ضاحية دمر... حلم السبعينيات الذي اصطدم بجدار السياسة
إذا كانت الحرب قد فرّقت السوريين... فلتكن المدن الجديدة المكان الذي يجمعهم من جديد
إذا كانت ضاحية دمر قد بدأت حلماً ، فلعلها تتحول بعد
نصف قرن إلى ذكرى تؤكد بأن ما يجمع السوريين أكبر بكثير مما يفرقهم , وأن
هذا الشعب الذي شيّد الحضارات قادر على أن يبني وطنه من جديد
في قراءة مختلفة وتنطوي على الكثير من الفهم والوعي لما يمكن أن يجمع السوريين وهم يتطلعون لبناء وطنهم .. يقدم المهندس" ياسر أسعد " في مقاله الجديد لموقع " سيرياستيبس " انموذجا استثنائياً لما يمكن أن يجمع السوريين .. اعتمادا على ما جمعهم دائماً .. فالسوريون الذين بنوا وأشادوا الحضارات على مر الزمن يستطعيون اليوم وبكثير من الإرادة والتصميم بناء المدن التي يعيشون فيها معاً بينما يتوزعون أدوارهم في نهضة وتطوير بلدهم ..
سيرياستيبس
كتب المهندس ياسر علي أسعد
في تاريخ الأمم , ليست المدن مجرد أبنية من الإسمنت والحجر، بل هي مشاريع سياسية واجتماعية تصوغ شكل المجتمع لعقود طويلة , وقد تكون المدرسة التي يتعلم فيها الناس العيش معا أو الجدار الذي يرسخ انقساماتهم , لذلك فإن السؤال الذي يواجه سوريا اليوم ليس , كم منزلا نحتاج ؟ , بل أي مجتمع نريد أن نبنيه داخل هذه المنازل ؟
إعادة الإعمار ليست مشروعا هندسيا , وإنما مشروع وطني لإعادة بناء الثقة بين السوريين وإحياء الطبقة الوسطى وصناعة فضاءات جديدة يعيشون فيها بوصفهم مواطنين متساوين لا أبناء مناطق أو طوائف أو اصطفافات فرضتها الظروف التاريخيه وسنوات الحرب .
ولعل تجربة ضاحية دمر- ضاحية الشام الجديدة - تقدم اليوم درسا بالغ الأهمية , ليس لأنها كانت من أنجح المشاريع السكنية في تاريخ سوريا , بل لأنها قدمت رؤية سبقت زمنها.
سعدالله الجابري .. صاحب الرؤيا
في منتصف سبعينيات القرن الماضي , انطلقت فكرة غير مسبوقة في المنطقة العربية , تجمع تعاوني للنقابات المهنية يضم الأطباء والمهندسين والمعلمين والمحامين والفنانين وغيرهم , لبناء مدينة حديثة فوق التلال الغربية لدمشق تستوعب أكثر من ثلاثين ألف مواطن ضمن خمسة آلاف وحدة سكنية متكاملة .
كان المشروع أكثرمن مجرد مساكن , كان نموذجا اقتصاديا واجتماعيا متكاملا يقوم على التمويل التعاوني والإدارة المهنية والتخطيط العمراني الحديث والاكتفاء النسبي في إنتاج مواد البناء وإنشاء المدارس والحدائق والأسواق والمراكز الرياضية والثقافية ومحطات التدفئة قبل اكتمال البناء نفسه .
وقد أدرك المهندس سعد الله جبري- صاحب الرؤية - أن نجاح المدن لا يبدأ من الأبنية، بل من الإدارة المستقلة والكفاءة المهنية .
حظي المشروع بدعم حقيقي من الحكومه , غير أن هذا الدعم انقلب بعد تغييرالقيادة القطرية أواخر العام 1979 , وتعيين محافظ لدمشق لم يلبث أن أصبح رئيسا للوزراء , وقام بإبعاد المهندس جبري عن إدارة المشروع , مع وعود بأن المشروع سيستمر بدونه , النتيجة كانت توقفا شبه كامل للعمل حتى أوائل التسعينيات , قبل أن تتولى جهات أخرى إكمال ما تبقى.
