سورية الجميلة RSS خدمة   Last Update:09/09/2026 | SYR: 14:12 | 09/09/2026
الأرشيف اتصل بنا التحرير



خلطات كامبو


شاي كامبو


IBTF_12-18


Baraka16

 تكسي الغلابة في سوريا.. نخوة الطريق تصطدم بمخاوف الأمان آمنة رياض
09/09/2026      



سيرياستيبس 

بإشارة سريعة من يد شخص يقف على جانب الطريق، تتوقف سيارة خاصة، ويسأل سائقها عن الوجهة، ثم تبدأ رحلة قصيرة بين شخصين لا يعرف أحدهما الآخر. هكذا تحولت سيارات الأهالي، على عدد من طرقات دمشق وريفها، إلى وسيلة نقل موازية، صنعتها الحاجة ورسّختها أزمة المواصلات، قبل أن تصبح عادة يومية لدى بعض السكان.

من داريا وصحنايا إلى الزبداني ومضايا وجديدة عرطوز، يختصر المشهد حكاية تنقّل تقوم على الثقة والتكافل، لكنها لا تخلو من الخوف؛ فالمقعد الشاغر قد ينقذ شخصاً من انتظار طويل أو يخفف عنه أجرة الطريق، لكنه قد يفتح أيضا باباً لموقف غير متوقع.

وبين من يرى في التوقف للآخرين نوعاً من "النخوة"، ومن يعدّه مجازفة لم تعد مبررة بعد تحسن توفر وسائل النقل، تتباين تجارب الأهالي وآراؤهم بشأن ظاهرة بات بعضهم يطلق عليها، مازحاً، اسم "تكسي الغلابة".

من الغرابة إلى المشاركة
عاد الطبيب رائد برهان، ابن ريف دمشق، من مصر قبل نحو 20 يوماً، ومنذ ذلك الحين يتنقل باستمرار بين داريا وصحنايا والزبداني. وخلال تنقلاته، استوقفه مشهد أشخاص يقفون على جوانب الطرق ويشيرون بأيديهم إلى السيارات الخاصة طلباً لتوصيلهم.

بدا الأمر غريباً له في البداية، لكنه سرعان ما بدأ يتفهمه، ولا سيما في الشوارع الرئيسية التي لا تمر فيها وسائل النقل، أو تمر على فترات متباعدة، ما يترك كثيراً من الأهالي أمام انتظار قد يطول من دون معرفة موعد وصول الحافلة التالية.

دفعه ذلك إلى التوقف لمن يطلبون المساعدة. في البداية، اقتصر الأمر على النساء المتقدمات في السن، لكنه بدأ، مع مرور الوقت، يقلّ شباناً أيضاً.

يقول برهان لموقع تلفزيون سوريا، إنه يعيش، في كل مرة، صراعاً بين التعاطف و"نخوة" مساعدة العالقين على الطريق، وبين الخشية من أن يكون الأشخاص الذين سيصعدون معه سيئي النية أو أن يتسببوا له بمشكلة. وفي معظم الأحيان، ينتصر الشعور الأول، فيتوقف ويفتح باب سيارته.

لكن تجربته الأخيرة أعادت المخاوف إلى الواجهة. فعلى الطريق بين داريا وصحنايا، توقف لشابين خلال ساعات الصباح الباكر، ثم شعر بعد صعودهما بأنه ربما تسرع في قراره.

فالطريق، وفق قوله، يخلو من كاميرات المراقبة، وإذا تعرض للسرقة أو لأي اعتداء آخر، فقد لا يراه أحد أو ينتبه إليه. ورغم أن الرحلة مرّت بسلام، قرر بعدها ألا يقلّ شباناً لا يعرفهم مرة أخرى.

لا ينكر برهان الجانب الإنساني في الظاهرة، لكنه يرى أن مخاطرها حقيقية، سواء على السائق أو الراكب، إذ يدخل الطرفان سيارة واحدة من دون معرفة مسبقة، معتمدين بصورة شبه كاملة على حسن النية.


رحلة تنتهي بفنجان قهوة
لا تحمل كل الرحلات القصيرة على طرقات ريف دمشق الخوف نفسه. ففي واحدة من المرات، توقف برهان لسيدة في منتصف الخمسينيات من عمرها، كانت تنتظر سيارة تقلها من منطقة كروم مضايا إلى الزبداني.

وخلال الطريق، تبادل الاثنان أطراف الحديث، ليكتشف أنها من منطقته وأنها صديقة لوالدته. ولم تنتهِ الحكاية عند إيصالها إلى وجهتها، إذ زارت السيدة منزل عائلته في اليوم نفسه لتشكره وتشرب معهم "فنجان قهوة".

