نونا ماكسينغ: جيل زد يبحث عن البركة في أحضان الجدات الإيطاليات
18/08/2026
سيرياستيبس
لماذا تختار بعض النساء اليوم حياة الجدات الإيطاليات البطيئة؟
قبل أن يعرف العالم "نونا ماكسينغ"، كانت جداتنا يعشنه من دون تسمية، كن يخبزن وينتظرن المواسم من دون استعجال ويعرفن أن لكل شيء أوانه، وأن الأرض لا تُرشى بالسرعة. يكفي أن ننظر إلى وجوههن بذلك التغضن المسالم والملامح الواثقة لنعرف أي حياة عشنها، وكيف قابلن الظروف الصعبة بابتسامات الرضا على رغم التعب.
زمنهن، كان كل هذا يأخذ وقته. والشمس تنضج ما لا ينضجه الفرن، والفيء يحفظ بدل الثلج، والصبر مفتاح لقمة المونة، ولا وصفات مستعجلة. لم تكن جداتنا يعرفن كلمة "سلو ليفينغ" slow living، لكنهن عشن حياة بطيئة حين كان البطء الإيقاع الوحيد الذي تقبله الأرض والموسم والخميرة، وليس خياراً جمالياً يصور وينشر على مواقع التواصل.
أما اليوم، فاستبدلنا بالموسم السوبرماركت المفتوح على مدار الساعة، وبتنا نخالف الفصول والمواسم، فنتناول البطيخ في ديسمبر (كانون الأول) قرب المدفأة، غريباً عن أرضه وموسمه وطعمه الحقيقي، كأننا سرقنا الفصول من مكانها وخلطناها في سلة واحدة باردة لا رائحة لها. وحين نحتفي اليوم بالجدة الإيطالية وحكمتها البطيئة كنموذج للحياة أو كـ"ترند"، علينا أن نتذكر جداتنا نحن وهن يمارسن الفلسفة نفسها منذ زمن طويل بفطرة الطبيعة، من دون هاشتاغ ولا كاميرا، وبقلب أكبر من أن يختصر بـ"ريل" (Reel) من 30 ثانية.
بينهما مسافة من الثقافة
سيدة في الـ90 من عمرها تعجن بيديها العاريتين في مطبخ صغير بإحدى قرى ساردينيا الجبلية، من دون ميزان إلكتروني يزن لها الدقيق، "على البركة"، كما نقول في بلادنا العربية، ومن دون منبه (Alarm) يذكرها بموعد الخبز، فهي تعرف اللحظة المناسبة من ملمس العجينة نفسها. ولا هاتف يرن في جيب مئزرها ولا إشعار ينتظر رداً فورياً، فوقتها بأكمله ملك يديها اللتين تحملان أخاديد الزمن، وملك الخضراوات التي تنضج في حديقتها الصغيرة بإيقاعها الخاص الذي لا يستعجله أي تطبيق. وعلى بعد آلاف الكيلومترات، تجلس شابة في العشرينيات أمام كاميرا هاتفها، تحاول محاكاة الحركة ذاتها ببطء متعمد، ملتقطة كل خطوة بعناية لتشاركها لاحقاً مع متابعيها تحت وسم لم يكن موجوداً قبل أشهر قليلة، وهو "نونا ماكسينغ".
بين السيدتين مسافة عمرية وجغرافية شاسعة وكثير من الثقافة، وبينهما أيضاً خيطاً خفياً بدأ ملايين الشباب حول العالم يتلمسونه بحثاً عن إيقاع مفقود، هو أن تعيش ببطء، فقط لأنك اخترت أن السرعة لم تعد تستحق ما تأخذه منك.
