سورية الجميلة RSS خدمة   Last Update:04/10/2026 | SYR: 02:32 | 04/10/2026
الأرشيف اتصل بنا التحرير



خلطات كامبو


شاي كامبو


IBTF_12-18


Baraka16

 حين لا يكفي الراتب... لماذا هجر الشباب السوري الوظيفة الحكومية؟
04/10/2026      

التخطيط الإقليمي بوزارة الأشغال السورية.. جهود مكثفة لمواكبة متطلبات  التنمية وإعادة الإعمار


سيرياستيبس

في شقة صغيرة بحي المزة بدمشق، يقضي رائد السويد (30 عاماً) بين ستّ ساعات إلى ثمانية يومياً أمام شاشة حاسوبه، يراقب سوق العملات الرقمية بتركيز منتظراً اللحظة المناسبة للبيع والشراء، لكن عمله الافتراضي لا يخلو من عقبات، فانقطاع الكهرباء المفاجئ أو بطء الإنترنت قد يكلفه فرصة ذهبية.
بدأ رائد رحلته منذ ثلاث سنوات، حين كان موظفاً حكومياً براتب لا يتجاوز 40 دولاراً، فقرّر وضع مدخراته في سوق التداول، وتعلم من أخطائه الأولى التي كلفته نصف رأس ماله ليصبح دخله الشهري اليوم يتراوح بين 300 و600 دولار، أي عشرة أضعاف راتبه السابق، لكنّه يقر بمخاطر السوق من تذبذب حاد وقرصنة وحظر منصات.
رائد واحد من آلاف الشباب السوري الذين تحولوا خلال السنوات الأخيرة إلى العمل الحر عبر الإنترنت، في ظل انهيار سوق العمل التقليدي وارتفاع معدلات البطالة إلى مستويات غير مسبوقة، إذ لم يعد العمل الحر في سورية مجرد خيار ثانوي أو هواية جانبية، بل تحول إلى ضرورة وجودية لشريحة واسعة من الشباب الذين أعمارهم بين 20 و40 عاماً. فمع استمرار تداعي الأوضاع الاقتصادية وانخفاض الأجور الحقيقية، وجد هؤلاء الشباب في المشاريع الصغيرة والعمل عن بعد متنفساً للبقاء، ونافذة أمل في واقع يئن تحت وطأة الفقر والبطالة.

    باتت المنصات الإلكترونية، الوجهة الأولى للشباب الساعي إلى العمل الحر، وتتنوع فرص العمل التي تقدمها هذه المنصات بين البرمجة وتكنولوجيا المعلومات والتصميم وصناعة المحتوى

بطالة وبحث عن بدائل

تعد بطالة الشباب السوري واحدة من أكثر الظواهر إلحاحاً وخطورة في المشهد الاقتصادي والاجتماعي. فوفقاً لبيانات البنك الدولي، وصل معدل بطالة الشباب في سورية إلى 33.1% عام 2025، وهي من النسب الأعلى في المنطقة، ولا تعكس هذه النسبة وحدها حجم المأساة، إذ تشير تقديرات أخرى إلى أن نحو 2.7 مليون شاب في سورية لا يجيدون القراءة أو الكتابة أو أداء أي عمل، مما يستدعي برامج تأهيل شاملة. فلم تعد الوظائف الحكومية، التي كانت تشكل ملاذاً آمناً للأجيال السابقة، خياراً جاذباً، فالرواتب الضعيفة جداً مقارنة بالإيجارات المرتفعة والأسعار الباهظة، إلى جانب انخفاض قيمة الليرة أمام العملات الأخرى، جعلت من الوظيفة التقليدية راتب لا يكفي لتغطية أدنى متطلبات الحياة.
يقول حسان المرعي (24 عاماً) الذي يعمل في كتابة المقالات لإحدى المنصات الرقمية: "ما دفعني للعمل عبر الإنترنت هو قلة فرص العمل وتدني الأجور، إذ إنّ الوظيفة التقليدية في ظل التضخم لم تعد خياراً بل أصبحت عبئاً يومياً يسرق الوقت ويهدر الطاقة، ويقدم في نهاية المطاف راتباً لا يساوي قيمة مواصلاتنا الشهرية، بينما لو منحنا أنفسنا ساعتَين يومياً في العمل الرقمي لحققنا دخلاً يضاعف تلك الرواتب دون عناء التنقل أو الالتزام بالدوام الصارم".
منصّات العمل الحر

