رياح التكنولوجيا الصينية تعصف بعلامات السيارات الألمانية
12/07/2026





سيرياستيبس 


تواجه صناعة السيارات الألمانية ضغوطاً متزايدة بفعل المنافسة الصينية والتحول الكهربائي، مما يدفع الشركات إلى خفض الوظائف وإعادة الهيكلة للحفاظ على تنافسيتها العالمية.

تواجه صناعة السيارات الألمانية واحدة من أشد الأزمات في تاريخها الحديث، فبعدما ظلت طويلاً رمزاً للقوة الصناعية والجودة، تجد هذه الصناعة نفسها اليوم محاصرة بين منافسة صينية شرسة في قطاع السيارات الكهربائية، وتوترات تجارية مع الولايات المتحدة، ونموذج عمل يُنظر إليه على أنه باهظ الكلفة وبطيء للغاية في مواكبة التحولات المطلوبة.

وتشهد كل من شركتي "مرسيدس-بنز" و"فولكس فاغن" تراجعاً في المؤشرات، ومن المتوقع أن تكون تدابير إعادة الهيكلة مؤلمة.

ففي "مرسيدس-بنز"، أبدى آلاف الموظفين بالفعل مخاوفهم، إذ تظاهر أكثر من 33 ألف شخص احتجاجاً على برنامج شامل لخفض الكلفة.

وتدرس إدارة المجموعة تمديد ساعات العمل مقابل الأجر نفسه بهدف "تعزيز القدرة التنافسية"، وكانت الشركة، التي أعلنت عن تراجع في نتائجها الفصلية أواخر أبريل (نيسان) الماضي، قد شهدت انخفاضاً في أرباحها بنسبة 17 في المئة على أساس سنوي لتصل إلى 1.43 مليار يورو (1.63 مليار دولار)، مبررة ذلك بـ"ظروف صعبة" في السوق الصينية على وجه الخصوص.

قطاع برمته في مفترق طرق
وتبدو الأزمة أكثر وضوحاً لدى مجموعة "فولكس فاغن"، إذ تناقش إدارة المجموعة، التي تملك 10 علامات تجارية مثل "فولكس فاغن"، و"أودي"، و"سيات"، و"سكودا"، و"بورشه"، وغيرها، خطة لإعادة الهيكلة وُصفت بأنها "غير مسبوقة".

ومن المقرر تنظيم احتجاجات نقابية في كثير من المصانع، بالتزامن مع اجتماع مجلس الرقابة لمناقشة خطة لخفض الكلفة تعدها الإدارة ضرورية.

وتخطط المجموعة بالفعل لإلغاء 50 ألف وظيفة في ألمانيا بحلول عام 2030، بما في ذلك 35 ألف وظيفة ضمن علامتها التجارية الرئيسة "فولكس فاغن".

ويدرس الرئيس التنفيذي أوليفر بلومه حالياً إلغاء 100 ألف وظيفة على مستوى العالم، وهو ما يمثل نحو 16 في المئة من إجمال القوى العاملة في مجموعة "فولكس فاغن"، وإغلاق ثلاثة مصانع تابعة للشركة في ألمانيا، إضافة إلى منشأة تابعة لعلامة "أودي".

وقد تم الاتفاق على عمليات خفض الوظائف هذه مع النقابات في أواخر عام 2024، وذلك مقابل التزام الشركة بعدم إغلاق أي مصانع لها في ألمانيا حتى نهاية العقد الحالي في الأقل، لكن مجلس الإدارة سيستعرض خطة شاملة تتضمن إغلاق أربعة مصانع في ألمانيا، وهي مصانع هانوفر، وإمدن، وتسفيكاو، ومصنع "أودي" في نيكارسولم، وإلغاء ما يصل إلى 50 ألف وظيفة إضافية.

وفي حال الموافقة عليها نهائياً، ستؤدي هذه التدابير إلى خفض القوى العاملة العالمية لشركة "فولكس فاغن"، التي تبلغ حالياً نحو 630 ألف موظف، بنسبة تقارب 15 في المئة.

وحذّرت كل من رئيسة نقابة "آي جي ميتال" كريستيان بينر، ورئيسة مجلس العاملين في شركة "فولكس فاغن" دانييلا كافالو، في بيان مشترك، من أنهما ستعرقلان هذه الخطط "بأي وسيلة ضرورية".

وتشغل كلتاهما عضوية مجلس الرقابة، وقد تعهدتا بالدفاع عن مصالح القوى العاملة خلال المحادثات، بالتزامن مع الإعلان عن تنظيم تجمعات عمالية في مواقع كثيرة.

