سيرياستيبس : يثير التوجه الحكومي الجديد
لضبط النفقات الحكومية تساؤلات حول طبيعة الضغوط التي تواجهها المالية العامة السورية، وما إذا
كانت الإجراءات مرتبطة أساساً بارتفاع تكاليف الطاقة والنقل والمتغيرات
الإقليمية الراهنة، أم أنها تكشف عن حاجة أوسع إلى إعادة هيكلة أولويات
الإنفاق والموازنة العامة.
وفي هذا السياق، قال استشاري تطوير الأعمال والباحث الاقتصادي أحمد عنكير ، إن القرارات الأخيرة تمثل "قراءة واقعية
ومباشرة لخريطة الضغوط التي تحيط بالمالية العامة في الوقت الراهن".
ورأى عنكير أن الإشارة الصريحة
إلى ارتفاع كلفة الطاقة والنقل وتأثير المتغيّرات الإقليمية لا تعكس مجرد
صدمة ظرفية طارئة أربكت الموازنة العامة، بل تكشف عن واقع أعمق يرتبط بضيق
هامش المناورة المالية وضآلة المرونة التي تتمتع بها خزينة الدولة في
مواجهة التقلبات الخارجية. وأضاف أن الأزمة، وإن بدت في ظاهرها ناتجة عن
مستجدات إقليمية وضغوط أسعار، فإنها تسلط الضوء على "حاجة ملحة ومستدامة
لإعادة هيكلة شاملة لأولويات الإنفاق، والانتقال من موازنة إدارة الأزمات
النقدية قصيرة الأجل إلى نموذج إدارة الموارد القائم على الأثر الفعلي
والكفاءة التشغيلية".
المشاريع الاستثمارية أمام اختبار
وتُعد مراجعة المشاريع
الاستثمارية من أبرز بنود التعميم، إذ تسعى الحكومة إلى إعادة ترتيبها
استناداً إلى الضرورة والجاهزية والأثر المالي والاقتصادي والاجتماعي،
وتوجيه الموارد إلى المشاريع ذات الأولوية والأثر المباشر، مقابل تأجيل ما
يمكن تأجيله من دون تأثير جوهري على الخدمات أو النشاط الاقتصادي. غير أن
تأجيل بعض المشاريع يطرح تساؤلات بشأن انعكاساته المحتملة على القطاعات
الاقتصادية التي تعتمد بصورة مباشرة أو غير مباشرة على الإنفاق الاستثماري
الحكومي، وكذلك على فرص العمل وحركة المقاولات والتوريدات والخدمات.
وفي هذا الصدد، أشار عنكير إلى
أنه في الوقت الذي يسعى فيه التعميم إلى حماية "الرصيد الاجتماعي" عبر
تأكيد عدم المساس بالرواتب والأجور والخدمات الحيوية، مثل الصحة والتعليم
والطاقة، فإن قرار تأجيل المشاريع الاستثمارية غير العاجلة يضع الدورة
الاقتصادية أمام اختبار دقيق. وأوضح أن المشاريع الرأسمالية الحكومية تمثل
عادة محركاً أساسياً لقطاعات واسعة، من بينها المقاولات والتوريدات
والخدمات، ولذلك فإنّ "تجميدها أو إبطاء وتيرتها سيؤدي حكماً إلى تراجع
مؤقت في مستوى النشاط الاقتصادي المباشر، وضغوط إضافية على خلق فرص العمل
الجديدة".
كيف يتحقق الوفر؟
وبحسب عنكير، لا ينبغي أن يقتصر
رهان الحكومة على تجميد بعض المشاريع أو تأجيلها، بل أن يمتد إلى تحويل
الإجراءات الحالية إلى فرصة لإصلاح هيكلي في إدارة الإنفاق العام. وقال إن
تجنّب الانعكاسات السلبية يتطلب التركيز على "كيفية الإنفاق" بدلاً من "حجم
التخفيض"، من خلال اعتماد معايير صارمة للمفاضلة بين المشاريع، وإعطاء
الأولوية لتلك التي بلغت نسب إنجاز متقدمة ولها أثر اقتصادي مباشر،
بالتوازي مع كبح الهدر الإداري والتشغيلي.
كما دعا إلى الاقتراب أكثر من نماذج الشراكة العملية مع القطاع الخاص
لتمويل بعض المرافق والمشاريع المؤجلة وإدارتها، بما يضمن، وفق رأيه، ألا
يتحول ضبط الإنفاق العام إلى تراجع في جودة البنية التحتية والخدمات
الأساسية التي يعتمد عليها المواطن والاقتصاد. من جهتها، أكدت وزارة
المالية أنها ستعمل، بالتعاون مع الوزارات والهيئات والجهات العامة، على
تطبيق أحكام التعميم ومتابعة تنفيذه وقياس الوفر المالي المتحقق، بهدف
تعزيز قدرة الموازنة العامة على مواجهة المتغيرات والضغوط الراهنة،
والمحافظة على الاستدامة المالية وحسن إدارة المال العام، مع حماية الإنفاق
الأساسي والضروري.
وبذلك، تضع إجراءات ترشيد الإنفاق
الجهات العامة أمام معادلة صعبة، تقوم من جهة على تحقيق وفر ملموس وإعادة
ترتيب الأولويات، ومن جهة أخرى على الحفاظ على مستوى الخدمات والنشاط
الاستثماري. وستتوقف آثار الحزمة أساساً على طبيعة المشاريع والنفقات التي
سيجري تأجيلها أو تقليصها، وعلى حجم الوفر الذي ستتمكن الحكومة من تحقيقه
من دون نقل أعباء ضبط الموازنة إلى الخدمات الأساسية أو القطاعات
الاقتصادية المرتبطة بالإنفاق العام. العربي الجديد
|