سيرياستيبس
تعيش صناعة الإسمنت أزمة هيكلية، حيث كشفت معطيات القطاع أن الاستهلاك المحلي بلغ نحو 8 ملايين طن عام 2025، في حين لم يتجاوز الإنتاج المحلي 3 ملايين، ما يعني أن الواردات غطت 62,5% من الاحتياجات، وسط توقعات بتفاقم الفجوة مع انطلاق عمليات الترميم والإعمار بشكل أوسع، التي قد ترفع الطلب إلى 20 مليون طن سنوياً.
وتعتمد الخطة الحكومية على طرح معامل القطاع العام بأكملها للاستثمار أو التشاركية مع القطاع الخاص، لكن هذه «الاستراتيجية» تواجه تحديات زمنية، ومخاطر احتكارية، إضافة إلى استمرار الاعتماد على استيراد الكلنكر والوقود. فمن أصل 8 معامل رئيسية، يعاني معظمها من التقادم والتوقف، لا توجد معامل عامة خارج خطة التشاركية أو الخصخصة، ما يهدد بفقدان السيطرة الوطنية على قطاع استراتيجي، وتفريغ الدولة من دورها الإنتاجي. والأخطر أن الاعتماد المتزايد على المستورَد يحمل مخاطر نوعية؛ من تباين جودة الأنواع المستوردة وعدم تلاؤم بعضها مع المواصفات السورية المتعلقة بالمناخ والتربة؛ مروراً بصعوبة الرقابة على كميات ضخمة ومتنوعة المصادر؛ وصولاً إلى فقدان الخبرة الوطنية في إنتاج أنواع إسمنت متخصصة تتناسب مع متطلبات البناء المحلية.
ولذا لا يقتصر الحل على الاستثمار، ويتطلب تأهيلاً عاجلاً للمعامل المتوقفة باستثمار حكومي، وتطوير الكوادر والتكنولوجيا لضمان استدامة القطاع، وحماية المنتج المحلي من الإغراق، وتشديد الرقابة على المستورد لضمان الجودة؛ ولا سيما في ظل انتشار أنواع مهربة.
إذاً، الفجوة الحالية، البالغة 5 ملايين ليست سوى البداية، وقد تصبح ضعفين أو ثلاثة أضعاف، إن لم تكن هناك إرادة سياسية حقيقية لبناء قاعدة إنتاجية صلبة لا تعتمد على الاستيراد والاستثمار الخاص فقط. والأهم من ذلك، أن نوعية الإسمنت ومواصفاته مسألة ليست تقنية فحسب؛ إنما مسألة سلامة وأمان لكل ما سيُبنى في سورية.
إضافة إلى أن قطاع الإسمنت كان ولا يزال قطاعاً كثيف العمالة، وتراجعه يعني خسارة آلاف فرص العمل المباشرة وغير المباشرة. كما أن الاعتماد على الاستيراد يحرم الاقتصاد من القيمة المضافة، ويُضعف الأمن الصناعي في مادة استراتيجية بامتياز.
قاسيون
|