرفة، فهي ليست عنصراً معمارياً بقدر ما هي موقف من الحياة، وقرار بأن يبقى البيت جزءاً من الشارع، وأن يبقى الفرد جزءاً من الجماعة. فحين تغلق الشرفات وتتحول إلى غرف إضافية، تفقد المدن تفصيلاً جمالياً وشيئاً من قدرتها على أن تروي حكايتها بصوت مسموع. وتبقى الشرفات القديمة، بما تختزنه من ذكريات أقرب إلى وثيقة اجتماعية لم تكتب بعد بشكل كامل، بانتظار من يقرأها قبل أن تختفي خلف واجهة زجاجية أخرى.



اندبندنت عربية



طباعة هذا المقال طباعة هذا المقال طباعة هذا المقال أرسل إلى صديق

 
 

Baraka16


Orient 2022


معرض حلب


الصفحة الرئيسية
مال و مصارف
صنع في سورية
أسواق
أعمال واستثمار
زراعـة
سيارات
سياحة
معارض
نفط و طاقة
سوريا والعالم
محليات
مجتمع و ثـقافة
آراء ودراسات
رياضة
خدمات
عملات
بورصات
الطقس