الزواج بين الطوائف في سوريا..
30/07/2026



  كيف غيّرت ذاكرة الحرب خيارات العائلات؟

 
447 
  icon
 
 

سيرياستيبس :

كان محمد يظن أن ادخار المهر، وتوفير السكن المستقل، وتأمين تكاليف الزواج، ستكون أصعب المشكلات التي ستواجهه في مرحلة الخطوبة. لكنه اكتشف أن المشكلة الأكبر كانت في الأسئلة التي بدأت تدور خلال جلسات عائلتي الخطيبين، والتي لم تكن تتعلق بمستقبلهما وتوفير أسباب سعادتهما الزوجية، بل بالماضي الذي تحمله طائفتاهما.

يقول محمد (31 عاماً): "بعد الخطبة، بدأ السؤال يتكرر عن الطائفة التي أنتمي إليها، وعن عاداتنا وعباداتنا وأسلوب حياتنا، ومع كل إجابة كنت أقدمها، كانت تأتي ردود أهل خطيبتي لتوضح مقدار الاختلاف بيننا!".

في البداية، لم يُظهر محمد تبرمه من أسئلة أهل خطيبته، ولا سيما أنه اتفق معها ضمنياً على عدم نقل موضوع الطائفة إلى منزلهما بعد الزواج. لكنه قال: "بعد شهرين من الخطوبة، لم تتوقف المقارنات الطائفية في أحاديث عائلتينا، بل دخلت السياسة فيها أيضاً، وفجأة لم أعد شخصاً أمثل نفسي فقط، بل أصبحت أمثل جماعة كاملة".

وهكذا، لم يعد محمد مطالباً بشرح أفكاره وقناعاته والدفاع عنها فحسب، بل وجد نفسه مسؤولاً عن مواقف سياسية لم يتخذها وأحداث لم يشارك فيها. ثم انتهت العلاقة قبل أن تُكلل بالزواج، من دون أن يكون هناك نص قانوني يمنع استمرارها.

تكشف تجربة محمد ملامح التحولات التي أصابت معنى الزواج في بعض البيئات السورية، إذ لم يعد الشريك فرداً قائماً بذاته، بل صار يحمل معه، طوعاً أو قسراً، تاريخ جماعته وصورتها السياسية وذاكرة الحرب المرتبطة بها.

وهكذا، لم تعد الطائفة تدخل إلى علاقات الحب والارتباط من باب العقيدة وحدها، بل قد تدخل بوصفها سيرة سياسية مختصرة، أو حكماً مسبقاً على العائلة، أو سؤالاً عن الولاء والثقة والأمان.

حين يصبح الزواج امتحاناً للهوية

تخضع مسائل الزواج والأحوال الشخصية في سوريا لمرجعيات دينية وقضائية متعددة، ولا يوجد حتى اليوم نظام عام للزواج المدني الاختياري يُعقد داخل البلاد لمن يرغب من المواطنين.

وحين يوصف زواج طرفين ينتميان إلى طائفتين مختلفتين بعبارة "زواج مختلط"، فإن ذلك لا يعني وجود حالة قانونية واحدة. فعلى سبيل المثال، يمكن في الأصل عقد الزواج بين مسلمين من طوائف مختلفة أمام المحكمة الشرعية، متى استوفى شروطه العامة بوصفه عقد زواج، من دون اشتراط انتماء الزوجين إلى الطائفة نفسها، ومن دون إلزام أحدهما بالتحول إلى طائفة الآخر في أغلب الأحيان.

أما حين تكون المرأة مسلمة والرجل غير مسلم، فلا يُعقد الزواج أمام المحكمة الشرعية ما لم يشهر الرجل إسلامه. وهنا قد يتحول تغيير الدين من قناعة روحية إلى شرط لعبور العلاقة نحو الاعتراف القانوني، والمفارقة أن الزوج قد يكون ملزماً، بعد إسلامه، بالانضمام إلى غير طائفة الزوجة.

ورغم ذلك، قد ينجح القانون في إنتاج عقد زواج بين طرفين غير متطابقين من جهة العقيدة، لكنه لا يضمن القبول الاجتماعي لارتباطهما. وقد توافق العائلتان، في حين يكتشف الزوجان لاحقاً أن المسائل الأكثر تعقيداً لم تظهر عند إتمام العقد، بل مع بروز المشكلات المؤجلة التي ستفرض نفسها مستقبلاً، مثل تسجيل الأطفال والحضانة والإرث والطلاق.

فالزواج هنا ليس لقاءً بين شخصين فقط، بل نقطة تقاطع بين ثلاثة مستويات مختلفة: رغبة الفرد، وسلطة العائلة، والنظام القانوني الذي يصنف الناس بحسب انتماءاتهم الدينية.

