البقرة التي تُبقي الفلاح في أرضه ... العكشية السورية بين النسيان والحاجة
بقرتي بترعى وترجع لحالها... حوار مع صديق من جبال الساحل السوري
في مقاله الجديد لموقع سيرياستيبس , يختار المهندس ياسر أسعد الحديث عن البقرة العكشية , بوصفها الأصل الذي اعتاد السوريين على تربيته كجزء من نمط تربية غير مكلف ويرتبط بالأرض السورية , لذلك فإنّه يقدمها كجزء من معادلة البقاء في الأرض والاستقرار الاجتماعي والأهم يبدو كعادته موفقا في تقديم العودة لتربية البقرة العكشية كمساهمة وصفها بالهادئة في نسج خيوط السلم الأهلي من جديد
سيرياستيبس
كتب لمهندس ياسر علي أسعد
في زوايا الساحل السوري وسهوله الداخلية، حيث تتقاطع الجبال الرطبة مع حقول القمح والزيتون ، ما زالت تمشي بقرة صغيرة الحجم، سوداء أوبنيه أو مرقطة، لا تلفت الأنظار بضخامتها، لكنها كانت لعقود طويلة سنداً حقيقياً لآلاف الأسر الريفية.
إنها الأبقار المحلية المعروفة في حوران والجولان بـ"الجولانية"، وفي الساحل والداخل بـ"العكشية" أو "البلدية"، سلالة واحدة كانت تشكّل بحسب التقديرات نحو 75 في المئة من الثروة الحيوانية البقرية المحلية في سوريا
.
هاي مو بقرة، هاي وحدة من البيت
كنت بضيافه صديق في قرية جبلية تطل على البحر من بعيد، بين أشجار الزيتون والتين , ورثت عائلته تربية الأبقار البلدية , ومازال لديهم رأسين من العكشية البلديه ، السلالة المحلية التي عرفها السوريون منذ أجيال , جلسنا مع والده تحت شجرة سنديان عمرها يفوق عمره , وسألته لماذا لا تبدلهم بالهولنديه .
إبتسم قبل أن يجيب هاي مو بقرة، هاي وحدة من البيت,أنا مو مضطر وقف جنبها كل يوم متل الحارس, الصبح بفتحلها الباب وهي لحالها بتعرف طريقها عالجبل , بترعى لحالها والمسا برجع بلاقيها واقفة قدام الباب ما في حدا ماشي وراها ولا حدا مراقبها , بتعرف طريقها, بتعرف وين المي , بتعرف وين العشب الطري , وبترجع عبيتها من راسها لحالها, ولا داعي حدا يوقف يفكر فيها طول النهار متل أبقار غيرها يلي لازم حدا يوقف جنبها ويطعمها ويسقيها بالساعة ,لا علف ولاكسبا , بتاكل أي عشب تلاقيه بالطريق , حشيش ورق الشجر حتى الشوك الناشف بالصيف بتاكله, و لما منحصد القمح والشعير بيضل عنا تبن كتير، هاد هو أكلها الأساسي بالشتا , ما بتكلفني مصاري تجييب علف ومو محتاجة قصور, عنا سقف بسيط سويناه من جذوع شجر وأغصان , بيحميها من الشمس بالصيف ومن المطر بالشتا , وبكتير من الأيام بتلاقي ظل شجرة كبيرة وبتقعد تحتها الظهر لما بتشد الشمس , ما بتحتاج مكيف ولا مروحة متل مابيحكوا عنه بالمزارع الحديثة
إذا رعيتها منيح من الصغر بتعيش قوية وما بتمرض بسهولة , ما جبتلها طبيب بيطري إلا مرة أو مرتين بكل حياتها ,أما الهولنديه كل شوي لازمها دوا وإبر وفيتامينات .
البقرة البلدية بتعرف صاحبها, لما بنادي عليها بترفع راسها وتجاوبني بصوتها, هاي ما بتتعبك وما بتكلفك.
