سورية الجميلة RSS خدمة   Last Update:23/09/2026 | SYR: 02:01 | 23/09/2026
الأرشيف اتصل بنا التحرير



خلطات كامبو


شاي كامبو


IBTF_12-18


 الصندوق السيادي السوري... الشفافية تبدأ من الإفصاح
23/09/2026      



سيرياستيبس 

لا تبدأ الشفافية في الصناديق السيادية حين إعلان الأرباح، ولا تنتهي عند نشر تقرير سنوي. تبدأ قبل ذلك بكثير، من السؤال الأبسط والأكثر حساسية؛ كم يبلغ المال الذي يديره الصندوق أصلاً؟ ثم تتفرع منه أسئلة أخرى لا تقل أهمية: من أين جاء هذا المال؟ ماذا دخل إلى الصندوق من أصول وموارد؟ وبأي قيمة؟ وإلى أين يتجه بعد ذلك؟
الإفصاح لا يتعلق فقط بالصفقات الكبيرة ذات الأرقام اللافتة، وإنما يمتد إلى الشركات التابعة والعلاقات التجارية التي يمكن أن تترتب عليها أموال والتزامات ونتائج قابلة للقياس
الإدارة والاستثمار والتطوير والبيع وإعادة توظيف العوائد حلقات متصلة في المسار الذي يسلكه المال العام، منذ انتقاله إلى الصندوق حتى ظهور أثره الاقتصادي. وعلى هذا الأساس، يقارب هذا التقرير مسألة الشفافية في الصندوق السيادي السوري من خلال تتبع أربعة أسئلة مفتاحية: كم؟ (مقدار الأموال والأصول التي يديرها الصندوق)، من أين؟ (ما هي الأصول المولِّدة للمال)، ماذا؟ (ما الذي دخل تحت إدارة الصندوق من أصول واستثمارات)، وإلى أين؟ (كيف تُدار هذه الأموال والأصول، وأين تُستثمر، وما نتائجها؟). وتختبر هذه المقاربة ما تتيحه النصوص القانونية والبيانات والمعلومات المنشورة للجمهور من إجابات عن هذه الأسئلة، مع قراءة أربعة أخبار نشرها الصندوق على موقعه الرسمي، بوصفها عينة تطبيقية، تكشف مقدار التفاصيل التي تصل إلى الجمهور، عن المشاريع والاستثمارات والشراكات التي يعلن عنها الصندوق، وما يبقى خارج نطاق الإفصاح المنشور.