كما واجه المشروع مقاومة من جهات كانت تحتكر البناء السكني الخاص، رأت في النموذج تهديدا مباشرا لمصالحها
السياسة قتلت المشروع
المشروع لم يسقط بسبب ضعف الفكرة بل بسبب تدخل السياسة في الإدارة فعندما أصبحت المصالح السياسية أقوى من المؤسسات , تعطلت الإمدادات وتراجعت الاستقلالية وأبُعدت الكفاءات , توقف المشروع سنوات طويلة قبل أن يستكمله آخرون بصورة مختلفة وساد المنطق التجاري وتوسع المشروع مما أضعف الفكرة الأصلية ورفع الكثافة العمرانية وحمّلت البنية التحتية والخدمات ما يفوق قدرتها , وتحول المشروع الاجتماعي إلى استثمار عقاري على حساب جودة الحياة.
تغيرت الإدارة وتمت شيطنتها... فضاع جزء كبير من الحلم ومع ذلك بقيت ضاحية دمر حتى اليوم شاهدا على أن التخطيط السليم صنع واحدا من أكثر أحياء دمشق تنظيما وجودة .
تميّز مشروع دمر بإدارة مركزية استمرت بعد انتهاء البناء , وتولت تنظيم المرافق العامة والاستثمارات التجارية والخدمات المشتركة وهو ما أسهم في الحفاظ على جودة السكن والحد من الخلافات بين السكان , وساعد التقارب الاجتماعي والثقافي بين القاطنين ومعظمهم من أبناء الطبقة الوسطى المتعلمة , على خلق بيئة من التفاهم والاندماج والاستقرار .
بعيداً عن الماضي . إلهام للمستقبل
غير أن القيمة الحقيقية لهذه التجربة لا تكمن في الماضي، بل فيما يمكن أن تلهمه للمستقبل فسوريا تحتاج خلال السنوات المقبلة إلى مئات آلاف الوحدات السكنية لكنها تحتاج قبل ذلك إلى ضواح جديدة تبني المجتمع كما تبني الحجر .
بعد الحرب العالمية الثانية لم تنظر ألمانيا الغربية إلى السكن باعتباره مجرد سقف يؤوي الناس , بل اعتبرته وسيلة لإعادة بناء المجتمع والدولة معا , وبعد إعادة توحيد ألمانيا عام 1990 , استثمرت الدولة مئات المليارات في تحديث مدن الشرق، وربطها بالبنية الاقتصادية والاجتماعية للغرب , لأن وحدة الوطن لا تتحقق بالشعارات , وإنما حين تتقارب مستويات الحياة والفرص بين المواطنين .
وفي سنغافورة، أدركت الحكومة منذ ستينيات القرن الماضي أن مجتمعا متعدد الأعراق والأديان يحتاج إلى سياسة إسكان تمنع الانعزال الاجتماعي , فجاء برنامج هيئة الإسكان والتنمية ليضمن تنوع السكان داخل كل مجمع سكني, وبحيث يعيش الصيني والماليزي والهندي جنبا إلى جنب, ويتشارك أبناؤهم المدرسة والحديقة والمرافق العامة, لم يكن ذلك مجرد تخطيط عمراني بل سياسة وطنية حافظت على الاستقرار الاجتماعي لعقود .
أما رواندا , التي خرجت من واحدة من أبشع الإبادات الجماعية في القرن العشرين , فقد أدركت أن المصالحة لا تتحقق في قاعات المحاكم وحدها , بل في الأحياء التي يعيش فيها الناس معا , لذلك ارتبطت برامج الإسكان الجديدة بمشروعات تنموية مشتركة أعادت دمج المجتمعات المحلية , وساعدت على تجاوز آثار الانقسام .
هذه التجارب تؤكد حقيقة واحدة , المدينة قد تكون أداة للانقسام... وقد تكون أيضا أداة للمصالحة الوطنية .
تحتاج سوريا لإطلاق برنامج وطني لإنشاء سلسلة من الضواحي الحديثة حول مدن دمشق وحلب وحمص وحماة واللاذقية وطرطوس ودير الزور وإدلب والسويداء , بالشراكة بين الحكومه والقطاع الخاص والنقابات المهنية والمصارف وصناديق الاستثمار والسوريين في الخارج , بدلا من الاكتفاء بمشروعات
إسكانية متفرقة , لكن نجاح هذه الضواحي يتطلب الاستفادة من درس مشروع دمر وتجنب الأخطاء التي عطلته , عبر الإلتزام بالنقاط التاليه .
