سيرياستيبس
اعتقد فيثاغورس بأن الحيض مجرد وسيلة للنساء للتخلص من الدم الزائد الذي تراكم لديهن، وقرابة عام 500 قبل الميلاد اعتقد إمبيدوكليس بأن إخراج الدم ضروري للمرأة لأن لحمها أقل كثافة من لحم الرجل، بينما رأى بارمنيدس أن الحيض يمكن تفسيره باختلاف درجة الحرارة بين النساء والرجال، وافترض أن المرأة أكثر حرارة، بالتالي تحوي كمية أكبر من الدم الذي يجب عليها طرده.
كل أنثى تحمل في جسدها منذ بلوغها كأساً مقدسة تُملأ وتفيض دورياً، ولا تجف إلا مع أمومة أو يأس، نزيف شهري يحيلها بين ليلة وضحاها من كائن طبيعي إلى المستثناة، فالحيض ليس مجرد دم يخرج، بل هو مرآة تعكس تاريخاً طويلاً من الخلط بين المقدس والنجاسة وبين الطبيعة والأساطير والخرافات والطب وبين الألم الجسدي المضني وألم المجتمع القاتل.
عبر الحضارات في اليونان القديمة، كان يُنظر إلى نزيف الحيض عند النساء على أنه حدث كوني، يربط المرأة بالقمر ودوراته وحركة المد والجزر، فكلمة "الحيض" مشتقة لغوياً من كلمة "القمر"، ويُشتق مصطلحا الحيض والطمث من الكلمة اللاتينية mensis شهر التي بدورها ترتبط بالكلمة اليونانية mene (قمر).
وكان يُعتقد بأن النساء في أوج قوتهن الروحية والعقلية في ذلك الوقت، فتضمنت احتفالات الربيع نثر الذرة الممزوجة بدم الحيض على الأرض لزيادة الخصوبة، وفي المقابل، اعتبر الرومان دم الحيض ذا خصائص سحرية، وقد أبرزت هذه المعتقدات الرهبة والخوف اللذين كانا يُنظر بهما إلى الحيض، مما يعكس النظرة الرومانية الأوسع للعالم التي مزجت بين الظواهر الطبيعية والخرافات.
أما عند المصريين القدماء، فعدّوه نوعاً من أنواع التطهير، واعتقدوا بأن لدم الحيض خصائص علاجية، إذ تشير بعض النصوص القديمة إلى استخدام دم الحيض في تحضير الجرعات أو طقوس الشفاء مثل تناول دم الحيض ممزوجاً بالنبيذ الأحمر لزيادة القوة الروحية.
وفي حضارات أميركا الوسطى، كحضارتي المايا والأزتيك، ارتبط الحيض ارتباطاً وثيقاً بالمعتقدات الدينية والثقافية، فرأى الأزتيك أن الحيض علامة على تأثير إلهة القمر، وأن النساء اللاتي يحضن كنّ يُعتبرن تحت حماية هذه الإلهة موقتاً، إلا أن هذا يعني أيضاً أن النساء الحائضات كنّ يُمنعن غالباً من المشاركة في بعض الطقوس الدينية أو الأنشطة اليومية، مما عزز فكرة أن الحيض كان ذا قوة عظيمة وخطورة محتملة في آن واحد، وهذه الرؤى كلها تبرز المواقف المعقدة والمتناقضة في كثير من الأحيان تجاه الحيض لدى الحضارات القديمة.
خطوات الطب الأولى واعتقد فيثاغورس بأن الحيض مجرد وسيلة للنساء للتخلص من الدم الزائد الذي تراكم لديهن، وقرابة عام 500 قبل الميلاد اعتقد إمبيدوكليس بأن إخراج الدم ضروري للمرأة لأن لحمها أقل كثافة من لحم الرجل، بينما رأى بارمنيدس أن الحيض يمكن تفسيره باختلاف درجة الحرارة بين النساء والرجال، وافترض أن المرأة أكثر حرارة، بالتالي تحوي كمية أكبر من الدم الذي يجب عليها طرده.
واعتقد الطبيب اليوناني أبقراط بأن النساء لا يستطعن التعرق مثل الرجال للتخلص من الشوائب، لذا افترض أن الحيض يعمل على تطهير النساء من الأخلاط السيئة، ومن المثير للاهتمام أن الفصد، أو الممارسة الطبية القديمة المتمثلة في "إخراج الدم" من المريضة حتى الشفاء، كان مستوحى من عملية الحيض، إلا أن أبقراط ربط "الهستيريا" بالحيض، فإذا لم يتدفق الدم جيداً شهرياً، فإنه سيتراكم ويغمر قلب المرأة مسبباً خدراً، مما يؤدي إلى الهذيان أو الهستيريا.
وكلمة "هستيريا" hyster تعني الرحم، وكان حل أبقراط لمشكلات الحيض الزواج وإنجاب الأطفال، إذ كانت الولادة تُعد علاجاً للحيض غير المنتظم أو المؤلم.
بين الدين والطب خلال العصور التوراتية، كانت النساء الحائضات يُعتبرن نجسات، والأشياء التي يلمسنها كانت نجسة أيضاً، وكان عليهن العيش بمعزل عن الآخرين خلال هذه الفترة، وبعد سبعة أيام كان عليهن الاغتسال في "الميكفاه" للتطهير، وكانت العلاقات الجنسية محظورة تماماً خلال هذه الفترة، ويقول سفر اللاويين 15:19 "وإذا حيضت امرأة وكان حيضها في لحمها دماً، تُعزل سبعة أيام، وكل من يلمسها يكون نجساً إلى المساء".