تغيير الدين الذي لا ينتهي بانتهاء الزواج

تظهر إحدى أكثر المفارقات غرابة في قصة نقلها شخص مطلع على حالة عائلية، من دون أن نتمكن من إجراء مقابلة مباشرة مع الزوجين.

وبحسب الرواية، أراد رجل درزي الزواج من امرأة مسلمة سنية، فأشهر إسلامه حتى يتم العقد. وبعد سنوات، توفيت الزوجة، وحين قرر الزواج مرة ثانية اختار ابنة عمه، التي تنتمي بطبيعة الحال إلى طائفته الأصلية.

لكن صفته الدينية المسجلة كانت قد تغيرت، ووفقاً للمصدر، لم يكن متاحاً له الرجوع إلى وضعه السابق، فأصبحت المرأة مطالبة هي الأخرى بإشهار إسلامها حتى يتم الزواج.

وهكذا، اضطر شخصان ينتميان في الأصل إلى الطائفة نفسها إلى تغيير صفتهما الدينية كي يتزوجا من بعضهما. وربما لا يضطر هذا التغيير القانوني للدين الزوجين إلى تغيير شكل حياتهما الدينية داخل منزل الزوجية، لكنه يكشف أن الإجراء الذي يتخذه الإنسان لحل مشكلة آنية قد يتحول إلى هوية قانونية دائمة تلاحقه في زواجه الثاني، وتفرض نفسها على شريكه الجديد.

وسيكون لهذه الهوية القانونية أثرها في ترتيب حقوقهما في ميراث أهليهما، وفي ما سيورثانه لأطفالهما لاحقاً. وحتى زواج أطفالهما في المستقبل لن يستند إلى أحكام الدين الذي يؤمن به والداهما، بل إلى أحكام الدين الذي تعترف به الوثيقة المدنية.

اقرأ أيضاً

 

اسمي ودين أبي وطائفة أمي.. هوية لا تتسع لها خانة واحدة

تعيد جنى حنا (28 عاماً)، وهي مؤثرة وصانعة محتوى سورية تقيم في دبي، تعريف المسافة بين الهوية الشخصية والهوية القانونية من داخل قصتها العائلية.

كان والدها مسيحياً قبل زواجه، ثم أصبح مسلماً بعده بحكم القانون، في حين تنتمي والدتها إلى الطائفة الإسماعيلية. وتصف جنى علاقتهما بأنها "قصة ملحمية طويلة، تخللتها محاولات انفصال فشلت تحت وطأة الحب".

ولكي يتمكن والدا جنى من الزواج، أشهر الأب إسلامه. لكنه لم يكن، بحسب ابنته، شديد التدين في السابق، كما لم يكن راغباً في التحول العقائدي من دين إلى آخر.

وتصف جنى ما جرى بأنه "إجراء قانوني، لكنه أثر في علاقاته العائلية، خصوصاً في البداية".

ولم تكبر جنى في عائلة منشغلة بتحديد موقعها على الخريطة الطائفية، وإنما اكتشفت هذه الخريطة خارج منزلها. وتقول: "لم يربّنا والدانا تربية دينية مخصوصة بدين واحد أو طائفة محددة. اكتشفنا الاختلافات الدينية والطائفية في المدرسة، أما في البيت، فقد قامت التربية على المبادئ والأخلاق، وعلى أن الله رحمة ومحبة".

وتكشف تجربة جنى أن الطائفة لا تُورث دائماً داخل الأسرة، بل قد يفرضها المجتمع على الأبناء من خلال الأسئلة المتكررة: ماذا تكون؟ ومن أي طائفة؟ وإلى أي طرف تنتمي؟

وتؤكد أن أسئلة المجتمع لم تكن عنيفة في ظاهرها، بل كانت تنطلق من دافع الفضول لدى كثيرين اعتادوا على أن تعريف الآخر لنفسه لا يكتمل إلا بوضعه في خانة دينية واضحة المعالم والحدود. وحين يرفض حصر انتمائه في طائفة واحدة، يتحول الغموض المحيط به إلى موضع شك.

وتقول جنى إنها واجهت، في حالات قليلة جداً، "تخويناً من أطراف مختلفة بسبب غياب الانتماء المطلق إلى أي جهة دينية أو طائفية".

وحين سُئلت عن السبب، أجابت: "في المجتمعات المنقسمة، قد يُثار أحياناً قلق طرف ما بسبب انتماء طرف آخر بعينه، أما الأكثر إثارة للقلق فهو من يرفض الانتماء إلى أي طرف!".

الحرب رفعت الحدود إلى سطح الحياة

تتذكر ليلى (27 عاماً) أن عائلتها عرفت قبل الحرب زيجات بين أبناء طوائف مختلفة، من دون أن تتحول كل واحدة منها إلى أزمة.