شُحّ البيانات
يعرض الموقع الرسمي للصندوق أخباراً عن مشروعات وشراكات واستثمارات متعددة، ويقدّم في أحيانٍ كثيرة تفاصيل واسعة تتعلق بمكوّنات المشروع، مقابل غياب تام للتفاصيل المالية المتعلقة بالصندوق من قبيل: مقدار المال الذي وضعه الصندوق؟ وقيمة الأصل الذي دخل تحت إدارته؟ وحصته في المشروع؟ وكيف جرى التمويل؟ وما العائد أو الالتزام المالي المتوقع؟
في مشروع تطوير المدينة الجديدة غرب دمشق، مثلاً، أعلن الصندوق عن شراكة مع شركة "أرادا" لتطوير مشروع متكامل على مساحة أربعة ملايين متر مربع، بقيمة تطوير إجمالية تبلغ سبعة مليارات دولار، مع 11 ألف وحدة سكنية ومرافق تعليمية وصحية وخدمية. تمنح هذه التفاصيل القارئ صورة واضحة نسبياً عن حجم المشروع وطبيعته، فيما تبقى في المادة المنشورة أسئلة تتصل بالصفقة نفسها: ما حجم مساهمة الصندوق؟ وما طبيعة حصته؟ وكيف توزعت مصادر التمويل والمخاطر والعوائد بين الأطراف؟ وهنا يظهر الفرق بين الإعلان عن المشروع والإفصاح عن المال الذي يديره الصندوق داخله.
وتتكرّر المسألة في إعلان استثمار الصندوق في نادي الوحدة عبر شركة "طموح للتنمية الرياضية"، فالخبر يشرح، بإنشاء مدرسي، دوافع الاستثمار، ويقدّم الشركة بوصفها ذراع الصندوق في الاستثمار الرياضي، ويعرض أهدافاً تتعلق بتطوير النادي وتحسين إدارته وتنمية إيراداته واستدامتها. وتبقى معلومات الصفقة المالية نفسها خارج المادة المنشورة: كم استثمر الصندوق؟ على ماذا حصل في المقابل؟ ما قيمة النادي أو الأصول التي دخلت في الصفقة؟ وما الحصة التي أصبحت للصندوق أو للشركة التابعة له؟ وما العائد المستهدف؟ هنا يظهر فارق آخر بين الإفصاح عن الغاية والإعلان عن الصفقة.
وفي شراكة "بايميرا" التابعة للصندوق مع شركة "فيزا" لتطوير منظومة الدفع الإلكتروني، يأخذ "الإغفال" شكلاً مختلفاً. فالأمر يتعلق هنا بعقد تجاري لشركة تابعة للصندوق مع مؤسسة مالية عالمية يستدعي إفصاحاً ومكاشفة، لكن تظل أسئلة المال والالتزام هي الغائبة: ما طبيعة الاتفاق المالي؟ هل ترتبت عليه التزامات أو رسوم أو مساهمات؟ ما حجم استثمار الصندوق في "بايميرا"؟ وما المؤشرات التي ستسمح بقياس نتائج هذه الشراكة مستقبلاً؟ فالإفصاح لا يتعلق فقط بالصفقات الكبيرة ذات الأرقام اللافتة، وإنما يمتد إلى الشركات التابعة والعلاقات التجارية التي يمكن أن تترتب عليها أموال والتزامات ونتائج قابلة للقياس.
ويبدو السؤال أكثر حساسية في مشروع تطوير وتأهيل 14 مستشفى وطنياً، نظراً لارتباطه بأصول عامة وخدمات صحية واسعة النطاق. فقد أعلن الصندوق، عبر "صرح القابضة"، توقيع عقد مع "إنتر هيلث كندا" لتطوير وتأهيل المستشفيات خلال 24 شهراً، وفق معايير اعتماد دولية، مع تحديث البنية التحتية والتجهيزات والعمليات والتدريب ورفع مستوى الجودة إجمالاً. وقد حدد الإعلان عدد المستشفيات والأسرّة وعدد المستفيدين المتوقعين شهرياً وسنوياً، لكنه لم يذكر القيمة الإجمالية للعقد، ولا مقدار ما سيدفعه الصندوق، ولا حصة وزارة الصحة، أو أي جهة عامة أخرى من التمويل، ولا المقابل المالي للشركة المنفذة، ولا الالتزامات التي قد تنشأ بعد انتهاء مدة المشروع.