أولها - أن تكون الإدارة مستقلة ومحترفة، بعيدة عن التدخلات السياسية اليومية .
وثانيها - إنشاء هيئة وطنية للتنمية العمرانية كشركه مساهمه تعمل وفق معايير الحوكمة والشفافية , وتخضع لرقابة مجلس الشعب والقضاء والأجهزة الرقابية , لا لتبدل المزاج السياسي , تطرح أسهمها للإكتتاب العام , وتعتمد نموذج التمويل المختلط الذي يجمع بين مساهمة الدولة والتمويل المصرفي طويل الأجل والاستثمار الخاص وصناديق المغتربين السوريين .
وثالثها - أن تتحول هذه الضواحي إلى محركات اقتصادية، عبر إقامة مصانع
لمواد البناء، ومراكز للتدريب المهني، وحاضنات للأعمال، بحيث تصبح إعادة الإعمار نفسها مولدا لفرص العمل
العدالة الانتقالية ليست محاكم بل بناء
أما الركيزة الأهم فهي أن تقوم هذه المدن على التنوع الوطني فلا تخُصص لمحافظة واحدة ولا لفئة اجتماعية واحدة ولا لمؤسسة بعينها بل تفُتح أمام السوريين جميعا وفق معايير عادلة وشفافة , بحيث يعيش أبناء دمشق إلى جانب أبناء حلب ودرعا والحسكه ، وأبناء الساحل إلى جانب أبناء الجزيرة والجنوب والفرات , فعندما يذهب الأطفال إلى المدرسة نفسها، ويلعبون في الحديقة نفسها ،ويقف آباؤهم في الأسوق نفسها ,ويجلسون في نفس المقهى , تبدأ الهوية الوطنية باستعادة مكانها الطبيعي , ويتحول التخطيط العمراني إلى أحد أهم أدوات السلم الأهلي والعدالة الانتقالية
فالعدالة الانتقالية ليست محاكم فقط , بل هي أيضا بناء مؤسسات تمنع تكرار أسباب الانقسام , وتمنح جميع السوريين شعورا متساويا بالانتماء والكرامة والفرصة .
إن أفضل ما يمكن أن تقدمه الحكومه السورية اليوم ليس مجرد بناء مساكن جديدة بل بناء مجتمعات جديدة . فقد أثبتت ضاحية دمر أن السوريين قادرون على إنجاز مشاريع عمرانية تضاهي أفضل التجارب عندما تتوافر الإدارة المهنية والاستقلال المؤسسي
مشروع دمر .. ما يجمع السوريين أكبر بكثير مما يفرقهم
اليوم وبعد نصف قرن من ولادة ذلك الحلم , لم تعد المهمة استعادة ضاحية دمر كما كانت , بل استعادة الفكرة التي قامت عليها وتطويرها بما يناسب سوريا الحره
ضاحية دمر حلم السبعينيات الذي اصطدم بجدار السياسة هي أكثر من مشروع إسكان، سر نجاحها الحقيقي أنها جمعت السوريين , يومها لم يكن الناس ينظرون إلى بعضهم بعضاً بوصفهم أبناء مناطق أو طوائف أو جماعات متنافسة، بل بوصفهم أطباء ومهندسين ومعلمين ومهنين وفنانين ومهنيين، يجمعهم الإيمان بالعلم والعمل والمستقبل.
السوريون قادرون على إعمار المدن، لأنهم يعرفون كيف يبنون العلاقات والثقة والمحبة , ولعل هذا هو الدرس الأهم الذي تمنحه لنا ضاحية دمر اليوم , أن سوريا لا تحتاج إلى مزيد من الإسمنت بقدر ما تحتاج إلى مزيد من الإيمان بنفسها وبأبنائها.
فإذا كانت ضاحية دمر قد بدأت حلماً ، فلعلها تتحول بعد نصف قرن إلى ذكرى تؤكد بأن ما يجمع السوريين أكبر بكثير مما يفرقهم , وأن هذا الشعب الذي شيّد الحضارات قادر على أن يبني وطنه من جديد.
المصدر:
http://www.syriasteps.com/index.php?d=207&id=206928