أما الآن، وبعد مرور سنوات الصراع، فقد "أصبح الجميع أكثر حذراً، وكأن الثقة بين الناس تراجعت"، بحسب قولها.

وعن التأثير المباشر لهذا الصراع، توضح الدكتورة سوسن المللي أن الحرب لم تُنشئ الانقسامات من الصفر، لكنها منحتها حضوراً أكبر، إذ ترى أنه "كلما ازداد الشعور بالخوف وعدم الاستقرار، تميل المجتمعات إلى الانغلاق داخل الدائرة الأقرب إليها، سواء كانت العائلة أو العشيرة أو الطائفة".

وهكذا، تتحول الجماعة القريبة في أزمنة الخوف إلى ملجأ، لكن هذا الملجأ يرسم في الوقت نفسه حدوداً بين من هم في الداخل ومن هم في الخارج. ولهذا، يصبح الزواج داخل المجموعة، بالنسبة إلى بعض الأسر، وسيلة لحماية الهوية وتقليل المخاطر، وليس مجرد تفضيل اجتماعي.

وهذا يعني أن الحرب لم تغير مشاعر الناس فقط، بل غيّرت، إلى حد أبعد، طريقة قراءة دلالات الأسماء والمناطق والعلاقات. فلا عجب أن يصبح اسم العائلة دليلاً سياسياً، واسم المنطقة قرينة اتهام، وأن يُعامل الخاطب كما لو كان يحمل إلى البيت رواية كاملة عن الصراع.

ومع ذلك، تحذر المللي من التعميم، وتقول: "لا يمكن حصر الموقف من الزواج المختلط في رأي واحد، وغالباً ما تختلف الصورة من مدينة إلى أخرى ومن عائلة إلى أخرى، فالمجتمع السوري ليس كتلة واحدة. هناك أسر دفعتها الحرب إلى الانغلاق، وأخرى دفعتها الهجرة والاختلاط إلى مراجعة أفكارها. وفي العائلة نفسها، قد يقبل الأبناء ما يرفضه الآباء، أو يحدث العكس".

من ذاكرة الحرب إلى المقاطعة اليومية

بلغ انتقال الطائفية إلى الحياة اليومية وعلاقات الزواج مستوى أكثر علنية مع ظهور وسم "أنا لست شجرة" في حزيران/يونيو 2026، حين استخدمت حسابات على منصات التواصل الاجتماعي الوسم للدعوة إلى مقاطعة أبناء الطائفة العلوية اقتصادياً واجتماعياً، بما يشمل الأطباء والصيدليات والمتاجر، والامتناع عن الاختلاط بهم أو الزواج منهم أو بناء أي شكل من أشكال العلاقات الاجتماعية معهم.

ورغم ادعاء مؤيدي الحملة أنها أداة سلمية للمحاسبة، فإن معظم الآراء اتهمتها بتحويل الانتماء الطائفي إلى أساس للإدانة، وحذرت من تأييدها بوصفها تهديداً صريحاً للتعايش والسلم الأهلي.

 

خطاب الجبهة خارج الجبهة

كشفت الحملة أيضاً استمرار لغة الحرب بعد تراجع المعارك، فالخطاب الذي يقسم العالم إلى عدو وصديق لم يعد محصوراً في الإعلام العسكري أو ساحات القتال، بل انتقل إلى مقاطع الفيديو القصيرة والمنشورات السريعة، وإلى مستخدمين يتحدثون كما لو كانوا شهوداً وقضاة ومقاتلين في الوقت نفسه.

وحين تنتقل لغة الحرب إلى العلاقات اليومية، يصبح الزواج نفسه ساحة رمزية. وهكذا، صار الزواج من شخص ينتمي إلى طائفة أخرى يُفسر أحياناً بوصفه خيانة، وصار عدم قبوله يُقدَّم على أنه موقف أخلاقي أو سياسي، لتتحول العلاقات العاطفية الخاصة إلى إعلان ولاء عام.

الأطفال.. الأسئلة المؤجلة

قد ينجح الزوجان في تجاوز اعتراض الأسرة وإتمام الزواج، لكن الخلافات التي جرى تأجيلها تعود عند ولادة الأطفال: كيف سيُسجل الطفل؟ وأي تربية دينية سيتلقى؟ وكيف ستوزع الأعياد والمناسبات؟ وأي محكمة ستنظر في الحضانة أو الطلاق أو الإرث إذا انهارت العلاقة؟

وفي هذا السياق، توضح الدكتورة سوسن المللي أن "الضغط لا يقع على الزوجين فقط، بل يمتد إلى الأطفال والعائلة الممتدة. وعندما يتحول اختلاف الانتماء الطائفي بين الزوجين إلى محور دائم للنقاش، ستزداد حساسية الخلافات اليومية يوماً بعد آخر، وقد تؤدي لاحقاً إلى انهيار العائلة".