ضرورة اقتصادية
اليوم , وبعد سنوات من الحرب والجفاف والانهيار الاقتصادي، تعود هذه السلالة إلى الواجهة لا كخيار عاطفي أو حنين إلى الماضي , بل كضرورة اقتصادية واجتماعية لتكون مفتاحاً لبقاء آلاف العائلات في أراضيها .
ما يميز العكشية ليس كمية إنتاجها , بل قدرتها على العيش والإنتاج في ظروف لا تحتمل فيها السلالات الأخرى البقاء, فهي تعتمد أساساً على الرعي الطبيعي والمخلفات الزراعية ولا تحتاج إلى أعلاف مركزة باهظة الثمن وهو ما يجعل تربيتها في متناول الأسرة الريفية الصغيرة التي لا تملك رأس مال كبيراً ولا بنية تحتية حديثة .
كما أنها تتحمل التقلبات المناخية القاسية بين حر الساحل الرطب وبرد الداخل الجاف، وتُظهر مقاومة عالية للأمراض والطفيليات الدموية والتهاب الضرع , ما يقلل من الأعباء البيطرية على المربين , أما حليبها وإن كان أقل كمية فهو غني بالدسم مما يجعله مادة مثالية لصناعة السمن والزبدة والجبن البلدي، منتجات ذات قيمة تسويقية عالية في الأسواق المحلية .
استوردنا أبقار لغاية العمولة ولبيس الحليب
قامت الحكومات السابقة بإستيراد سلالات عالية الإنتاج مثل الهولشتاين فريزيان الهولنديه ، أملاً في مضاعفة إنتاج الحليب (حسب ما زعمت ) بدون دراسات علميه موثقه , ولهدف تحقيق عمولات من إستيرادها وبيعها باسعار عاليه عن طريق المصرف الزراعي لشراء الولاء (هذا إذا كنا نفكر بنيه حسنه ) , أو لتدمير الإقتصاد الزراعي من أجل إجبار الشباب على التطوع بالجيش أو الهجره للعمل في المدن الكبرى , وهو ما تسبب في نمو ضواحي المخالفات حول حلب واللاذقيه وحمص ودمشق .
هذه الأبقارالمسماه بالهولنديه, رغم قدرتها على إنتاج كميات ضخمة من الحليب في الظروف المثالية , تعاني إجهاداً حرارياً شديداً في الصيف السوري وتحتاج إلى أعلاف مركزة غنية بالذرة والصويا المستورده, لأن تنتجها سوريا بكميات كافية , إضافة إلى حاجتها لمزارع نموذجية بمساحات كبيره لانتاج الأعلاف الخضراء وهنكارات مزودة بأنظمة تبريد وتهوية ورعاية بيطرية مستمرة .
بالنسبة لأسرة ريفية تملك حظيرة بسيطة وقطعة أرض محدودة , فإن هذه المتطلبات هي عبء مالي يفوق عائد بيع الحليب ( عندما لاتدعم الحكومه إستيراد الذره والصويا ), والنتيجة التي حصل عليها السوريون كانت خسائر مادية ونفوق حيواناتهم وانخفاضاً حاداً في الإنتاجية، بدل التحسين الموعود والأهم غربه أبنائهم .
في القرى التي أنهكتها سنوات الحرب والنزوح , لم تعد تربية الماشية مجرد نشاط اقتصادي هامشي , بل عاملاً حاسماً في قرار الأسرة بالبقاء في أرضها أو تركها , فالعائلة التي تملك بضعة رؤوس من الأبقار المحلية تضمن مورداً يومياً من الحليب ومشتقاته يمكن استهلاكه أو بيعه في السوق المحلية دون الحاجة إلى استثمارات ضخمة أو مخاطر مالية عالية .
هذا الاستقرار الاقتصادي الصغير المتراكم في ألاف القرى , يترجم عملياً إلى تثبيت للأسر على أراضيها وتقليل لموجات الهجرة نحو المدن أو خارج البلاد بحثاً عن فرص عمل, كما أن هذا النمط من التربية القائم على العمل الأسري يمنح المرأة الريفية بشكل خاص دوراً اقتصادياً مباشراً وملموساً إذ تتولى غالباً رعاية الحيوانات وتصنيع مشتقات الحليب ما يعزز استقلالية الأسرة المادية بمعزل عن مصادر الدخل الخارجية المتقلبة .