حين تصبح الجدة "ترنداً"
"نونا ماكسينغ" (Nonnamaxxing) مصطلح يجمع بين كلمتي نونا (Nonna)، وتعني الجدة بالإيطالية، وماكسينغ (Maxxing)، وهو تعبير رقمي شائع في لغة الإنترنت يعني دفع سلوك أو نمط حياة معين إلى الماكسيموم أو أقصى حدوده، مثل "لوكماكسينغ" لتحسين المظهر، أو "سليبماكسينغ" لتحسين النوم. وقد بدأ الترند بالانتشار الفعلي على منصتي "تيك توك" و"إنستغرام" مطلع عام 2026، حين لاحظ مستخدمون أن مقاطع مثل العجن والاعتناء بالحدائق المنزلية والمشي من دون هاتف وتناول الطعام من دون تشتيت تتكرر بكثافة تحت هذا الوسم تحديداً، لتتحول "الجدة الإيطالية" من صورة عائلية حميمية إلى أيقونة رقمية لأسلوب حياة كامل. وقد وثقت مجلات ومنصات عالمية وعربية عدة هذا الانتشار، أو الظاهرة موضحة أن "جيل زد" تحديداً هو المحرك الأساس لهذا التوجه بحثاً عن بديل لثقافة العافية (Wellness) المعقدة والمكلفة التي كثيراً ما سوق لها عبر روتينات صباحية من خطوات لا تنتهي ومكملات غذائية لا تحصى.
والطريف أن الجدات الإيطاليات أنفسهن، حين يواجهن بهذا الاهتمام المفاجئ بأسلوب حياتهن، يبدين ارتباكاً لطيفاً. فما يعتبره جيل كامل ترنداً جديداً يستحق التوثيق والمشاركة، هو بالنسبة إلى هن مجرد يوم عادي، كما وصفته إحدى الكاتبات الإيطاليات في مقال نشرته منصة "Visit Italy" المتخصصة بالسياحة الثقافية عام 2026، فحين سألت والدتها، وهي جدة لأربعة أحفاد، عن رأيها في الترند قوبلت بنظرة حائرة قبل أن تشرح لها المفهوم بالكامل.
الهرب من التعقيد
لم يظهر هذا الترند من فراغ، قد يكون نتاج مباشر لتراكم إرهاق طويل عاشه جيل كامل تحت وطأة ثقافة الإنتاجية المستمرة وتحسين النفس. والخوف من الفقدان (FOMO) الذي يضرب في كل جوانب الحياة. فالجيل كبر وهو مطالب بتحسين نفسه باستمرار من خلال تطبيقات تتبع اللياقة وروتينات عناية بالبشرة وحمية غذائية جديدة كل موسم، بدأ يبحث عمداً عن نقيض هذا كله، ويبحث عن نمط حياة لا يقاس بالإنجاز الدائم. وتشير المعالجة النفسية الأميركية لوري سينغر، في تصريحات نقلتها عنها شبكة "فوكس نيوز" ضمن تغطيتها للترند عام 2026، إلى أن التفاعل الإنساني المباشر، بعيداً من الشاشات، يحسن الصحة النفسية بصورة واضحة، وهو ما تفتقر إليه أجيال بأكملها تشكلت علاقاتها الاجتماعية عبر وسيط رقمي دائم.
وتضيف بعض التقارير العربية التي تناولت الترند أن إيطاليا نفسها تحتل موقعاً متقدماً بين الدول الأوروبية من حيث ارتفاع متوسط العمر، إذ يقارب متوسط عمر سكانها 49 سنة، مع نسبة مرتفعة نسبياً ممن تجاوزوا 65 و80 من العمر، وهو ما يجعل الجدة الإيطالية حاضرة فعلياً وبكثافة في المشهد الاجتماعي اليومي هناك، وليست مجرد شخصية نادرة يحتفى بها استثنائياً. وربما يفسر هذا الحضور اليومي المستمر للجدات في الحياة العامة الإيطالية جزءاً من قوة الصورة التي تصدرها لبقية العالم. فهي ليست أسطورة قديمة مستوردة من كتب التاريخ، إنما امرأة لا تزال تعيش وتطبخ وتضحك في الشارع كل صباح، وهو ما يمنح الترند صدقية بصرية يصعب على أي فلسفة حياة أخرى أن تدعيها بالقدر نفسه. فإذا زرت إيطاليا يوماً ما وتوجهت إلى مطعم عائلي ستجد في معظم الأحيان أن الجدة تعد المعكرونة أو عجينة البيتزا وهي حاضرة بصوتها الذي يتسلل إليكم من المطبخ القريب، أو بحضورها بوزرتها وشيبها وهي تتأكد أن الطبق وصل إلى قلبك بعد معدتك، وهذا ما شهدته ولفتني فعلاً في جنوب إيطاليا في مطعم عائلي صغير حيث للجدة حضورها وسطوتها أيضاً.
