سيرياستيبس
تلقى ملايين أصحاب المنازل في بريطانيا صدمة غير سارة هذا العام عندما حان موعد تجديد قروضهم العقارية، فقد ارتفعت أسعار الفائدة على الرهون العقارية الثابتة لخمسة أعوام إلى 5.17 في المئة، مقارنة مع 4.95 في المئة خلال فبراير (شباط) الماضي، ما يضيف آلاف الجنيهات إلى المدفوعات السنوية للأسر.
وتتمثل إحدى أسباب هذا الارتفاع في حرب إيران، التي أثارت مخاوف من زيادة التضخم، ودفعت كلفة الاقتراض إلى الصعود في مختلف أنحاء العالم.
لكن في حين أدت صراعات الرئيس الأميركي دونالد ترمب في الشرق الأوسط دوراً في ذلك، فإن أحداثاً تجري على بعد آلاف الأميال من المنطقة، في شوارع وادي السيليكون بولاية كاليفورنيا، تزيد أيضاً من الأعباء.
في ملعب المليارديرات، وعلى مسافة بعيدة من الضواحي البريطانية التي ترتفع فيها معدلات الرهن العقاري، تخوض شركات التكنولوجيا العملاقة في العالم صراعاً من نوع آخر.
وتتنافس هذه الشركات للفوز بسباق الذكاء الاصطناعي، وتصدر تريليونات الدولارات من الديون لتمويل توسعها، لكن هذا الاقتراض يؤدي في الوقت نفسه إلى تخمة من القروض، تدفع كلفة الاقتراض إلى الارتفاع على نطاق واسع.
وقال الاقتصادي المتخصص في الأسواق لدى "كابيتال إيكونوميكس"، جو ماهر، لصحيفة "تليغراف" إن "الارتفاع الحاد في إصدارات ديون الشركات من جانب شركات الذكاء الاصطناعي العملاقة يمثل أحد العوامل التي دفعت عوائد السندات الحكومية إلى الارتفاع عالمياً خلال الأشهر الأخيرة، بما في ذلك داخل بريطانيا، بالتالي أسعار الرهن العقاري". وأضاف أن "الحجم الهائل من المعروض من السندات التي تصدرها هذه الشركات ينافس جهات الإصدار السيادية حول العالم على رؤوس أموال المستثمرين".
وقدرت "مورغان ستانلي" أن نحو 2.2 تريليون جنيه استرليني (2.9 تريليون دولار) ستُنفق على إنشاء مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي حتى عام 2028، في وقت تتنافس شركات تكنولوجيا عملاقة، مثل "إنفيديا" و"مايكروسوفت" و"أمازون" و"ميتا"، على الهيمنة.
وتوقعت "جي بي مورغان" أن يقترب الإنفاق الأوسع المرتبط بالبنية التحتية للذكاء الاصطناعي من 5.3 تريليون دولار بين الوقت الراهن وعام 2030.
وببساطة، سيتطلب بناء البنية التحتية للذكاء الاصطناعي كميات هائلة من الأموال. في البداية، مولت شركات التكنولوجيا الأميركية العملاقة زيادة إنفاقها من موازناتها العمومية، لكن بعدما استنزفت هذه الموارد، بدأت تبحث عن وسائل أخرى لجمع رأس المال، من بينها سوق سندات الشركات.
وفي الولايات المتحدة، من المتوقع أن تجمع الشركات 200 مليار دولار من التمويل عبر سندات الشركات خلال سبتمبر (أيلول) الجاري وحده.
وتكمن المشكلة بالنسبة إلى المقترضين العقاريين في أن عمالقة الذكاء الاصطناعي حريصون إلى درجة كبيرة على الاقتراض، بحيث لا يبدون اهتماماً كبيراً بحجم الفائدة التي سيدفعونها.
ويملك مديرو الصناديق خيارات عدة لاستثمار الأموال التي يديرونها نيابة عن عملائهم. وإذا وعدت الجهات المصدرة للديون المرتبطة بالذكاء الاصطناعي بدفع معدلات فائدة أعلى بكثير من المعتاد، فإن ذلك يدفع كلفة اقتراض الحكومات إلى الارتفاع، لأنها تحتاج إلى دفع فائدة أكبر لجذب مديري الصناديق إلى الاستثمار فيها. الذكاء الاصطناعي وأسعار الفائدة
وقال المحلل لدى "آر بي سي كابيتال ماركتس" بيتر شافريك "إذا كنت تعتقد أن هذه التكنولوجيا الجديدة، والذكاء الاصطناعي تحديداً، تمثل تكنولوجيا أساس للأعوام الـ25 إلى الـ50 المقبلة، فإنك تريد بناء البنية التحتية الآن".
وأضاف "إذا لم تبنها الآن، فسيفعل شخص آخر ذلك، وستصبح مثل ’نوكيا‘ في صناعة الهواتف. وستتحول إلى شركة من الماضي... لذلك، من المحتمل أن هذه الشركات لا تهتم بما إذا كان العائد خمسة في المئة أو 5.5 في المئة أو ستة في المئة أو حتى سبعة في المئة. فهناك كمية ضخمة من إصدارات سندات الشركات مقبلة، ولا سيما من شركات التكنولوجيا العملاقة. وهذه الشركات لا تكترث تقريباً بمستوى العائد".
