سيرياستيبس :
في خضم الأزمة الخانقة التي يعيشها القطاع العام الصحي، أثارت الضريبة المفروضة على المشافي الخاصة في دمشق وريفها اعتراضات من قبل أصحابها، والبالغة 150 ألف ليرة يومياً على السرير، سواء كان السرير مشغولاً أم لا.
إلا أن هذا الجدل الحاصل يُخفي واقعاً أكثر قسوة، يتمثل في استغلال حاجة الناس الماسة للعلاج في ظل الانهيار المتواصل للقطاع الصحي العام. فبينما يتذرع أصحاب المشافي بتكاليف تشغيلية يومية (طاقة، ورواتب، ونفايات) تصل إلى 200 ألف ليرة لكل سرير، تشير شهادات بعض المرضى إلى أن ما يدفعونه يومياً للإقامة في المشفى لا يقل عن 600 ألف ليرة، وأن أسعار العمليات الجراحية كالديسك مثلاً تبلغ 5000 دولار. وهو فارق يعكس هوامش ربح عالية تقوّم بالدولار، بينما تُدفع الرواتب والضرائب بالليرة المنهارة. وهنا تتجلى سياسة «تسعير الدولار» التي تحمي أرباح القطاع الخاص على حساب القدرة الشرائية للسوريين، في ظل غياب رقابة حقيقية من سلطة تتحمل وحدها مسؤولية تعطيل دور الدولة.
استغلالٌ مزدوج
اللافت أن هذه المشافي تستهدف فئة الميسورين والمغتربين، متجاهلة أن شريحة واسعة من محدودي الدخل والمفقرين يُدفعون قسراً نحوها بعد أن تحولت المشافي العامة إلى كيانات مشلولة بسبب سياسات أنهكتها وهمّشتها. وهنا يتحول المشفى الخاص من مزود خدمة إلى أداة لتعميق الفقر؛ فالمريض الذي لا يمتلك خياراً سوى اللجوء إلى الخاص يُجبر على دفع الملايين من مدخراته، أو الاقتراض، في مشهد يختزل كيف تحولت الخدمة الصحية من حق إلى سلعة باهظة الثمن.
ليست الضريبة وحدها!
لكن المشكلة ليست في وجود القطاع الخاص بحد ذاته، بل في سياسات جعلت من هذا القطاع بديلاً عن الدولة، بل ومحابية له على حساب المواطن. فبدلاً من إعادة بناء القطاع العام الصحي ليكون ملاذاً آمناً، تُبقي السياسات الحالية على الخدمة العامة مهترئة، مما يخلق سوقاً للمشافي الخاصة تسمح لها بفرض أسعار تعسفية. وتصبح المطالبة بمراجعة الضريبة ليست أكثر من ذريعة لتخفيف الأعباء عن مستثمرين يحققون أرباحاً، بينما تتحمل وزارة الصحة والحكومة المسؤولية الكاملة عن استمرار انهيار القطاع العام الصحي، وضرورة العمل فوراً على إعادة هيكلته وتجهيزه ليكون قادراً على استيعاب جميع المرضى مجاناً أو بكلف رمزية.
والأهم هو إنهاء سياسة محاباة القطاع الخاص التي تمثلت لعقود في فتح المجال له من دون رقابة، بينما يُترك القطاع العام للفساد وسوء الإدارة. فعودة الخدمات العامة لمصلحة الناس ليست خياراً، بل ضرورة وطنية لإنهاء أشكال الاستغلال كافة. والسلطة اليوم أمام اختبار حقيقي؛ إما أن تتحمل مسؤوليتها في إعادة بناء قطاع عام صحي قوي يعيد الاعتبار لحق المواطن بالعلاج، أو تبقى شريكاً في تعميق معاناة السوريين عبر تركهم فريسة لجشع القطاع الخاص.
قاسيون
|