تكشف هذه الحادثة وجهاً آخر للظاهرة؛ ففي مناطق تتداخل فيها الروابط العائلية والاجتماعية، قد يبدأ الراكب غريباً على جانب الطريق، ثم يتبين بعد دقائق أنه جار قديم أو صديق للعائلة أو قريب لأحد المعارف.

عادة فرضتها العودة إلى داريا
بالنسبة إلى أم فادي، وهي من مدينة داريا، لا تعدّ هذه الوسيلة جديدة أو طارئة. فقد ارتبطت، بحسب روايتها، بمرحلة عودة السكان إلى المدينة قبل سقوط النظام المخلوع، حين فتحت داريا أبوابها مجددا أمام أبنائها، في وقت كانت فيه وسائل النقل شبه غائبة خلال الأشهر الأولى.

تقول أم فادي إن ركوب السيارات الخاصة كان، في تلك الفترة، الوسيلة الوحيدة المتاحة للتنقل بالنسبة إلى كثيرين، ما دفع نسبة كبيرة من السكان إلى الاعتياد عليه. ومع مرور الوقت وتوفر وسائل النقل بعد سقوط النظام، لم تختفِ العادة، بل واصل بعض الأهالي الاعتماد عليها.

ولا تزال أم فادي تستخدم هذه الطريقة حتى اليوم، رغم امتلاك أبنائها سيارات خاصة. فعندما تكون في مكان بعيد عن منزلها، تقف على الشارع الرئيسي، وتسأل السائق الذي يتوقف لها عن وجهته، فإذا كانت قريبة من منزلها ووافق على إيصالها، تستقل السيارة.

وتضحك وهي تطلق عليها اسم "تكسي الغلابة"، موضحة أنها "أوفر للجيبة"، خصوصاً لمن يحتاجون إلى التنقل بصورة متكررة ولا يستطيعون تحمل تكاليف سيارات الأجرة.

وعند سؤالها عن احتمال تعرضها لمشكلة مع شخص لا تعرفه، تقول إنها لم تواجه حتى الآن أي حادثة سيئة. وغالبا ما يكون السائقون الذين تتنقل معهم من أبناء منطقتها، وما إن يبدأ الحديث حتى تكتشف عائلاتهم أو صلاتهم بأشخاص تعرفهم.

بل ترى أم فادي أن الرحلة تتحول أحيانا إلى مساحة ممتعة للتعارف وتبادل الأحاديث، في مجتمع يعرف أبناؤه بعضهم، ولو عبر سلسلة من الأسماء والقرابات والمعارف.

"لم يعد الأمر مبرراً"
على النقيض من أم فادي، ترفض أم خالد، وهي أيضاً من ريف دمشق، الاعتماد على سيارات الغرباء، رغم أنها لجأت إلى هذه الطريقة خلال فترة سابقة.

وتقول إن قلة المواصلات كانت تجعل الأمر مفهوماً ومبرراً آنذاك، لكن موقفها تغير بعد تحسن توفر وسائل النقل، فضلاً عن امتلاك زوجها وأبنائها سيارات خاصة.

وحين تخرج برفقة صديقاتها، ترفض أن يوقفن أي سيارة خاصة لتقلهن، وتفضل الانتظار إلى أن يأتي أحد أفراد عائلتها، أو استخدام إحدى وسائل النقل المتاحة، مهما طال الوقت.

وترى أم خالد أن استمرار الظاهرة حالياً لا يرتبط دائماً بانعدام المواصلات، بل برغبة بعض الناس في توفير أجرة الطريق. وبالنسبة إليها، لم تعد هذه العادة مناسبة، خصوصاً في ظل المخاطر المحتملة لركوب سيارة شخص مجهول.

يعكس موقفها جانباً من التحول الذي طرأ على الظاهرة؛ فما بدأ حلاً اضطرارياً في مناطق تفتقر إلى وسائل النقل، تحول لدى بعض السكان إلى خيار اقتصادي وعادة يصعب التخلي عنها، في حين يرى آخرون أن زوال الضرورة يفترض أن ينهيها.

حين تتحول المساعدة إلى باب للتسول
أحمد، وهو شاب يعمل في مركز مدينة دمشق ويمتلك سيارة، اعتاد التوقف لأشخاص ينتظرون على أوتوستراد المزة ويرغبون في التوجه نحو الريف، سواء كانوا موظفين أم أشخاصاً أنهكهم انتظار وسيلة نقل.

يعرف أحمد ما تعنيه أزمة الازدحام وقلة الحافلات، وكيف يمكن أن يضطر شخص إلى الانتظار طويلًا حتى يعثر على مقعد، ولذلك يحاول مساعدة من يصادفهم في طريقه كلما استطاع.