جزء من المال الذي يديره الصندوق يمكن أن يتحرك خارج اسمه المباشر، عبر شركة تابعة أو ذراع استثمارية أو كيان يتولى تنفيذ مشروع محدد
أذرع استثمارية مبهمة
ومن هنا يعود سؤال "كم؟" إلى موقعه الأساسي؛ فإذا كان الصندوق قد تأسس لإدارة موارد وأصول ذات طبيعة عامة، فإن معرفة حجم هذه الموارد ليست تفصيلاً محاسبياً ثانوياً؛ فهي نقطة الانطلاق التي تسمح بقراءة كل ما يأتي بعدها. بمعنى: من دون معرفة الرصيد أو قيمة الأصول الداخلة في الإدارة، يصعب قياس حجم النشاط، وتصبح أرقام المشروعات منفصلة عن القاعدة المالية التي يتحرك فوقها الصندوق. ثم يأتي سؤال "ماذا؟". فالأصول التي تنتقل إلى الصندوق لا تتساوى في طبيعتها ولا في قيمتها الاقتصادية، ولا في المخاطر المرتبطة بها. هناك أصول ثابتة، واستثمارات، وأموال مخصّصة من الدولة، وموارد ناتجة عن نشاط الصندوق، فضلاً عن الإعانات والهبات والتبرعات المقبولة وفق القانون. وكل فئة منها تحتاج إلى تعريف وقيمة وطريقة واضحة في التسجيل والإدارة والإفصاح، حتى يستطيع الجمهور أن يعرف ما الذي أصبح تحت إدارة الصندوق فعلاً.
بهذا المعنى، تتحوّل الشفافية من مجرد نشر معلومات متفرقة عن نشاط المؤسسة، إلى عملية بناء سلسلة معرفة متصلة، تبدأ من المال الذي دخل إلى الصندوق، مروراً بالأصول التي أصبحت تحت إدارته، ثم القرارات التي اتخذت بشأنها، وصولاً إلى العوائد والنتائج. وكل حلقة ناقصة في هذه السلسلة، تترك فجوة معلوماتية في قدرة الجمهور على تتبع المال.
وهنا تحديداً تنتقل المسألة من سؤال الشفافية إلى سؤال الأداء؛ فكيف يمكن للمجتمع أن يحكم على أداء صندوق سيادي إذا كان لا يستطيع أن يرى بصورة كافية نقطة البداية التي يقيس عليها هذا الأداء؟ وكيف يمكن معرفة ما إذا كان الاستثمار ناجحاً إذا كانت قيمة الأصل أو حجم مساهمة الصندوق أو العائد المستهدف غير معلنة؟ وكيف يمكن مقارنة النتائج بين مشروع وآخر إذا بقيت البيانات الأساسية للصفقات مغلقة وخارج نطاق التداول العام؟
وغياب الإفصاح في هذه الأمثلة الأربعة قد يكون مؤشراً أولياً لإصدار حكم على مستوى شفافية الصندوق، خاصة حين تقترن أنشطة الصندوق بأذرع تابعة له مبهمة هي الأخرى، فالمعلومات العامة المتاحة عن شركات مثل "طموح للتنمية الرياضية"، و"بايميرا"، و"صرح القابضة" لا تمنح الجمهور صورة متكاملة بشأن بنيتها وملكيتها ورأس مالها، وحجم مساهمة الصندوق فيها وطبيعة الأصول التي تديرها ونتائج أعمالها. تظهر هذه الشركات في الأخبار بوصفها أدوات لتنفيذ استثمارات أو تطوير قطاعات ومشروعات، فيما تظل المعلومات التي تسمح بتتبع علاقتها المالية بالصندوق محدودة جداً. وتكتسب هذه النقطة أهمية خاصة؛ لأن جزءاً من المال الذي يديره الصندوق يمكن أن يتحرك خارج اسمه المباشر، عبر شركة تابعة أو ذراع استثمارية أو كيان يتولى تنفيذ مشروع محدد. 
السؤال الذي يفرض نفسه في هذه المرحلة التي ينشط فيها الصندوق ليس عما إذا كان الصندوق قد حقق نجاحاً أو أخفق، فهو سؤال يحتاج إلى بيانات زمنية ومالية تسمح بقياس الأداء. السؤال السابق عليه هو: هل تتوافر للجمهور، بعد نحو عام على إحداث الصندوق، المعلومات التي تمكّنه من تكوين حكم مستقل على أدائه؟

للإيضاح لا للمقارنة
قد تكمن الإجابة في توفير سياق مقارن، يساعد على قراءة ما هو متاح في التجربة السورية، ضمن مسار أوسع لنمو المؤسسات السيادية وتطور قواعد الإفصاح فيها. ويمكن هنا الاستفادة من تجربة صندوق الاستثمارات العامة السعودي، بوصفها تجربة ناضجة تساعد على توضيح الفرق بين إدارة المال وإتاحة المعرفة عنه، من دون تحويلها إلى نموذج ينبغي على الصندوق السوري أن يطابقه، فلكل تجربة عمرها المؤسسي وسياقها وبنيتها الخاصة. فقد نشر الصندوق السعودي تقريره السنوي لعام 2025، وأعلن فيه أن الإيرادات بلغت 450 مليار ريال، وأن صافي الربح تجاوز 65 مليار ريال، فيما وصلت الأصول المدارة إلى نحو 3.4 تريليونات ريال. وتوفر هذه الأرقام للجمهور نقطة انطلاق لفهم حجم المؤسسة ونتائجها المالية.
الأهم من الأرقام نفسها أن الإفصاح لا يتوقف عندها. فنظام صندوق الاستثمارات العامة المنشور يحدد، في المادة 24، أن يرفع مجلس الإدارة خلال مدة محددة تقريراً مفصلاً عن عمليات الصندوق ونشاطاته، ويتضمن التقرير، في حد أدنى، الحسابات الختامية، وتفصيلاً عن الأصول والاستثمارات وأدائها، والقوائم المالية المدققة، والتعويضات التي حصل عليها أعضاء مجلس الإدارة. وتمنح المادة 26 مجلس الإدارة صلاحية نشر التقرير كلياً أو جزئياً، إلى جانب نشر تقارير أو معلومات أخرى عن نشاط الصندوق.
ليست قيمة هذا المثال في حجم الصندوق السعودي، ولا في عمره، ولا في وضعه الاقتصادي المختلف جذرياً عن نظيره السوري. القيمة في تفصيل أكثر بساطة؛ قواعد الإفصاح نفسها يمكن أن تكون معلومة عامة. عندما يعرف الجمهور ما الذي يجب أن يتضمنه التقرير، ومتى يُعد، ولمن يرفع، وما الذي يمكن نشره منه، يصبح قادراً على قراءة البيانات في سياقها، ويعرف ما الذي يفترض أن يحصل عليه من معلومات. ولا يعني ذلك المقارنة بين صندوق حديث التأسيس بآخر راكم خبرة وممارسات فضلى على مدى عقود. فالمقارنة هنا أضيق، مفادها: هل يمكن تحويل الشفافية من قيمة عامة إلى قواعد محددة، تُحدد ما يُفصح عنه، ومتى، وبأي صورة؟ إذا كانت الإجابة نعم، يصبح النقاش أكثر فائدة من مجرد مطالبة عامة بـ"المزيد من الشفافية".

