في خطوة إستراتيجية تهدف إلى تنقية القطاع المصرفي الحكومي من ترسبات العقود الماضية، يأتي المرسوم رقم (70) لعام 2026 ليضع خريطة طريق شاملة لمعالجة قضية الديون المتعثرة لدى المصارف المملوكة للدولة. إن هذا المرسوم ليس مجرد إجراء مالي، بل هو أحد أهم خطوات إصلاح وإعادة هيكلة القطاع المصرفي الحكومي، وحل القضايا العالقة بين الرهونات والمحاكم، بما يضمن التيسير على المتعثرين المستحقين وتدوير عجلة النشاط الاقتصادي مجدداً.
قراءة في المشكلة..
تضرب قضية الديون المتعثرة جذورها في القطاع المصرفي نتيجة جملة من الظروف الاقتصادية والأمنية والسياسية المعقدة التي مرت بها البلاد، بالإضافة إلى تجاوزات إدارية ومالية شهدتها مراحل سابقة، وتكشف الأرقام عن حجم التحدي؛ فوفقاً لوزارة المالية يتجاوز إجمالي القروض المتعثرة لدى المصارف العامة نحو 440 مليون دولار، تعود إلى حوالى 218 ألف متعامل من شرائح ومهن متعددة.
ويشكل ذوو الدخل المحدود، وأصحاب الورش والمنشآت الصغيرة والمتوسطة التي دُمرت أو صودرت خلال سنوات الثورة، الكتلة الأكبر من هؤلاء المتعثرين، ومن المثير للدهشة أن تاريخ بعض هذه الديون يعود إلى أكثر من ثلاثة أو أربعة عقود، مع فقدان أصول بعض العقود الأصلية.
وتشير الإحصائيات وفق لوزارة المالية إلى أن أكثر من 60% من هذه القروض ترتبط بمقترضين توقف نشاطهم أو فقدوا أصولهم تماماً خلال سنوات الثورة، بينما تتوزع البقية بين متعثرين جزئياً أو ديون قيد الملاحقة القضائية، في ظل تضخم الفوائد التي تجاوزت في بعض الحالات أصل القرض بأضعاف، ما جعل السداد أمراً شبه مستحيل بعد أن أصبحت تكلفة المتابعة القانونية لبعض الديون أكبر من قيمتها الفعلية.
فرصة ذهبية للمدينين وللمصارف
يمنح المرسوم فرصة ذهبية للمدينين لحل مشكلاتهم وتسوية أوضاعهم، وخاصة بعد أن تفشت هذه القضية وباتت تهدد الطبقة الوسطى وتزيد من معدلات الفقر، حيث عاش المدينون في حالة ترقب وخوف دائم من السجن أو الحجز، ما دفع ببعضهم نحو أساليب غير مشروعة للخروج من الأزمة.
وعلى صعيد المصارف، يساهم المرسوم في استعادة قدرتها على العمل بعد أن أنهكتها الديون المبعثرة والسيولة المجمدة في رهونات غير منتجة، وهذا الأمر قلص قدرتها على تمويل المشاريع الجديدة وأدى لارتفاع كلفة التمويل والمخاطر، ما تسبب بضعف قدرات المصارف العامة بسبب فقدان السيولة وأدى إلى تراجع ثقة المودعين والمستثمرين بالقطاع المصرفي العام، واثر بالتالي على القدرة على جذب المدخرات وتمويل الاستثمارات.
انعكاسات اقتصادية واجتماعية ملموسة
تتعدد المزايا الإضافية لهذا المرسوم لتشمل جوانب حياتية وإستراتيجية، منها:
تخفيف الأعباء: رفع الثقل المالي والمعيشي عن عشرات آلاف المقترضين الذين عجزوا عن السداد بسبب الظروف القسرية.
إعادة الثقة: ترسيخ علاقة جديدة بين المواطن والمصرف تقوم على المسؤولية وثقافة السداد الطوعي.
التماسك الاجتماعي: الحفاظ على الأسرة عبر وقف الملاحقات وحماية الممتلكات التي تمثل مصدر رزقهم.
تخفيف الضغط القضائي: تقليص حجم القضايا العالقة في الجهازين القضائي والتنفيذي.
المكاسب المالية: تحقيق تحصيل فعلي كبير للخزينة في فترة قصيرة، وتحريك الأموال المجمدة وضخها في الإنتاج، وتحسين المؤشرات الاقتصادية العامة.
آليات المعالجة
وضع المرسوم قواعد دقيقة وواضحة لآليات السداد تتفاوت بحسب نوع العملة وحجم الدين، فبالنسبة للديون بالليرة السورية (أقل من 100 مليون): يُعفى المدين من كامل الفوائد والغرامات في حال سداد أصل الدين خلال 3 أشهر، أو يُعفى من كامل الفوائد والغرامات (دون الفوائد العقدية) في حال السداد خلال 6 أشهر.
الديون بالليرة السورية (أكثر من 100 مليون): يُعفى من كامل الفوائد والغرامات عند السداد خلال 3 أشهر، أو يُعفى من 50% من الفوائد والغرامات عند السداد خلال 6 أشهر.
الديون بالعملات الأجنبية: يُعفى من كامل الفوائد والغرامات عند السداد خلال 3 أشهر، أو يُعفى من 50% من الفوائد العقدية والتأخيرية وكامل الغرامات عند السداد خلال 6 أشهر من تاريخ نفاذ المرسوم.
محددات الاستفادة
لضمان العدالة، حدد المرسوم ضوابط صارمة، فهو يغطي المصارف العامة المملوكة للدولة فقط، ويحظر الاستفادة على أعوان النظام البائد أو المتورطين في قضايا فساد جارية. كما أكد المرسوم “عدم الأثر الرجعي” بحيث لا ينطبق على التسويات النافذة سابقاً.
أما بالنسبة للمتعثرين الكبار البالغ عددهم نحو 109 فيستحوذون على 68 بالمئة من قيمة القروض، فستكون لهم معالجة خاصة في سياق المرسوم لضمان تحقيق العدالة الاجتماعية والتفريق بين المتعثر الحقيقي والمتخلف المتعمد.
الخريطة الإجرائية القادمة
تستعد وزارة المالية والمصارف العامة الستة لتنفيذ الخطوات اللاحقة التي تشمل: وضع التعليمات التنفيذية بالتنسيق مع مصرف سوريا المركزي، وتشكيل لجان مراقبة وتتبع في كل مصرف، وكذلك تشكيل لجنة رئيسة لإعادة جدولة القروض.
كما سيتم إطلاق حملة ترويج واسعة والتواصل المباشر مع المقترضين لتعزيز فرص الاستفادة، مع الالتزام بتقديم تقارير شهرية تتبع دقة التنفيذ، سعياً لتحقيق المصالحة الاقتصادية الوطنية كشكل من أشكال السلم الاجتماعي.