وما يمنح الترند صدقية أيضاً تتجاوز كونه مجرد جمالية بصرية جذابة من أوانٍ فخارية ومآزر كتانية، بحسب مقال نشرته منصة "ذا كونفرسيشن" الأكاديمية عام 2026 هو أن جوهره الفعلي يستعير مبادئ راسخة من علم الطب الوقائي، القائم أصلاً على قناعة أن العادات اليومية البسيطة، من الطبخ المنزلي إلى قضاء وقت مع الأحبة، تطيل العمر وتمنح السنوات الإضافية نفسها معنى وحيوية، من دون أن يكون مجرد عدد رقمي على شاهدة العمر.
ساردينيا مختبر مفتوح
لم يكن اختيار "الجدة الإيطالية" تحديداً، من بين كل جدات العالم، اعتباطياً أو صدفة، فإيطاليا، وبخاصة في منطقة جزيرة ساردينيا، تحتل مكانة خاصة في أدبيات علم طول العمر منذ أن حدد فريق بحثي دولي عام 2004، بقيادة الباحث دان بوتنر، خمس مناطق حول العالم يعيش فيها عدد استثنائي من المعمرين، أطلق عليها اسم "المناطق الزرقاء" نسبة إلى الدوائر الزرقاء التي رسمها الباحثون فعلياً على الخريطة لتحديدها، وتضم إلى جانب ساردينيا، كلاً من أوكيناوا اليابانية، ونيكويا الكوستاريكية، وإيكاريا اليونانية، ولوما ليندا الأميركية. وتكشف بيانات هذا المشروع البحثي أن منطقة أوغلياسترا الجبلية وسط ساردينيا تضم من المعمرين ما يقارب 10 أضعاف النسبة المسجلة في الولايات المتحدة.
وحاول الباحثون تفسير هذه الظاهرة فاكتشفوا في البداية ما يعرف بالعلامة الوراثية M26، وهي طفرة جينية نادرة ارتبطت بطول العمر وحفظت نسبياً بفعل العزلة الجغرافية النسبية للجزيرة، لكن بحسب ما نقلته عنه شبكة "سي أن بي سي" (CNBC) الأميركية عام 2024، فإن أحد أبرز المتخصصين في دراسة معمري ساردينيا، الباحث جيوفاني ماريو بيس، يوضح أن العوامل الوراثية لا تفسر أكثر من 20 إلى 25 في المئة فقط من التفاوت في متوسط الأعمار بين الأفراد، بينما يعود الجزء الأكبر، أي ما بين 75 و80 في المئة إلى نمط الحياة نفسه، والذي يتجلى بنظام غذائي متوسطي غني بالخضراوات والحبوب الكاملة وزيت الزيتون، وحركة بدنية طبيعية يومية ناتجة من العمل والمشي الطبيعي، إضافة إلى روابط اجتماعية وعائلية متينة وإحساس دائم بالجدوى والدور حتى في عقود العمر المتأخرة.
وأضافت دراسة نشرت في دورية علم النفس الإيجابي التطبيقي الدولية عام 2026، بعداً معرفياً مهماً لهذه الصورة، إذ قارن الباحثون بين كبار السن المقيمين داخل المنطقة الزرقاء في ساردينيا وأقرانهم في منطقة ريفية مجاورة لا تتمتع بالتصنيف نفسه، فوجدوا أن سكان المنطقة الزرقاء يحتفظون بمستويات أعلى من الفضول الفكري والانفتاح على الأفكار الجديدة، وقدرة أكبر على فهم مشاعرهم والتعبير عنها، وهي سمات وصفها الباحثون بأنها عناصر أساسية لما يسمونه الشيخوخة الناجحة، مرتبطة مباشرة بمشاركتهم المستمرة في أنشطة اجتماعية ومعرفية محفزة، من الحديث اليومي في الساحة العامة إلى رعاية الأحفاد والمشاركة الفعلية في حياة العائلة الممتدة. ورصدت دراسة أخرى، استخدمت أجهزة استشعار حركة دقيقة لتتبع نشاط 109 من كبار سن الجزيرة على مدى أسبوع كامل، أن النساء تحديداً يقضين وقتاً أطول بنسبة تفوق 37 في المئة في نشاط بدني متوسط إلى مرتفع الشدة مقارنة بالرجال، مع انخفاض ملحوظ في زمن الجلوس، وهو نمط حركة طبيعي متكرر طوال اليوم، وليس تمريناً مجدولاً في وقت محدد.