وفي مواجهة هذا الواقع القاتم، برزت منصات العمل الحر بوصفها بديلاً ناجعاً، وتتصدر منصات مثل "خمسات" و"مستقل" و"سيريان لانسر" إضافة إلى منصات عالمية مثل "فيفر" و"أب وورك"، الوجهة الأولى للشباب الساعي إلى العمل الحر، وتتنوع فرص العمل التي تقدمها هذه المنصات بين البرمجة وتكنولوجيا المعلومات والتصميم وصناعة المحتوى والتحرير، وصولاً إلى الترجمة والتسويق الرقمي وخدمة العملاء والمساعد الافتراضي والتدريس عبر الإنترنت.
وتشكل منصة "سيريان لانسر" نموذجاً محلياً طموحاً، إذ تحمل اسم أول موقع سوري للعمل الحر وتقدم الدعم لأصحاب المشاريع والمستقلين على حد سواء، لتكون منصة رقمية محلية هدفها أن تلتقي الكفاءات السورية بفرص العمل. وإضافة إلى هذه المنصات، تنتشر مجموعات على وسائل التواصل الاجتماعي مثل فيسبوك وإنستغرام وتلغرام لربط الشباب بفرص العمل وتقديم النصائح. غير أن رحلة العمل الحر في سورية ليست مفروشة بالورود، فضعف البنية التحتية يشكل عقبة كأداء أمام طموحات الشباب، إذ تعاني معظم المنازل من انقطاعات متكرّرة وغير منتظمة للكهرباء ما يعيق إنجاز المهام في وقتها. وتبرز أيضاً مشكلة ضعف الإنترنت وتكرار الأعطال وهي العائق الأكبر أمام استمرارية العمل عن بعد، لكونه يعتمد بشكل أساسي على الاتصال الجيد والمستقر بالشبكة. ويضطر بعض العاملين نتيجة لهذا الواقع إلى محاولة خلق بيئة عمل مناسبة داخل المنزل عبر الاشتراك بإنترنت أسرع أو تركيب مصادر طاقة بديلة، لكن هذه الحلول مكلفة وقد تفوق القدرة المادية للغالبية، ولهذا يتجه كثيرون إلى العمل من أماكن خارجية مهيأة تتوفر فيها الكهرباء والإنترنت المستقر.
إلى جانب تحديات البنية التحتية، يواجه العاملون في مجال العمل الحر صعوبات كبيرة تتعلق بتحويل الأجور والأرباح، فمع رفع العقوبات التي كانت مفروضة على سورية بعد سقوط النظام البائد، عادت العديد من المنصات والمحافظ الرقمية إلى العمل مثل "بيناسس" و"بايير" و"تراست" و"برينكس"، غير أنّ مخاطر الحظر ومشاكل التحويلات المالية والسرقة لا تزال قائمة.
في شقتها بحي حلب الجديدة تستيقظ براءة الحسن (28 عاماً) دون منبه، وتبدأ عملها على منصة "أب وورك" متى شاءت وتنهيه متى أرادت. لم تكن هكذا قبل عامين، إذ كانت موظفة حكومية براتب لا يغطي مواصلاتها اليومية، فقرّرت المخاطرة وخوض تجربة العمل الحر في الترجمة وكتابة المحتوى، وسرعان ما تضاعف دخلها ثلاثة أضعاف راتبها السابق.
وتصف براءة مزايا العمل الحر بأنها تكمن في "الحرية والإبداع دون التقيد بوقت أو دوام ثابت، إضافة إلى العائد المادي المرتفع"، وتؤكد أنها صارت تملك وقتها وتخطط ليومها كما تشاء، وتتعامل مع عملاء من ثقافات متنوعة مما وسع مداركها وزاد ثقتها بنفسها، لكنها لا تخفي في الوقت نفسه المخاطر، وأبرزها تحويل الأموال عبر منصات قد تحجب أو تتوقف فجأة، ومحاولات النصب والاحتيال عبر روابط مزيفة ما يجعلها في حالة ترقب دائم وتدفعها لتنويع قنوات الدفع والتحقق من العملاء. وتطمح براءة مستقبلاً إلى توسيع عملها وإنشاء فريق مترجمين وموقع خاص بها وتقول "أنا اليوم لا أعمل فقط لأعيش بل أعمل لأبدع وأحقق ذاتي".