المطلوب في النهاية ليس تحويل الصندوق السيادي إلى مؤسسة تنشر تفاصيل قراراتها الاستثمارية لحظة بلحظة، ولا تجاهل الاعتبارات التجارية التي قد تفرض حدوداً على بعض المعلومات
مسطرة سانتياغو
تتقدم مبادئ سانتياغو بوصفها مرجعية مفيدة جداً في هذا النقاش؛ فالصناديق السيادية تحرص على إبراز مدى التزامها بهذه المبادئ، لما تمثله من إطار دولي للحوكمة والشفافية والمساءلة وإدارة المخاطر والاستثمار الرشيد. وتتكون المبادئ من 24 مبدأً وممارسة عامة، وقد أعدتها مجموعة العمل الدولية لصناديق الثروة السيادية عام 2008، وتتبناها المؤسسات الأعضاء في المنتدى الدولي لصناديق الثروة السيادية، على أساس طوعي، مع خضوعها للقوانين المحلية. وتكتسب هذه المبادئ قيمتها هنا باعتبارها أداة قياس واستكشاف لمدى التزام الصندوق السوري بمبادئ سانتياغو التي اعتمدها آلية للحوكمة. 
ويبدأ هذا القياس من المبدأ الثاني، الذي يطلب أن يكون الغرض من إنشاء الصندوق محدداً ومعلناً للجمهور، ومن المبدأ الرابع الذي يذهب خطوة أبعد في اتجاه المال نفسه، فيشترط وجود سياسات وقواعد وإجراءات أو ترتيبات واضحة ومعلنة تتصل بتمويل الصندوق وسحب الأموال منه وعمليات الإنفاق. وهذه النقطة تتصل مباشرة بالسؤال الذي طرحناه في الحالة السورية: من أين يأتي المال، وكيف يدخل إلى الصندوق، وما القواعد التي تحكم خروجه واستخدامه؟ فمعرفة الغرض وحدها لا تكفي لفهم المؤسسة إذا ظلت قواعد تمويلها وسحب الأموال منها طي الكتمان. ويطلب المبدأ الثاني عشر تدقيق عمليات الصندوق وقوائمه المالية سنوياً وفق معايير تدقيق معترف بها. هنا تصبح الأسئلة التي تبدو محاسبية في ظاهرها جزءاً من قدرة المجتمع على الحكم؛ هل توجد قوائم مالية؟ هل خضعت لتدقيق مستقل؟ وما المعلومات التي تسمح هذه القوائم والتقارير بقياس الأداء على أساسها؟
وتصل المبادئ إلى مستوى أكثر مباشرة، في ما يتعلق بحق الجمهور في المعرفة عبر المبدأ السادس عشر، الذي ينص على الإفصاح العام عن إطار الحوكمة والأهداف، وعن الطريقة التي تستقل بها الإدارة التشغيلية للصندوق عن المالك، والمبدأ السابع عشر، الذي يطلب الإفصاح العام عن المعلومات المالية ذات الصلة بالصندوق، بما يوضح توجهه الاقتصادي والمالي ويعزز الثقة. ومن هنا تتحول مبادئ سانتياغو إلى مجموعة أسئلة عملية يمكن تطبيقها على أي صندوق سيادي: هل يستطيع المواطن معرفة حجم الأموال التي يديرها الصندوق؟ هل يعرف مصادر التمويل وقواعد السحب والإنفاق؟ هل يعرف الأصول التي دخلت محفظته وقيمتها؟ هل توجد تقارير سنوية وقوائم مالية مدققة؟ وهل تتاح المعلومات المالية ذات الصلة للجمهور؟ هل توجد سياسة استثمار منشورة توضّح الأهداف ومستوى المخاطر؟ وهل يستطيع تتبع أداء الاستثمارات ومقارنته بمؤشرات واضحة؟ وعندما يعلن الصندوق عن مشروع أو صفقة، هل يستطيع أن يعرف قيمة العملية، وحصة الصندوق، وطبيعة الالتزامات، ومبررات الاستثمار، ثم متابعة العائد والمخاطر والنتائج مع مرور الوقت؟
بهذا المعنى، لا تقول مبادئ سانتياغو إن على كل صندوق أن يكشف كل معلومة في كل صفقة، ولا تقدم قائمة جامدة تصلح لكل مؤسسة بصرف النظر عن ظروفها. ما تقدّمه هو حد أدنى من الأسئلة التي تجعل إدارة الثروة السيادية قابلة للفهم والمساءلة. وهذا تحديداً ما يجعلها مفيدة في الحالة السورية؛ فهي تساعدنا على الانتقال من سؤال عام مثل "هل الصندوق شفّاف؟" إلى أسئلة يمكن التحقق منها واحدة واحدة، تبدأ من مصدر المال وحجمه، وتمر بقواعد الحوكمة والاستثمار وإدارة المخاطر، وتنتهي بالمعلومات التي يستطيع الجمهور الوصول إليها عن الأصول والأداء والنتائج.

