سورية الجميلة RSS خدمة   Last Update:27/09/2026 | SYR: 02:14 | 27/09/2026
الأرشيف اتصل بنا التحرير



خلطات كامبو


شاي كامبو


IBTF_12-18


Baraka16

 الموت للإنسان... المجد للخوارزميات
27/09/2026      





سيرياستيبس 


يضعنا أباطرة التكنولوجيا الفائقة (حتى لا نقول الطغاة) أمام تحديات وجودية حقيقية، ليس بينها الموت البيولوجي، ربما، لكن في صدارتها موت معنى الإنسان، ككائن متصف بالإرادة ومعني بالقيادة، وهو الموت الذي سيكون هو العنوان من الآن وإلى أمد غير منظور.

سنموت جميعاً، الموت حقيقة أزلية ومطلقة، لا تحتمل النقاش، لكن الموت الذي يهيئه لنا الذكاء الاصطناعي الطارئ، يستحق أكثر من نقاش، ورد، وصد. ينبه متخصصون ودارسون وسياسيون وعلماء منصفون وموظفون واعون في الشركات العملاقة، مما هو آتٍ، يتحدثون عن شيء شبيه بالمجزرة ينتظر الإنسان في هذا الطور الأخير من ثورة العلم.

عرفت البشرية منذ طفولتها أربع ثورات أحدثت نقلات نوعية في المكان والزمان: الثورة الصناعية الأولى (1760 – 1840)، حين اعتمد الناس على استخدام طاقة الماء والبخار لتشغيل الآلات، تلتها الثورة الصناعية الثانية (أواخر القرن الـ19 - أوائل القرن الـ20) وتميزت بظهور الكهرباء والنفط كمصادر أساسية للطاقة، ثم الثورة الصناعية الثالثة (بدأت في ستينيات القرن الـ20) وعرفت بالعصر الرقمي، إذ شاع استخدام الكمبيوتر وانطلقت تكنولوجيا المعلومات والأتمتة والإنترنت. وبعدها، في الوقت الراهن، انفجرت الثورة الصناعية الرابعة، التي تقوم على دمج التقنيات الرقمية والفيزيائية والبيولوجية، وإرساء بنية الذكاء الاصطناعي، والروبوتات المتقدمة، وإنترنت الأشياء.

لم تهدد ثورات العلم، الأولى والثانية والثالثة، البشرية في وجودها، بل منحتها مسارات جديدة وجدية، تحمي البقاء: كشوفات طبية وعلاجية، ووظائف مبتكرة، وسهولة انتقال وتواصل، وفتوحات معرفية، ووسائط ترفيه... وبطبيعة الحال أدوات قتل وتدمير، ظلت خاضعة لإرادة المصنع في الاستخدام وحدوده.



قوة ازاحة عملاقة 
الذكاء الاصطناعي، في لحظته الراهنة وما بعدها، يكسر كل الحدود، يمتلك قوة إزاحة لا مثيل لها، قادرة على جرف كل ما يمكن أن يعرقل اندفاعها.

أجراس إنذار انطلقت خلال الأسابيع الأخيرة، من داخل المختبرات الكبرى المطورة لأدوات الذكاء الاصطناعي. استقال باحث من شركة "أنثروبيك" بعدما لمس تهديداً وجودياً، في غضون عقد من الزمن. وحدد باحث آخر في الشركة نفسها بأن احتمالات انقراض البشرية تتجاوز 10 في المئة، وهو تهديد حقيقي لم يشهد له العالم مثيلاً منذ اختراع القنبلة الذرية واستخدامها فعلياً في اليابان قبل 80 عاماً. الرئيس التنفيذي لـ"أوبن أي آي" سام ألتمان لم ينف أوجه الشبه بينه وبين جي روبرت أوبنهايمر، الأب الفعلي للقنبلة الذرية. شركته اعترفت بصورة علنية أنها باتت عاجزة عن التحكم في أنظمة الذكاء الاصطناعي، أو حتى مراقبتها. الباحث في "أنثروبيك" إيفان هوبينجر كتب في منشور على منصة "إكس": "نحن نعتقد حقاً أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يقتل جميع البشر". ترافق اعترافه مع استقالة زميله الباحث الشاب جاكوب كوكسون (27 سنة)، مفصحاً عن مخاوفه في سلسلة منشورات من أن مختبرات الذكاء الاصطناعي "تقامر بحياتنا".