    لا يقتصر العمل الحر على الفضاء الرقمي، بل يمتد ليشمل مشاريع صغيرة في مختلف القطاعات

إلى جانب التحديات التقنية والمالية واللوجستية، يواجه العاملون في مجال العمل الحر في سورية غياباً تشريعياً واضحاً، فالقوانين النافذة لا تتواءم مع طبيعة الاقتصاد الرقمي والعمل الحر، مما يترك العاملين في منطقة رمادية لا تحميهم ولا تنظم عملهم، غير أن هناك بوادر أمل، ففي ديسمبر 2025 انطلق الأسبوع العالمي لريادة الأعمال في سورية لأول مرة بهدف دعم منظومة ريادة الأعمال وتعزيز ثقافة الابتكار لدى الشباب، من خلال أكثر من 75 فعالية تضمنت ورشات عمل وجلسات نقاش وعروض مشاريع، كما أطلقت هيئة تنمية المشروعات الصغيرة والمتوسطة منصتها الرسمية لتقديم الخدمات والتدريب والدعم لرواد الأعمال.
المشاريع الصغيرة... اقتصاد المواجهة

لا يقتصر العمل الحر على الفضاء الرقمي، بل يمتد ليشمل مشاريع صغيرة في مختلف القطاعات. ففي دير الزور استطاع الشباب استثمار ما خلفته الحرب من دمار ليخلقوا فرص عمل قابلة للتكيف مع الظروف المحيطة. وانتشرت في الآونة الأخيرة بسطات وسيارات القهوة في أحياء المدينة، وهي مهنة "لا يمكن أن تخسر أبداً، (فشريك الماء لا يخسر) ويصل نسبة الربح فيها إلى 70% على الأقل" وفق أحد العاملين على بسطة إكسبرس.
وبقرية كفرية في ريف طرطوس، حولت الأربعينية سهى خطاب شغفها بالحرف اليدوية إلى مشروع غذائي ناجح، بعد أن واجهت تراجع الطلب على صناعة الخيزران والإكسسوارات التراثية التي كانت تمارسها. استشعرت سهى أن الأرض التي تعيش عليها تزخر بخيرات تستحق الاستثمار، فتحولت إلى ابتكار المنتجات الغذائية الريفية من مربيات طبيعية، ودبس عنب، وخل بلدي، ومخللات شامية.
لم تكتفِ بالإنتاج المنزلي، بل أدخلت لمسات إبداعية في التغليف والتسويق، واعتمدت على وسائل التواصل الاجتماعي للترويج، مما لفت أنظار زبائن من دمشق ومدن الساحل، والأجمل أنها أشركت نساء قريتها في التعبئة والتحضير، ودربتهن على معايير الجودة. ورغم تحديات النقل والتغليف، استطاعت سهى بناء قاعدة زبائن وأثبتت أن النجاح لا يحتاج إلى رأسمال ضخم، بل رؤية واضحة وإرادة لا تلين، لتصبح واحدة من النماذج النسائية الناجحة في المشاريع الصغيرة ذات الأثر الكبير.
ويتجاوز أثر المشاريع الصغيرة والعمل الحر في سورية البعد الاقتصادي المباشر، ليصبح ظاهرة اجتماعية ونفسية عميقة، ففي ظل الأزمات الاقتصادية والسياسية، برزت ريادة الأعمال بوصفها مساحةً بديلة للشباب لا تقتصر على تأمين مصدر دخل، بل تمتد لتلامس أعماق النفس وتعيد تشكيل العلاقات الاجتماعية في بلد مزّقته الحرب.