نساء يعشن في السحابة
بعيداً من جبال ساردينيا الهادئة، تعيش شريحة واسعة من نساء اليوم في ما يمكن تسميته مجازاً بالسحابة أو الغيمة (Cloud)، تلك المساحة الرقمية اللامرئية التي باتت تخزن فيها كل تفاصيل حياتهن من تقويم العمل، وقائمة مشتريات المنزل، ومواعيد الأطفال الطبية، ورسائل العمل التي لا تتوقف، وإشعارات التطبيقات التي تتزاحم على الانتباه ذاته في اللحظة نفسها. هذا النمط من الحياة يجعل المرأة العصرية أشبه بسيرفر (server) إلكتروني يعالج طلبات متعددة في آنٍ واحد (multitasking)، تماماً كما تفعل الحوسبة السحابية التي تخزن بياناتنا وتشغل تطبيقاتنا من مكان لا نراه ولا نلمسه أبداً.
وبحسب الجمعية الأميركية لعلم النفس فإن عملية تنفيذ فعلي لمهمتين في وقت واحد، أو تبديل سريع ومتكرر بين مهمة وأخرى يفرض على الدماغ في كل مرة ما يسميه الباحثون كلفة التبديل (Switch Cost) . وأظهرت أبحاث أجراها فريق من جامعة "ويك فورست" الأميركية بقيادة الباحث أنتوني سالي، باستخدام تقنيات تصوير الدماغ الوظيفي وتخطيط الدماغ الكهربائي، أن الفصين الجبهي والجداري في الدماغ ينشطان تحديداً في لحظة الانتقال القسري بين مهمة وأخرى، في عملية تستنزف موارد معرفية محدودة أصلاً. وقدرت تجارب أجرتها مجموعة بحثية في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا أن هذا التبديل المستمر بين المهام يمكن أن يخفض إنتاجية الفرد في كل مهمة بنسبة تصل إلى 40 في المئة، فيما تشير دراسة أجرتها جامعة ستانفورد الأميركية عام 2010 إلى أن الأشخاص المعتادين على تعدد المهام الرقمي بكثافة يفقدون تدريجاً القدرة على تصفية المشتتات وتوجيه انتباههم بكفاءة، حتى حين يحاولون التركيز على مهمة واحدة فقط.
ولا تقف الكلفة عند حدود الإنتاجية وتمتد إلى الصحة النفسية ذاتها. ويكشف تقرير صادر عن منصة "شيفت" (Shift) المتخصصة بأبحاث بيئة العمل عام 2025، أن 62 في المئة من المستخدمين يعانون الإرهاق الرقمي بين الحين والآخر أو بصورة منتظمة، وأن ما نسبته 34 في المئة من "جيل زد" تحديداً يعانون هذا الإرهاق بانتظام، وهي أعلى نسبة مسجلة بين الفئات العمرية المختلفة في التقرير. كذلك خلصت دراسة كمية أجريت على 142 موظفاً عام 2025، إلى أن الحمل الرقمي الزائد يتنبأ بشكل مباشر بمستويات أعلى من التوتر التقني والإنهاك والتراجع في الصحة النفسية العامة. وحين تضاف إلى هذا الحمل الرقمي أعباء الأمومة أو رعاية الأسرة أو متطلبات العمل المهني، تجد كثير من النساء أنفسهن يعشن في حال تأهب ذهني دائم، أشبه بمتصفح إنترنت يحتفظ بعشرات النوافذ مفتوحة في آنٍ واحد، لا يغلق أياً منها كاملاً، ولا يمنح نفسه فرصة إعادة التشغيل، مما قد يجعله يتجمد، أي أن يحتاج إلى ctrl+alt+del أي إلى إعادة تشغيل.
لذا يكتسب "نونا ماكسينغ" جاذبيته الحقيقية بالنسبة إلى هذه الفئة تحديداً، كونه لا يعد بمزيد من الإنتاجية أو مزيد من التطبيقات التي تُدار بها الحياة بكفاءة أعلى، إنما بشيء أكثر جذرية، وهو إغلاق بعض النوافذ نهائياً والعودة إلى مهمة واحدة في وقت واحد وهو ما يقترب من مفهوم الـMindfulness، أو اليقظة الذهنية الكاملة والتركيز على الأمر من دون أي تشتت آخر.