التحذيرات المتسارعة من الذكاء الاصطناعي لا تصدر عمن يطلقها بسبب القدرات الكامنة في أدوات ابتكرها الإنسان، وضخ في عقولها الإلكترونية مجمل معارفه، ودربها على الحفظ، والاسترجاع، والمقارنة، والتحليل، وتقديم مخرجات سريعة، ومحكمة. إنما الخوف المتصاعد يتأتى من كون تلك الأدوات باتت قادرة على التعلم الذاتي، والاختراق غير المتحكم به، وتطوير نسخ ذات كفاءة تفوق قدرة الإنسان، وتتجاوز إرادته وإدارته. وباعتراف "أنثروبيك" فإن "تسريع النماذج لتطوير نفسها قد يزيد صعوبة فهم البشر لهذه الأنظمة أو السيطرة عليها"، وبمزيج من التفاخر والحذر تشير إلى أن روبوت الدردشة التابع لها "كلود" يتولى حالياً أكثر من ربع أعمال البحث والتطوير.
 لم تمض سوى أسابيع على واقعة قيام نموذج من شركة "أوبن أي آي" بتفادي السيطرة واختراق أنظمة شركة "هاجينج فيس" من دون علم أي من الشركتين. لكن الخطر الحقيقي تمثل في حماقة ارتكبها "نموذج عسكري" (أميركي) من الذكاء الاصطناعي، عندما أعد تقريراً زائفاً أفاد بوجود شحنة نووية على متن سفينة صينية، واستجابت القوات الأميركية للتقرير بالتحضير الفعلي باقتحام السفينة واعتراضها بطلائع جوية قبل اكتشاف الحقيقة في اللحظة الأخيرة.



نازية جديدة

أما الرعب الحقيقي الناجم عن هذا التفلت فهو أن الذكاء الاصطناعي بات ساحة صراع، وأداة في الصراع. الكل يدخل في سباق مهلك، حكومات الدول الكبرى (خصوصاً أميركا والصين) تستثمر في المال والعلم. بكين تعمل بصمت مريب، والرئيس الأميركي دونالد ترمب، المولع بتغيير الأسماء، يطلق على الذكاء الاصطناعي اسم الذكاء الخارق، ويستهين بأخطاره، ويراهن على قدراته لتوسيع وتأبيد نفوذ بلاده.

تسابق الحكومات، المحسوب بالسياسة وببعض الحنكة (ربما)، يصبح عند شركات التكنولوجيا العملاقة عملية "تناتش" شرسة، هدفها إلغاء الإنسان، أو تحييده في أحسن تقدير. يبدو أباطرة "وادي السيليكون" وكأنهم يعيدون إنتاج "نازية جديدة" بإهاب علمي. خمسة أشخاص يحشرون البشرية في ثقب أسود اسمه المستقبل الرقمي: داريو أمودي (أنثروبيك)، وسام ألتمان (أوبن أي آي)، وديميس هاسابيس (غوغل ديب مايند)، وساتيا ناديلا (مايكروسوف)، وإيلون ماسك (إكس أي آي).

قبلهم أرادت النازية الهتلرية، إعادة تشكيل وعي البشر (الأوروبيون على وجه التحديد)، من طريق تكوين وإدارة الانطباعات وبناء سيكولوجية الصورة الذهنية، على النحو الذي فصله العالم والمفكر الروسي - الفرنسي سيرج تشاخوتين في كتابه "اغتصاب الجماهير بواسطة الدعاية"، وقدم فيه دراسة قيمة عن السياسة وعلم النفس الجماعي وآليات البروباغندا، ونشر للمرة الأولى عام 1939. حقق وزير دعاية هتلر جوزيف غوبلز نجاحات ساحقة في بيئته الألمانية المباشرة، قبل أن تنتصر إرادة التحرر عند الإنسان. التحرر من ديكتاتورية الاستلاب أولاً، قبل الخلاص من آليات الهيمنة والقهر السياسي والأمني والقومي.