وفي القرن الأول الميلادي، اعتقد بليني الأكبر أو غايوس بلينيوس سيكوندوس، وهو ضابط روماني وفيلسوف طبيعي، بأن دم الحيض ملوث، فكان لمس المرأة الحائض قد يسبب آثاراً مدمرة، إذ كانت النباتات والفواكه تموت، والمعادن اللامعة تفقد بريقها، وتنتشر رائحة كريهة في الهواء، وكان طعم دمها يصيب الكلاب بالجنون.
وكان جالينوس الطبيب اليوناني في القرن الثاني الميلادي وضع منهجاً منطقياً في الطب وتعلم علم التشريح من خلال تشريح الحيوانات، فاعتقد بأن الحيض ناتج من وجود دم في الطعام لا تستطيع النساء هضمه، وأن الحيض يسمح بالتخلص من السوائل المتراكمة في أجسام النساء اللاتي يقضين معظم وقتهن داخل المنزل.
محاولات للفهم واتبع الأطباء الإسبان، كمعظم الأطباء الأوروبيين حتى عصر النهضة مدرسة جالينوس الفكرية، وباعتبارهم رجالاً متعلمين في الطب، لم يرحبوا بنصائح النساء في هذا الشأن، أما الأطباء الفرنسيون، فكانوا يعتقدون بأن الأمهات هنّ الأدرى بالتعامل مع الحيض، ودعموا دور الأم الطبيعي كمعلمة ومعالجة.
وخلال القرن الـ16 كان يعتقد بأن النساء يُصبن باختناق الرحم بسبب رغبته في التطهير، أو طرد الدم غير النظيف المسبب للأمراض الموجود داخله، وظلت نظرية التطهير هذه شائعة حتى خمسينيات القرن الـ17، وفي الفترة نفسها تقريباً اعتقد أحد الأطباء بأنه يمكنهم اكتساب الثقة والشهرة من خلال التنبؤ بدقة بموعد بدء الدورة الشهرية لدى النساء بناءً على أعراضهن الجسدية.
وفي ما بعد ازدادت الروابط بين الحيض والاضطرابات النفسية والاضطرابات العاطفية، وشملت العلاجات أدوية الإجهاض التي كانت تُعطى لاستعادة تدفق الحيض، وليس بالضرورة لإجهاض الجنين، ووُصفت أيضاً علاجات منزلية باستخدام أنواع مختلفة من الشاي والخلطات.
خلال الحربين ومع العصر الحديث، ظهر نهج علمي أكثر دقة لدراسة الحيض، وتوسعت العوامل المرتبطة بالحيض لتشمل الجسم بأكمله، وليس الرحم والمبيضين فقط، وجرى عزل الهرمونات الجنسية خلال عشرينيات القرن الـ20، مما أدى إلى دعم فكرة التحكم الهرموني في الحيض.
فأثناء أعوام ما بين الحربين العالميتين، أجرى الاتحاد الطبي النسائي الإنجليزي كثيراً من الأبحاث حول الحيض، وركز على تثقيف النساء حول أجسادهن وشجع على النظر إلى الحيض على أنه حدث بسيط لا ينبغي أن يعوق نشاط المرأة، وخلال الحرب العالمية الأولى، كان يعتقد بأن "انقطاع الطمث الحربي" ناتج من نقص العناصر الغذائية المناسبة في النظام الغذائي، ومع اندلاع الحرب العالمية الثانية، بات واضحاً وجود عوامل عاطفية تسهم في انقطاع الطمث لدى بعض النساء خلال تلك الفترة.
النظرة الأوضح أجرت منظمة الصحة العالمية دراسة متعددة البلدان حول الخصائص المهمة للحيض خلال هذه الفترة، وفحصت الدراسة المعتقدات التي كانت لدى النساء حول الحيض، بما في ذلك غسل الشعر والمرض والأنوثة والنظافة والجماع، وكانت هذه هي المرة الأولى التي تستكشف فيها منظمة صحية دولية هذه المعتقدات على نطاق واسع.
واستمر فحص قضايا الصحة النفسية، فوجدت بعض الدراسات انتشاراً أعلى لمشكلات الحيض بين المرضى النفسيين، ووجدت دراسة أخرى أن هناك عدداً أكبر من المكالمات إلى مراكز منع الانتحار خلال الأيام الأربعة الأولى من الدورة الشهرية للمرأة، لذا بدأت الكتب الطبية بالإشارة إلى ضرورة معالجة الجوانب النفسية المرتبطة بالحيض وغيرها من المشكلات الإنجابية.
كذلك، أصبحت التشخيصات الطبية المتعلقة بالحيض أكثر وضوحاً، وشملت عسر الطمث الأولي وانقطاع الطمث الوظيفي الناتج من خلل في منطقة ما تحت المهاد، واضطراب الاكتئاب في المرحلة الأصفرية المتأخرة مع أن مصطلح "الاضطراب المرتبط بالحيض" يُفضّل على المصطلح الأخير، ويُعرف عسر الطمث الآن بأنه شائع، وغير مشخص أو معالج بصورة كافية.
اندبندنت عربية
|