    دعوات للحكومة إلى تطوير البنية التحتية للاتصالات، وتسهيل الحسابات المصرفية والتحويلات، والإعفاءات الضريبية، وتشجيع المشاريع الصغيرة عبر قروض ميسرة

من جانبه قال الخبير الاقتصادي والأستاذ في كلية الاقتصاد بجامعة حلب عبد الحكيم المصري إن "التحولات الكبرى بعد سقوط النظام السابق وضعت الاقتصاد الوطني أمام اختبارات مصيرية كشفت هشاشة النمط السائد، ودفعت الشباب إلى البحث عن مسارات بديلة أبرزها العمل الحر والمشاريع الصغيرة، بعد أن بات الراتب الحكومي 33-34 ألف ليرة سورية عاجزاً عن تأمين الحد الأدنى من العيش، والقطاع الخاص غير قادر على الاستيعاب".
وأوضح لـ"سورية الجديدة"، أن المشهد اليوم مختلف جذرياً، إذ يتجه غالبية الشباب نحو المجالات الرقمية كتحليل البيانات والتصميم والبرمجة، وهي أعمال لا تتطلب رأسمالاً كبيراً، حاسوب بنحو 400 دولار مع كهرباء وإنترنت، ويمكن ممارستها من المنزل حتى مع وجود وظيفة أخرى، كما لم تعد التحويلات المالية عقبة بفضل المصارف وشركات التحويل التي باتت توفر قنوات متاحة لاستلام الأرباح. أما المشاريع الصغيرة في الزراعة والصناعة والتجارة فلا تزال خياراً مطروحاً رغم العقبات الإدارية والمادية، لكنها تحقق فارقاً ملموساً في الدخل. وأكد أن الأعمال الرقمية، وإن لم تسهم بنسبة كبيرة في الناتج المحلي حالياً، فإن أثرها النوعي بالغ الأهمية في تحسين المعيشة وتخفيف البطالة، ومع توجه هذه الأعمال لا سيما في التصميم نحو السوق الداخلية، ووجود طلب خارجي على دراسات الجدوى وتحليل البيانات يحقق إيرادات بالعملة الصعبة. وبين أن استيعاب 500 ألف شاب ولو بمئة دولار شهرياً يعني ضخ 500 مليون دولار في الاقتصاد المحلي.
ودعا الحكومة إلى تطوير البنية التحتية للاتصالات، وتسهيل الحسابات المصرفية والتحويلات، والإعفاءات الضريبية، وتشجيع المشاريع الصغيرة عبر قروض ميسرة واستشارات متخصصة وربطها بالشركات الكبرى، وإنشاء هيئة عامة لتنميتها، وتحفيز البنوك على تمويلها. مؤكداً أن كل دخل جديد يغذي الطلب على السلع والخدمات ويحفز قطاعات الطاقة الشمسية والإنشاءات، ليتكامل جهد المواطن مع جهد الدولة في تسريع عجلة الإعمار. واختتم بنصيحة للشباب: "لا تيأسوا ولا تنتظروا التمويل الكبير، ابدأوا بما تحبون وتعلموا عبر الإنترنت، فالفشل محطة تعلم والنجاح لمن يصبر ويصحح ويكرر المحاولة"، مشيراً إلى أن الشباب السوري يمتلك طاقات قادرة على قيادة التغيير الاقتصادي إذا تكاتفت جهود الدولة والمؤسّسات لدعمه.

العربي الجديد


طباعة هذا المقال طباعة هذا المقال طباعة هذا المقال أرسل إلى صديق

 
 

Baraka16


Orient 2022


معرض حلب


الصفحة الرئيسية
مال و مصارف
صنع في سورية
أسواق
أعمال واستثمار
زراعـة
سيارات
سياحة
معارض
نفط و طاقة
سوريا والعالم
محليات
مجتمع و ثـقافة
آراء ودراسات
رياضة
خدمات
عملات
بورصات
الطقس