تشبيه "النازية العلمية الجديدة" بالنازية الأصلية ليست مبالغة إنشائية. ولعل التحية الهتلرية العفوية أو المقصودة التي أداها إيلون ماسك في الـ20 من يناير (كانون الثاني) 2025، خلال تجمع احتفالي لمناسبة تنصيب الرئيس الأميركي دونالد ترمب لولاية ثانية، تكتنز بما يكفي من الإيحاءات والدلالات. لكن المقارنة بين النهجين تصبح أكثر فجاجة عندما يكون موضوعها الكائن البشري. نازية هتلر كانت ذات طبيعة عنصرية تقوم على تسييد جنس بشري معرف ومحدد (الجنس الآري)، على بقية الأجناس، بينما تجنح النازية التكنولوجية المعاصرة، نازية الخوارزميات، في منحى إلغائي للجنس البشري، لمصلحة "جنس" جديد افتراضي وواقعي، قوامه مجتمع الروبوتات، ومنظومة التطبيقات. في صياغة أخرى تحضر نظرية "موت الإنسان" التي جاء بها المفكر الفرنسي ميشال فوكو (1926 ـ 1984)، كمعادل فلسفي لفكرة موت الإنسان أمام روبوتات العلم.

كان فوكو يقدم نبوءة بدت في حينه متساوية في الإمكان والاستحالة عن "موت الإنسان"، ليس الموت الجسدي المحتوم للأفراد، ولكن من خلال قاعدة معرفية تميز بها العصر الحديث أو ما يسميه فوكو الإبستمية Epistim، التي ساعدت في تبلور مفهوم جديد للكائن البشري، جعلت منه موضوعاً للتفكير والبحث سرعان ما سيختفي معلناً بذلك موت فكرة الإنسان، تمهيداً لظهور مفهوم جديد لا مكان فيه للإنسان كموضوع للتفكير والتفلسف، ومن ثم كمنتج للفكر والتفلسف.

هل كان فوكو الذي عبر عن أفكاره تلك في كتابه "أركيولوجيا المعرفة" 1969 (صدر بالعربية بعنوان "حفريات المعرفة")، يمهد لما ستسفر عنه ثورة المعلومات بعد أقل من قرن؟



بطبيعة الحال كان فيلسوف ما بعد الحداثة ميشال فوكو، يبني نظريته على ما سبقه إليه فيلسوف القوة نيتشه عن "موت الإله". كلاهما كان يبحث في مجال العلوم الإنسانية، ومصيرها المجهول، ثم جاءت ثورة العلم الحديث، ومخرجاتها الساطعة في مجال الذكاء الاصطناعي، لكي تضيف مزيداً من التعقيد على الأسئلة التي طرحها فوكو ونيتشه.

يقصر فوكو المعرفة بالإنسان على العلوم الإنسانية، يقول بوضوح "لم يحتل الإنسان هذه الأهمية التي حظي بها في العلوم الإنسانية، ضمن أي معرفة أخرى، كون هذه الأخيرة لديها نظرة ضيقة عنه، بينما تهتم العلوم الإنسانية به ككائن حي ينتج تمثلات وتصورات عن حياته" وشؤون تدبيرها وقوننتها. مؤدى ذلك أن الإنسان سيكون خارجاً كموضوع عن دائرة اهتمام العلوم الأخرى، التي تصاب بالعمى وهي تخضع للتطوير المستمر، أو تطور نفسها كما هو حادث الآن مع أدوات الذكاء الاصطناعي.

يضعنا أباطرة التكنولوجيا الفائقة (حتى لا نقول الطغاة) أمام تحديات وجودية حقيقية، ليس بينها الموت البيولوجي، ربما، لكن في صدارتها موت معنى الإنسان، ككائن متصف بالإرادة ومعني بالقيادة، وهو الموت الذي سيكون هو العنوان من الآن وإلى أمد غير منظور.

اندبندنت عربية 


طباعة هذا المقال طباعة هذا المقال طباعة هذا المقال أرسل إلى صديق

 
 

Baraka16


Orient 2022


معرض حلب


الصفحة الرئيسية
مال و مصارف
صنع في سورية
أسواق
أعمال واستثمار
زراعـة
سيارات
سياحة
معارض
نفط و طاقة
سوريا والعالم
محليات
مجتمع و ثـقافة
آراء ودراسات
رياضة
خدمات
عملات
بورصات
الطقس