المائدة البطيئة وزيت الزيتون
ولا ينفصل "نونا ماكسينغ" عن المائدة المتوسطية البسيطة التي يتصدرها زيت الزيتون البكر والخضراوات الطازجة والحبوب الكاملة والبقوليات، مع حضور محدود جداً للحوم الحمراء والسكريات المصنعة. وقد وثقت دراسة من جامعة هارفرد بقيادة الطبيبة القلبية سامية مورا عام 2024 أن التزام النساء بهذا النمط الغذائي على مدى أكثر من 25 سنة ارتبط بانخفاض خطر الوفاة المبكرة بما يقارب الربع، مع فائدة واضحة في خفض الوفيات الناجمة عن السرطان وأمراض القلب على حد سواء. وأوضحت أن جودة الطعام نفسها صنعت الفارق، وليس مجرد اتباع حمية معينة، إذ كان أكثر المستفيدين هم من تناولوا كمية أكبر من الخضراوات والبقوليات والفاكهة، وكمية أقل من اللحوم المصنعة والحمراء.
وتضيف دراسة من جامعة هارفرد ونشرت في دورية JAMA Network Open عام 2024، أن الاستهلاك المنتظم لزيت الزيتون يرتبط بانخفاض ملحوظ في خطر الوفاة المرتبطة بالخرف تحديداً، بما يعزز فرضية أن هذا المكون الأساس في مطبخ الجدة الإيطالية عنصر وقائي فعلي لصحة الدماغ مع التقدم في العمر ليس مجرد نكهة إضافية. وقد أظهرت تجربة سريرية عشوائية باسم "بريديمد" (PREDIMED) ونشرت في دورية "نيو إنغلاند جورنال أوف ميديسن" (New England Journal of Medicine)، أن اعتماد زيت الزيتون البكر الممتاز ضمن نظام متوسطي خفض الحوادث القلبية الوعائية الكبرى بنسبة تقارب 30 في المئة مقارنة بنظام غذائي منخفض الدهون تقليدي.
ولكن محتويات الترند تغفل أن الفائدة لا تكمن في المكونات وحدها، إنما في طريقة الأكل ذاتها، وجبة طويلة غير متعجلة، تؤكل جلوساً على مائدة مع آخرين، وليس وقفة أمام الثلاجة أو أمام شاشة الهاتف أو أثناء القيادة أو العمل. هذا البعد الاجتماعي للطعام هو حجر الزاوية الفعلي في المطبخ الإيطالي التقليدي، وقد يكون أصعب عناصر "نونا ماكسينغ" على النقل والتقليد، إذ يتطلب وقتاً وشركاء حول المائدة، وكلاهما بات للأسف من أندر الموارد في حياة كثير من النساء العاملات اليوم.
جدات يحاربن الوحدة
قد يكون من العناصر الأقل بريقاً بصرياً في هذا الترند، لكنها الأكثر تأثيراً بحسب الأدبيات العلمية، طبيعة الحياة الأسرية الممتدة التي لا تزال سائدة في أرياف ساردينيا، حيث يعيش أفراد العائلة من أجيال متعددة قريبين من بعضهم، ويتشاركون الوجبات والمناسبات بانتظام يكاد يكون يومياً. وتشير أدبيات علم الشيخوخة إلى أن هذا التقارب الاجتماعي المستمر يحمي كبار السن هناك من مشكلة الوحدة التي باتت تصنف اليوم في مجتمعات أخرى كأزمة صحة عامة قائمة بذاتها، إذ إن الروابط الاجتماعية المتينة ترتبط علمياً بتحسن الصحة النفسية وطول العمر معاً. والواقع أنه في عصر السرعة والسرعة الفائقة يعد الوجود الجسدي المتكرر لأشخاص حقيقيين حول المرء أصعب ما يمكن لفيديو مدته 30 ثانية أن ينقله أو يعوضه، وهو بالضبط ما يفسر لماذا يبقى "نونا ماكسينغ" أقرب إلى دعوة صادقة لإعادة بناء حياة اجتماعية حقيقية، منه إلى مجرد جمالية مطبخ يمكن شراء أدواتها من متجر واحد بعد ظهر يوم واحد.