وهيكل ملكية "فولكس فاغن" يُعقّد أي عملية إعادة هيكلة، إذ تمتلك ولاية ساكسونيا السفلى، التي تضم المقر الرئيس للشركة في فولفسبورغ وستة من مصانعها، حصة كبيرة كافية لعرقلة القرارات الرئيسة.

وتشهد صناعة السيارات الألمانية بأكملها، بما في ذلك شركة "بي إم دبليو"، عمليات خفض للوظائف وإعادة هيكلة، وذلك في ظل تباطؤ الطلب واشتداد المنافسة. وتواجه تحديات تشمل الرسوم الجمركية الأميركية المفروضة على مركبات معينة.

ويعلق المتخصص في مجال تسويق السيارات نزار بن حليلو، في تحليله لـ"اندبندنت عربية"، قائلاً إن "المنافسة الشرسة من العلامات التجارية الصينية، والتأخر التكنولوجي في مجالات التنقل الكهربائي والتقنيات الرقمية والروبوتات والذكاء الاصطناعي، هي الأسباب المباشرة للأزمة، وبعدما بنت الشركات الألمانية سمعتها استناداً إلى خبرات استثنائية شملت الدقة الميكانيكية وجودة المحركات والموثوقية ومكانة العلامة التجارية المرموقة، فإن السيارة الحديثة لم تعد تعرف وحسب بقوة المحرك، فقد أصبحت مركبة المستقبل منتجاً تكنولوجياً يجمع بين تقنيات الكهربة، والبرمجيات، والاتصالية، والذكاء الاصطناعي، والخدمات الرقمية".

وفي خضم هذا التحول، نجحت الشركات المصنعة الصينية في تحقيق سبق وتفوق مبكرين، إذ لم تكن مقيدة بالإرث الصناعي للعلامات التجارية الأوروبية، مما أتاح لها التركيز المباشر على التقنيات الجديدة. وقد استثمرت هذه الشركات مبكراً في البطاريات، والأنظمة الإلكترونية، والبرمجيات المدمجة، وسلسلة الإنتاج بأكملها اللازمة للمركبات الكهربائية.


وفي حين كانت الصناعة الألمانية لا تزال تسعى إلى تحسين وتطوير نموذجها التقليدي القائم على محركات الاحتراق الداخلي، كانت الصين تعكف بالفعل على إعداد الجيل المقبل من السيارات، فقد طورت منظومة متكاملة تتيح لها الآن التصنيع بوتيرة أسرع وطرح مركبات كهربائية تتمتع بقدرة تنافسية عالية.

ويضيف بن حليلو "انطلاقاً من خبرتي في مجال مبيعات السيارات في ألمانيا، ألاحظ أن تغير سلوك المستهلكين يشكل عاملاً مهماً أيضاً، فلم يعد المشترون يبحثون وحسب عن علامة تجارية مرموقة أو محرك عالي الأداء، بل باتوا يمنحون أولوية متزايدة للتكنولوجيا، والمدى الذي تقطعه السيارة بشحنة واحدة، والميزات الرقمية، والقيمة مقابل السعر".

ولا يعني هذا أن العلامات التجارية الألمانية قد فقدت قيمتها، فسمعتها وخبراتها وقدرتها على الابتكار تواصل تأثيرها في السوق، ومع ذلك، فقد تطورت طبيعة المنافسة العالمية، ولم تعد البراعة الميكانيكية كافية وحدها، إذ انتقلت ساحة المنافسة القادمة إلى مجالات البطاريات والبرمجيات والبيانات والقدرة على التكيف السريع.

وسيكون مستقبل صناعة السيارات حكراً على الجهات القادرة على الجمع بين الهندسة والتكنولوجيا والرؤية الاستراتيجية، وقد أثبتت الصين أنها أدركت هذا التحول في وقت مبكر، وهو ما مكنها من الاستحواذ بسرعة على حصة كبيرة من السوق"

الهندسة الميكانيكية في مواجهة البرمجيات
وتقع الصين في صلب الأزمة التي تواجهها "فولكس فاغن"، فبعدما كانت لفترة طويلة السوق الرئيسة للشركة، تحولت إلى تحدٍ للعلامات التجارية الألمانية.

واستحوذت العلامات التجارية الصينية على ما يقارب من 70 في المئة من سوقها في الصين عام 2025، مرتفعة بنسبة 40 في المئة عن عام 2020.

أما النتيجة فهي واضحة، فشركة "فولكس فاغن"، التي كانت تبيع ما يصل إلى 11 مليون مركبة سنوياً في السوق العالمية، وتُنتج غالبيتها في أوروبا، باعت 9 ملايين مركبة عام 2025، ولا تبدو الآفاق المستقبلية أفضل حالاً.