لكن إحدى التجارب جعلته ينظر بحذر أكبر إلى بعض القصص التي يسمعها داخل سيارته. فقد أقلّ ذات مرة شاباً بدأ، طوال الطريق، بالحديث عن مرض ابنه وحاجته إلى المال لإجراء عملية جراحية مستعجلة. تعاطف أحمد معه ومنحه مبلغاً لمساعدته.

بعد نحو أسبوعين، مرّ أحمد من المكان نفسه، فوجد الشاب ذاته ينتظر على جانب الطريق. أثار وجوده في النقطة نفسها استغرابه، لكنه سمح له بالصعود مجدداً، لتبدأ القصة ذاتها وتتكرر التفاصيل نفسها.

عندها أدرك أحمد، بحسب روايته، أن الشاب يستخدم ركوب السيارات وسيلة للوصول إلى السائقين واستدرار تعاطفهم وطلب المال منهم.

لم تدفعه الحادثة إلى التوقف نهائياً عن مساعدة الناس، لكنها أضافت سؤالاً جديداً إلى الرحلة: هل يحتاج الراكب فعلًا إلى توصيلة، أم أن الطريق أصبح وسيلة لممارسة التسول بعيداً عن أعين الآخرين؟.


صندوق "البيك آب" يتسع للجميع
أما ياسر محمود، من مدينة داريا، فيتنقل بصورة متكررة بينها وبين جديدة عرطوز عبر الطريق المار بمنطقة الفصول الأربعة. وخلال رحلاته، يصادف كثيراً أشخاصاً يبحثون عمن يقلهم.

يقود ياسر سيارة "بيك آب" ذات مقعدين في المقدمة وصندوق مكشوف في الخلف، وهو ما يجعل تجربته مختلفة عن بقية السائقين. يقول إنه لا يتردد كثيراً ولا يدقق في أعمار الواقفين على الطريق؛ فيتوقف للكبار والصغار وغيرهم، ليصعدوا في الصندوق الخلفي ويكملوا معه الطريق.

بالنسبة إليه، لا تمثل الاستجابة لإشارة شخص على جانب الطريق أمراً استثنائياً، بل تصرفاً اعتيادياً لا يحتاج إلى كثير من التفكير. فثمة مساحة متاحة في المركبة، وهناك أشخاص يقصدون الاتجاه نفسه، ومن الطبيعي، وفق رؤيته، ألا يتركهم ينتظرون.

لكن ركوب الأشخاص في الصندوق المكشوف يطرح بدوره مخاطر إضافية تتعلق بسلامتهم، ولا سيما على الطرق السريعة أو عند الوقوف المفاجئ والتقلبات الجوية، ما يجعل المساعدة الإنسانية بحاجة إلى مراعاة شروط الأمان أيضاً.

ثقة متبادلة أم مخاطرة مشتركة؟
تجمع هذه الرحلات بين طرفين يحمل كل منهما مخاوفه الخاصة. فالسائق قد يخشى السرقة أو الاحتيال أو التعرض للاعتداء، في حين يخاطر الراكب بالصعود مع شخص مجهول لا يعرف هويته أو وجهته الحقيقية.

ومع ذلك، تستمر الظاهرة مدفوعة بعدة عوامل؛ أبرزها ضعف شبكة النقل في بعض المناطق، وتباعد أوقات مرور الحافلات، وارتفاع كلفة التنقل بالنسبة إلى بعض العائلات، إلى جانب طبيعة العلاقات الاجتماعية في مدن وبلدات يعرف سكانها بعضهم بصورة مباشرة أو غير مباشرة.

إنها معادلة تجمع الحاجة إلى الثقة والحذر منها في آن واحد: سائق يقرر خلال ثوانٍ ما إذا كان سيتوقف، وراكب يختار في اللحظة ذاتها ما إذا كان سيصعد، قبل أن تبدأ بينهما رحلة قد تنتهي بشكر عابر، أو صداقة وفنجان قهوة، أو تجربة تدفع أحدهما إلى إعادة التفكير في الأمر كله.

وبينما يصفها البعض بـ"تكسي الغلابة"، يراها آخرون شبكة تضامن اجتماعي غير معلنة، نشأت لتعويض غياب النقل المنتظم. لكنها، في جميع الأحوال، تظل حلاً فردياً لمشكلة عامة، وحكاية يومية تختلط فيها شهامة السوريين بثقل الحاجة ومخاوف الطريق.

 
تلفزيون سوريا 


طباعة هذا المقال طباعة هذا المقال طباعة هذا المقال أرسل إلى صديق

 
 

Baraka16


Orient 2022


معرض حلب


الصفحة الرئيسية
مال و مصارف
صنع في سورية
أسواق
أعمال واستثمار
زراعـة
سيارات
سياحة
معارض
نفط و طاقة
سوريا والعالم
محليات
مجتمع و ثـقافة
آراء ودراسات
رياضة
خدمات
عملات
بورصات
الطقس