الخلاصة
المطلوب في النهاية ليس تحويل الصندوق السيادي إلى مؤسسة تنشر تفاصيل قراراتها الاستثمارية لحظة بلحظة، ولا تجاهل الاعتبارات التجارية التي قد تفرض حدوداً على بعض المعلومات، ولا استنساخ مثالية الصندوق النرويجي في الشفافية. المطلوب هو بناء مستوى من الإفصاح يسمح للجميع برؤية الصورة الكبرى للمال الذي يديره الصندوق، وفهم المسار الذي تسلكه الأموال والأصول منذ دخولها إلى إدارته وحتى ظهور نتائجها. وهذا يبدأ بإجابات واضحة عن الأسئلة الأساسية: كم حجم المال الذي يديره الصندوق؟ من أين جاء؟ ما الأصول التي دخلت تحت إدارته؟ كيف جرى تقييمها؟ ما الذي استثمره؟ وفق أي قواعد واعتبارات؟ ما العوائد والمخاطر المرتبطة باستثماراته؟ وما الذي حدث للأصول والعوائد بعد ذلك؟
هذه المعلومات تمنح المواطن القدرة على تكوين صورة مستقلة عن المؤسسة التي تدير جزءاً من الثروة العامة، وتتيح للباحث والصحافي والجهات الرقابية والمجتمع الاقتصادي أدوات أفضل لقراءة الأداء ومساءلته. ومن هذه الزاوية، تحتاج سورية الجديدة إلى ترسيخ ممارسة فضلى في إدارة الشأن العام، تقوم على تعويد المؤسسات على الإفصاح، وتعويد المجتمع على السؤال، وتوسيع حق السوريين في الاطلاع على المعلومات التي تخص المال العام. ومع اتساع المعرفة، يتحول المواطن من متلقٍ لما تعلنه المؤسسات، إلى طرف معني بمتابعة أدائها، والمطالبة بحسن إدارتها، والدفاع عن حقه في معرفة ما يجري داخلها. وهنا تصبح الشفافية وسيلة لبناء علاقة جديدة بين المواطن والمؤسسة العامة، تقوم على المعرفة والمصلحة والمسؤولية المشتركة. وبعد خمسة عقود ونصف من تعتيم قسري على المعلومات، وإبعاد المواطن عن الشؤون التي تمسّ حياته وماله ومستقبله، تبدو استعادة الحق في المعرفة جزءاً من استعادة القوة نفسها. نريد أن نكون أقوياء.

العربي الجديد 


طباعة هذا المقال طباعة هذا المقال طباعة هذا المقال أرسل إلى صديق

 
 

Baraka16


Orient 2022


معرض حلب


الصفحة الرئيسية
مال و مصارف
صنع في سورية
أسواق
أعمال واستثمار
زراعـة
سيارات
سياحة
معارض
نفط و طاقة
سوريا والعالم
محليات
مجتمع و ثـقافة
آراء ودراسات
رياضة
خدمات
عملات
بورصات
الطقس