وقد أقر أوليفر بلومه بنفسه في مارس (آذار) الماضي بأن "نموذج أعمالنا المعتمد منذ عقود لم يعد صالحاً، بسبب ظروف خاصة بأسواق إقليمية متنوعة، وتحولات في السياسات التجارية، ومتطلبات تنظيمية صارمة، وهيكل الكلفة المرتفع لدينا".

ويمهد هذا التقييم الطريق للنظر في تقليص الحضور الصناعي للشركة في ألمانيا، وهي خطوة طالما عدت أمراً لا يمكن المساس به.

ولا تقتصر الضغوط على تلك القادمة من الأسواق والنقابات العمالية وحسب، بل تشمل أيضاً مسهمين قدامى يتمتعون بنفوذ كبير داخل شركة صناعة السيارات الألمانية، إذ تكثف عائلتا "بورشه" و"بيش"، اللتان تسيطران على المجموعة، من مطالبهما الموجهة إلى المدير التنفيذي.

لكن، وبعيداً من حالتي "فولكس فاغن" و"مرسيدس-بنز"، يثير الوضع تساؤلات أوسع نطاقاً حول مستقبل صناعة السيارات الألمانية برمتها.

ويرى المحلل الاقتصادي جمال بن جميع أن ألمانيا تدفع ثمن وهم الاعتقاد بأن التفوق الميكانيكي، وقوة العلامة التجارية، والانضباط الصناعي، ستكون كافية للتعامل مع الثورة الكهربائية.

وقال "غير أن هذه الثورة لا تقتصر على قطاع السيارات وحسب، بل تمتد لتشمل مجالات الطاقة والبرمجيات والتعدين، لقد كان محرك الاحتراق الداخلي يمثل الميدان الطبيعي لألمانيا، فهو عالم قائم على الدقة والهندسة، أما السيارة الكهربائية، فتنقل مركز الثقل نحو البطاريات والبرمجيات المدمجة والتحكم في الكلفة ووتيرة الابتكار".

وفي هذه المجالات، تقدمت الصين بفضل رؤية استراتيجية تليق بفاعل دولي، في حين ظلت ألمانيا مترددة لفترة طويلة.

وفي المقابل، كان لزاماً على ألمانيا تطوير صروحها الصناعية الضخمة التي شيدت خصيصاً لمحركات الاحتراق الداخلي.

ولم تكن تفتقر إلى المعرفة الفنية، بل افتقرت إلى السرعة والرؤية الاستراتيجية، فبينما كانت ألمانيا لا تزال تسعى إلى إتقان "عالم الأمس"، كانت الصين تبني "عالم الغد".

ولا يعني هذا أن الصناعة الألمانية محكوم عليها بالفشل، فهي تنتج المركبات الكهربائية على نطاق واسع، وتحتفظ بمكانتها كقوة هندسية رائدة، وقادرة على استعادة زخمها من خلال التركيز على الجودة والسلامة ومكانة الفئة الفخمة، والاعتماد على البطاريات والبرمجيات الأوروبية.

لكنها لن تستعيد مكانتها إلا بقبول حقيقة مؤلمة، وهي أن التحول نحو السيارات الكهربائية لا يكافئ أفضل المهندسين وحسب، بل يكافئ أيضاً المنظومات الصناعية الأسرع استجابة وتطوراً.

وباختصار، تمتلك ألمانيا القدرة على التكيف، لكنها تدرك الآن أن التأخر في هذه المعركة لم يعد يُقاس بالأعوام الصناعية التقليدية، بل بدورات تطوير البرمجيات ومصانع البطاريات العملاقة (Gigafactories) وأسعار البطاريات وسرعة اتخاذ القرار."

ويذكر بن جميع أن بيانات وكالة الطاقة الدولية كشفت أن الصين استحوذت على ما يقارب من 75 في المئة من الإنتاج العالمي للسيارات الكهربائية عام 2025، في حين تخلف الاتحاد الأوروبي كثيراً عن الركب.

ومع ذلك، تظل ألمانيا ثاني أكبر منتج للمركبات الكهربائية في العالم بعد الصين، مما يثبت أن المشكلة لا تكمن في نقص القدرات، بل في تراجع نسبي للمكانة التنافسية.

اندبندنت عربية 



المصدر:
http://www.syriasteps.com/index.php?d=133&id=206455

Copyright © 2006 Syria Steps, All rights reserved - Powered by Platinum Inc