فامرأة تستيقظ وتفتح عينيها على شاشة الهاتف قبل أن تفتحهما على الغرفة نفسها، وتتفقد بريد العمل بينما تعد فطور أطفالها، وترد على رسالة من المدرسة بينما تستمع إلى اجتماع عمل من بعد بأذن واحدة، ثم تحاول أن تتذكر أنها وعدت صديقتها بالاتصال منذ أسبوعين... في نهاية يومها لن تكون قد أنجزت أياً من هذه المهام بكامل تركيزها، ولا استمتعت فعلياً بأي منها، لأن انتباهها كان موزعاً كسحابة رقيقة تغطي مساحة واسعة دون أن تمطر بغزارة في أي بقعة منها، كونها ليست حاضرة كلياً في أي منها. وهذا بالضبط ما يجعل صورة الجدة وهي تعجن العجين بيدين حاضرتين كاملاً في اللحظة، بلا تبديل ولا تشتيت، تبدو للوهلة الأولى أشبه بترف من عالم آخر، بينما هي في جوهرها الحالة الطبيعية التي صمم لها الدماغ البشري أصلاً قبل أن يتعلم العيش داخل عشرات النوافذ المفتوحة في آنٍ.
حين يستعيد الدماغ نفسه
قد يكون من أكثر عناصر حياة "النونا" مفارقة في نظر جيل نشأ على الإشعارات المنهمرة عليه على مدار الساعة هو عنصر الملل، ذلك الفراغ الذي كانت الجدة تقضيه في نكش التراب وتشذيب الزرع وحياكة الصوف و"الكروشيه" (crochet) من دون أي محفز خارجي يشغل ذهنها. واللافت أن أبحاث علم الأعصاب أظهرت أن هذا الفراغ الظاهري ليس خمولاً عقلياً كما نظن، إنه العكس تماماً، فهو وقت تنشط فيه شبكة الوضع الافتراضي (Default Mode Network) في الدماغ، وهي الشبكة العصبية المسؤولة عن التأمل الذاتي وربط الأفكار المتناثرة وتوليد الحلول الإبداعية بعيداً من أي مهمة محددة، وقد يشبه التأمل إلى حد ما. ووجدت دراسة نشرتها دورية "بلوس وان" (PLOS ONE) أن الأشخاص الذين يأخذون فترات راحة منتظمة بعيداً من أجهزتهم الرقمية أظهروا تحسناً بنسبة 23 في المئة في حل المشكلات الإبداعية مقارنة بمن يبقون متصلين باستمرار، كما تشير مراجعة علمية نشرتها دورية Frontiers in Human Dynamics عام 2025 إلى أن هذا الانقطاع الموقت عن الشاشات ينسجم تماماً مع "نظرية استعادة الانتباه" التي صاغها الباحثاًن الأميركيان في علم النفس، ستيفن وريتشيل كابلان عام 1989، والتي تعتبر أن الوجود في بيئة طبيعية هادئة، أو ببساطة الابتعاد عن التحفيز المستمر، يجدد الموارد المعرفية التي يستنزفها الانتباه المركز طوال الوقت.
ووجد الباحث الأميركي هنري ويلمر وزملاؤه، في دراسة أجريت عام 2017 بعنوان "الهواتف الذكية والمعرفة: مراجعة للأبحاث التي تستكشف الروابط بين عادات التكنولوجيا المحمولة والأداء المعرفي" وتعتبر مرجعاً أساساً في هذا المجال، أن من يعتادون على تعدد المهام الرقمي الكثيف يؤدون بصورة أضعف في اختبارات التحكم المعرفي مقارنة بمن يمارسون هذا التعدد باعتدال، وهو ما يعزز فكرة أن الملل الذي كانت تعيشه الجدة أثناء العجن والخبز أو تقليم أزهار ونباتات الحديقة لم يكن وقتاً ضائعاً على الإطلاق، حتى إنه يعتبر استثماراً عصبياً صامتاً في صفاء الذهن وقدرته على حل المشكلات لاحقاً. وهذا يفسر شعور كثير ممن جربوا "نونا ماكسينغ" ولو لأيام قليلة بوضوح ذهني مفاجئ، لأنهم ربما للمرة الأولى منذ زمن طويل سمحوا لأدمغتهم بألا تفعل شيئاً على الإطلاق.