تجفيف الشعور بالغبن
قد يبدو الربط بين تربية الأبقار والسلم الأهلي بعيداً للوهلة الأولى لكنه في الواقع رابط عميق , فحين تجد الأسر في مناطق مختلفة ساحلية وداخلية جبلية وسهلية مورد رزق مستقراً ومتاحاً, بفضل تأقلم هذه السلالة مع بيئات متنوعة , تقل حدة التنافس على الموارد الشحيحة ويقل الشعور بالغبن الاقتصادي الذي كثيراً ما يغذي التوترات المحلية .
كذلك فإن الحفاظ على سلالة محلية واحدة تربّى تقليدياً في مناطق متعددة من البلاد من الجولان إلى الساحل إلى الغاب وسهل الروج , يشكل بحد ذاته إرثاً مشتركاً يتجاوز الانقسامات الجغرافية والاجتماعية ويمكن أن يكون أرضية عملية لمشاريع تعاون زراعي وأقتصادي بين الريف والمدينه وانشاء مهرجان لأجمل عجل وأكثر انتاج حليب وأطيب جبن , برعايه وزاره الزراعه ووزاره السياحه , بعيداً عن الخطاب السياسي وأقرب إلى الحياة اليومية للسوريين .
كل هذه المعطيات تطرح سؤالاً جوهرياً على الجهات الزراعية المعنية هل يستمر الرهان على استيراد سلالات لا تناسب البيئة السورية وتستنزف موارد نادرة أصلاً، أم يُعاد توجيه الجهد والدعم نحو تحسين السلالات المحلية عبر انتقاء وتحسين مدروسين دون التفريط بميزاتها الأساسية في التأقلم والمقاومة والاقتصاد؟
المؤلم أن السلالة التي أثبتت جدارتها لعقود باتت اليوم مهددة بالانقراض، إذ تراجعت أعدادها النقية بشكل لافت نتيجة التهجين غير المدروس مع سلالات أجنبية، ما يستدعي تحركاً عاجلاً من الجهات المعنية في وزاره الزراعه لحماية هذا الإرث قبل فوات الأوان وأملنا كبير بمعالي وزير الزراعه بما يملكه من علم وخبره والتي ظهرت بنجاح شركه إكتفاء تحت إدارته .
العكشية والبقاء في الأرض
البقرة العكشية، بحجمها المتواضع وإنتاجها المحدود، تحمل في جيناتها ما هو أكبر من الحليب والزبدة , إنها جزء من معادلة البقاء في الأرض والاستقرار الاجتماعي و مساهمة هادئة في نسج خيوط السلم الأهلي من جديد .
يبقى السؤال معلقاً أمام وزارة الزراعة والحكومة السورية كم من الوقت يمكن أن ننتظر قبل أن تندثر هذه السلالة التي صمدت لقرون في أرضنا؟
إننا نتوجه بنداء صريح إلى معالي وزير الزراعة والجهات المعنية كافة, بضرورة دعم مراكز الأبحاث الزراعية والحيوانية وتخصيص برامج بحثية جادة لدراسة السلالة المحلية "العكشية" وتحسينها وراثياً دون المساس بميزاتها الفطرية في التأقلم والمقاومة كما ندعو إلى توجيه الجامعات وكليات الزراعة والطب البيطري لإدراج هذه السلالة ضمن أولويات بحوثها ورسائلها العلمية وتشكيل فرق ميدانية متخصصة تعمل جنباً إلى جنب مع المربين التقليديين في الساحل والداخل، لتوثيق خبراتهم المتراكمة عبر الأجيال قبل أن تضيع مع الزمن. فحماية هذه السلالة ليست ترفاً علمياً أو حنيناً للماضي، بل استثمار استراتيجي في أمن غذائي مستدام، وفي استقرار اجتماعي لآلاف الأسر الريفية التي لا تزال تراهن على هذه البقرة المتواضعة لتبقى في أرضها .
المصدر:
http://www.syriasteps.com/index.php?d=132&id=206841