حمل وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت شركات الذكاء الاصطناعي العملاقة مسؤولية ارتفاع كلفة الاقتراض، الشهر الماضي. وقال إن الحكومة الأميركية كانت تحاول "الحفاظ على توازن السوق" من خلال برنامج لإعادة شراء السندات، لكنه لم يحقق النتائج المرجوة في نهاية المطاف. وأضاف أن عمالقة الذكاء الاصطناعي يبدون "غير مبالين تقريباً بمستوى العائد"، بالنظر إلى العوائد التي يتوقعون تحقيقها، مضيفاً "إنهم لا يهتمون فعلياً بحجم ما يدفعونه".
وتشكل هذه المسألة مشكلة لوزير الخزانة الأميركي وللمقترضين العقاريين على حد سواء، لأن معدلات الفائدة التي تدفعها الشركات في أسواق الائتمان تنتقل آثارها إلى قطاعات أخرى من الأسواق المالية.
وكانت أسواق الديون الحكومية تعاني بالفعل ضغوطاً كبيرة بسبب عجز السياسيين حول العالم عن خفض الإنفاق، لكن تخمة سندات الذكاء الاصطناعي أضافت إلى هذه المتاعب. الذكاء الاصطناعي وارتفاع كلفة الاقتراض
قالت رئيسة الائتمان الكلي لدى "نيفن" لورا كوبر، وهي شركة تدير أموالاً للعملاء بقيمة 1.4 تريليون دولار، "نادراً ما احتاجت الحكومات إلى هذا القدر من رأس المال. والمشكلة أن الجميع يحتاجون إليه أيضاً". وأضافت "يعتمد علم الاقتصاد الأساس على العرض والطلب، فعندما يتجاوز العرض الطلب، تنخفض الأسعار".
وأوضحت أن ذلك يظهر بصورة خاصة في السندات طويلة الأجل، إذ تصدر الحكومات وشركات الذكاء الاصطناعي العملاقة كميات كبيرة من الديون، "مما يساعد على دفع العوائد إلى الارتفاع، في وقت يطالب المستثمرون بتعويض أكبر لاستيعاب هذا المعروض".
وتتمثل الإشارة المقلقة بالنسبة إلى المقترضين العقاريين في أن الإنفاق على الذكاء الاصطناعي والإنفاق الحكومي لا يظهران أي مؤشرات إلى التراجع.
وحذر مستثمرون من أن الكميات الهائلة من الديون التي تصدرها شركات الذكاء الاصطناعي قد ترفض في مرحلة ما من جانب المستثمرين، مما يدفع كلفة الاقتراض إلى الارتفاع أكثر. سوق السندات
وقال آل كاترمول من شركة "ميرابو لإدارة الأصول"، "قد تمر سوق السندات بفترات ترتفع فيها كلفة التمويل بالنسبة إلى ’إن فيديا‘ و’أوراكل‘ و’غوغل‘ و’ميتا‘، بحيث يتسع الفارق إلى درجة تجعل سوق السندات ترفض المشاركة". وأضاف متسائلاً "لكن هل سيغير ذلك قرارها الفعلي بإنفاق الأموال، أم أنها ستضطر إلى تمويله من خلال الأسهم أو بدائل أخرى؟".
وتتمثل بارقة الأمل بالنسبة إلى المقترضين العقاريين في أن انتهاء الحرب في إيران قد يؤدي دوراً مهماً في تخفيف كلفة الاقتراض.
وكانت رئيسة البنك المركزي الأوروبي كريستين لاغارد، أشارت إلى أن انتهاء الحرب سيكون عاملاً أساساً في عودة أسعار الفائدة إلى الانخفاض. حل الصراعات الجيوسياسية
وقالت الأسبوع الماضي، تزامناً مع رفع البنك سعر الفائدة من 2.25 في المئة إلى 2.5 في المئة، "قد يتبين أن التضخم سيكون أقل إذا جرى حل الصراعات الجيوسياسية المستمرة بصورة مستدامة".
ورأى كاترمول أن الديون الكبيرة التي تصدرها شركات الذكاء الاصطناعي "واحدة من عدد من العوامل التي تدفع العوائد إلى الارتفاع". وأضاف "إنها تزيد المشكلة، لكنني لا أعتقد أنها تتسبب فيها. فالمشكلة الرئيسة تتمثل في أسعار النفط والطاقة الناتجة من الصراع في إيران".
وقال رئيس التداول في لندن لدى شركة "نيوبيرغر"، روبرت ديشنر "لو لم يكن هناك هذا المعروض من سندات الذكاء الاصطناعي، فهل كانت أسعار الفائدة ستكون أقل؟ الإجابة ليست بالضرورة". وأضاف "لأن هناك أموراً أخرى تحدث في سوق أسعار الفائدة، من بينها المخاوف المتعلقة بالمالية العامة، والتضخم، وأمور من هذا النوع".
وفي الوقت الراهن، يبدو أن المقترضين العقاريين سيواصلون مواجهة الضغوط، في حين لا تلوح نهاية في الأفق لازدهار الديون المرتبطة بالذكاء الاصطناعي.
اندبندنت عربية
|