خلف الصورة المثالية
لكن هذا المشهد يغفل جانباً آخر أقل إشراقاً، فحياة الجدات الريفيات لم تكن نقاءً خالصاً أو سلاماً دائماً. لقد كانت تفاصيل حياتهن محملة بإنهاك جسدي شاق ومسؤوليات منزلية قاسية، ومحدودية جارفة في الفرص والخيارات الشخصية والطبية.
والتقديس الرقمي اليوم لبطء "النونا" ينتقي الجزء الجمالي المريح فحسب، متجاهلاً أن البطء القديم كان ممزوجاً بفرص نجاة أقل وضغوط لا يرغب إنسان العصر الحديث في تحملها فعلياً.
حين يكون البطء رفاهية
ولكن النظريات عادة تنهار على حيطان الواقع القاسي، فوراء كل هذا الحماس الجميل والإغراء البصري والروحي لمفهوم ولفلسفة "نونا ماكسينغ"، حقيقة اقتصادية وطبقية لا يمكن التغاضي عنها. يأتي السؤال الصعب: من يملك أصلاً رفاهية العيش ببطء؟ فالبعض في هذا العصر المتسارع لا يملك أحياناً ترف الحزن حتى.
لأن السرعة بالنسبة إلى كثر ليست خياراً جمالياً، وهي عبارة عن درع نجاة يومي. وهكذا يتحول البطء من فلسفة حياة فطرية عاشتها الجدات بسيادة وبساطة، إلى سلعة رقمية جديدة تباع وتشترى، ويستعرضها من يملك المال والوقت، بينما تبقى النساء اللاتي يحتجن هذا الهدوء فعلياً أبعد ما يكون عن قدرة الوصول إليه.
الجدة الإيطالية التي يحاكيها ملايين الشباب اليوم لم تكن تعيش ببطء لأنها اختارت فلسفة معينة في الحياة، لكن إيقاع الحياة الريفية في جيلها لم يكن يعرف السرعة أصلاً. فهي طبخت من مكونات طازجة لأن الطعام الجاهز و"الديلفري" غب الطلب لم يكن موجوداً، ومشت لأن السيارة لم تكن متاحة للجميع، كما تحدثت وجهاً لوجه لساعات لأن الهاتف الذكي لم يكن قد اخترع بعد. أما سيدات اليوم الشابات اللاتي يحاولن محاكاة هذا الإيقاع وسط مدينة صاخبة وساعات عمل طويلة وفواتير تكاد لا تنتهي، وبريد إلكتروني لا يتوقف، فهن يمارسن البطء أو التمهل كاختيار واع ومكلف، وليس كأمر واقع مفروض عليهن ولا مفر منه ولا خيارات أخرى في الأفق.
ولكن الواقع أن كثيرين لا يملكون فعلياً ترف العيش بإيقاع بطيء كامل في ظل ضغوط العمل والالتزامات المادية اليومية، لذا فإن جوهر الترند الحقيقي لا يكمن في الانعزال الكامل عن الحياة الحديثة، لكن ربما في إدخال عادات أكثر هدوءاً وتوازناً داخل الروتين اليومي تدريجاً وبواقعية، من دون استنساخ نمط حياة قروي بالكامل غير قابل للتطبيق فعلياً في قلب مدينة حديثة. ويكمن الفارق الحقيقي ليس في تبني هذا الترند كاملاً كرمز استهلاكي، إنما في اختيار عادة واحدة بسيطة تناسب الواقع اليومي للشخص وتطبيقها من دون إرهاق.
ويوجد وجه آخر لهذا التوتر، إذ حين يتحول البطء إلى محتوى يصور بانتظار عدد المشاهدات والإعجابات، يفقد جوهره الحقيقي وتتحول لحظة الحضور الكامل، إلى أداء موجه لجمهور خفي يراقب من الشاشة، لكن الجدة الإيطالية الحقيقية لم تكن تعجن عجينها وهي تفكر في زاوية الإضاءة أو مدة اللقطة وطريقة المونتاج، وهنا يكمن التحدي الأعمق أمام من يريد تبني هذا النمط بصدق فيمارس البطء لنفسه أولاً، من دون التفكير في توثيقه، وأن يقبل ربما بأن أجمل لحظات هذا الأسلوب في الحياة هي بالضبط تلك التي لا تصور ولا تشارك مع أحد.
اندبندنت عربية
المصدر:
http://www.syriasteps.com/index.php?d=131&id=206953