وحتى عندما يتفق الزوجان على تجاوز أي مشكلات لاحقة، تؤكد المللي أنه لا يمكن ضمان التزام الجد والجدة والأقارب بهذا الاتفاق، "فالطفل لا يُنظر إليه دائماً بوصفه فرداً يملك والداه حق اختيار طريقة تربيته، بل بوصفه امتداداً لهوية الجماعة الأسرية".

هوية يصنعها الفرد

لا توافق جنى على أن نشأتها في أسرة مختلفة دينياً تركتها بلا هوية. على العكس، ترى أن والديها منحاها مسؤولية المشاركة في بناء هويتها.

وتقول: "لم يورثني والداي انتماءً جاهزاً أو قناعات مغلقة، بل تركا لي حرية بناء أفكاري بالقراءة والسؤال والتجربة، لكن هذه الحرية جعلتني مسؤولة أيضاً عن اختياراتي".

وتؤكد أيضاً أن تجربة والديها انعكست على رؤيتها للزواج، وأنها لن ترفض الارتباط بشخص لمجرد اختلافه عنها دينياً أو طائفياً، فما سترفضه في الشريك هو التشدد.

ومع ذلك، تدرك جنى أن التوافق بين شريكين مختلفين دينياً لا يلغي سلطة العائلتين وتأثيرهما في حياتهما، ولا تستبعد أن يجد أحدهما نفسه مضطراً إلى الاختيار بين شريكه وأهله.

  

حين يصبح الحب "شأناً عاماً"

تكشف تجربة محمد التي لم تنجح، إلى جانب القصص الأخرى، أن الزواج في سوريا قد يبدأ بوصفه اختياراً بين شخصين، ثم يتحول إلى اختبار تشارك فيه العائلة والطائفة والقانون وذاكرة الحرب.

فقد انتهت علاقة محمد بالفتاة التي أحبها لأن العائلتين رأتا فيهما جماعتين قبل أن تريا شخصين مستقلين.

ورأينا أيضاً كيف امتد أثر تغيير الدين من زواج إلى آخر، حتى فرض على شخصين من طائفة واحدة ضرورة تغيير صفتهما الدينية قانونياً كي يتزوجا.

ورغم ذلك، لا يمكن الحكم على جميع الزيجات المختلطة وفق قاعدة واحدة، إذ يمكن أن يمر بعضها بهدوء، وقد ينجح بعضها الآخر بعد سنوات من الرفض، لكن كثيراً منها اليوم ينكسر قبل الوصول إلى المحكمة.

وما يجمع بين هذه القصص جميعاً هو أن الحب فيها يضطر إلى التفاوض مع قوى تتجاوزه، مثل القانون والأسرة والمؤسسة الدينية وذاكرة الحرب.

وتنبه المحامية فاتن ديركي، المختصة بقضايا الأحوال الشخصية، إلى أنه "في بعض القضايا تكون المشكلة قانونية فعلاً، وفي حالات أخرى يكون موقف الأسرة أكثر تعقيداً من القانون. رأيت زيجات نجحت رغم اختلاف الانتماء الديني، وأخرى انهارت رغم انتماء الطرفين إلى الطائفة نفسها".

ولا يكفي، إذاً، تعديل القوانين وحده، وإن كان توفير زواج مدني اختياري قد يفتح طريقاً أمام من لا تتسع لهم المرجعيات القائمة. فالمسألة تتعلق أيضاً بثقافة ترى الزواج امتداداً للجماعة، وتتعامل مع اختيار الشريك كما لو كان إعلان ولاء أو خروجاً على الهوية.

وفي مواجهة ذلك، تقدم تجربة جنى احتمالاً آخر: أسرة لم تنكر اختلافها، لكنها لم تجعل منه محور حياتها، وأبناء لم يرثوا إجابات مغلقة، بل تحمّلوا مسؤولية بناء هوياتهم بأنفسهم.

وتقول جنى: "أتمنى ألا يضطر أي شاب أو فتاة إلى الاختيار بين حبه وعائلته أو قبوله اجتماعياً".

وربما لا يتعلق السؤال الأعمق بقدرة السوريين على الحب خارج طوائفهم، فقد فعلوا ذلك من قبل وما زالوا يفعلونه. وإنما يتمثل السؤال في ما إذا كان القانون والمجتمع قادرين مستقبلاً على حماية هذا الاختيار، وعلى محاسبة الإنسان بناءً على أفعاله، لا بناءً على الاسم الديني أو الطائفي الذي ورثه عند الولادة.

تلفزيون سوريا



المصدر:
http://www.syriasteps.com/index.php?d=127&id=206697

Copyright © 2006 Syria Steps, All rights reserved - Powered by Platinum Inc