سوريا تقرر سحب الليرة التركية من شمال البلاد
08/07/2026



سوريا تقرر سحب الليرة التركية من شمال البلاد
حاكم مصرف سوريا المركزي : حصر جميع المعاملات المالية والتجارية بالليرة السوري
ومختصون يحذرون من حدوث صدمة طلب على الدولار بدل الليرة السورية.. ويدعون الى خلق قنوات استثمار وإدخار محفزة بالعملة الوطنية 

الملخص :
رغم قيام  محافظة " إدلب " بإصدار تعميم  في كانون الأول - ديسمبر 2025  ألزمت فيه جميع المؤسسات العامة والخاصة ، بما فيها المصارف ومحطات الوقود والأفران ومكاتب الصرافة ، بالتعامل بالليرة السورية حصراً , فإن " الليرة التركية " بقيت هي المهيمنة على التداول والتعاملات النقدية

دمشق :
في الوقت الذي تُظهر فيه الليرة السورية تحسناً واضحاً أمام الدولار الذي تراجع الى مستوى 2900 ليرة , و بينما  تقترب العملة الجديدة " محذوفة الصفرين " ,من بسط سيطرتها الكاملة في مختلف التداولات فقدان العملة القدية لقيمتها  الإبرائية  نهاية الشهر الحالي , أعلن مصرف سوريا المركزي بدء خطة لسحب الليرة التركية تدريجياً من التداول في أسواق الشمال وخاصة محافظة إدلب وإيقاف ضخ كميات جديدة منها، بالتزامن مع افتتاح فرع  للمركزي  في المنطقة لتعزيز حضور الليرة السورية  و استعادة السيادة النقدية تدريجياً  , ويأتي توجه المركزي هذا في إطار مسار توحيد السياسة النقدية وتعزيز حضور العملة الجديدة على كامل الجغرافيا السورية  . 
 

وكان حاكم مصرف سوريا المركزي، صفوت رسلان، فجر قبل أيام مفاجأة اقتصادية وسياسية بدعوته المواطنين إلى اعتماد الليرة السورية بشكل كامل في كل التعاملات المادية في الشمال السوري وخاصة محافظة "إدلب " , مؤكداً أنّ  الهدف هو حصر جميع المعاملات المالية والتجارية في المستقبل بالليرة السورية ، داعيًا المواطنين إلى البدء بالتوجه نحو استخدام العملة المحلية 

 " رسلان " كشف خلال افتتاحه فرع للمصرف المركزي في مدينة إدلب شمال سوريا  بعد 11 عاما على توقفه ، عن عقده اجتماعاً مع حاكم المصرف المركزي التركي ومؤسسة البريد التركية لبحث الترتيبات اللوجستية اللازمة لسحب الليرة التركية تدريجياً , ووقف ضخها إلى الداخل السوري بشكل كامل , بما لا يثير حالات من الهلع أو القلق لدى السكان و يعزيز من حضور الليرة السورية في إدلب بعد 6 سنوات على بدء استخدام الليرة التركية بالتعاملات اليومية , الأمر الذي خلق صعوبات في دمج المحافظة نقديا ً مع البلاد بعد سقوط النظام البائد .

100 مليون دولار حجم الكتلة النقدية بالليرة التركية في إدلب

 ورغم قيام  محافظة " إدلب " بإصدار تعميم  في كانون الأول - ديسمبر 2025  ألزمت فيه جميع المؤسسات العامة والخاصة ، بما فيها المصارف ومحطات الوقود والأفران ومكاتب الصرافة ، بالتعامل بالليرة السورية حصراً , فإن " الليرة التركية " بقيت هي المهيمنة على التداول والتعاملات النقدية , مع الاشارة هنا الى أنّ  السكان في الشمال وإدلب يتعاملون بعدة عملات كالدولار واليورو والليرة السورية القديمة والجديدة , إلا أنّ الاكثر انتشاراً وتداولاً هي الليرة التركية

منذ صيف العام 2020، يتعامل الأهالي في الشمال السوري بالليرة التركية ، بعد حظر استخدام الليرة السورية ، وكانت الليرة السورية قد فقدت أكثر من 90 في المئة من قيمتها ,  ومع سقوط النظام البائد عادت الليرة السورية للتداول في الشمال السوري الى جانب الدولار والليرة التركية

ومع طرح العملة السورية الجديدة وبدء صرف رواتب موظفي القطاع العام بالليرة السورية، ازداد تعقيد المشهد النقدي في إدلب ، في ظل استمرار تعدد العملات المتداولة الذي يواجه الأهالي بتحديات يومية عند شراء احتياجاتهم وإتمام معاملاتهم المالية

تقدرالكتلة النقدية من الليرة التركية المتداولة رسمياً في الشمال السوري بما يتجاوز100 مليون دولار يتم ضخ نحو70 مليون دولار مليون شهرياً كرواتب ومصاريف لموظفي المجالس المحلية . وتستخدم كعملة أساسية للتبادل التجاري وتسعير السلع ما يؤكد أن التكلة المتداولة أوسع وأكبر من الأرقام المعلنة 

 ماذا لو كان التحول نحو الدولار وليس الليرة السورية ؟   

اقتصاديون ومصرفيون سوريون رأوا أنّ سحب عملات دول الجوار، كالليرة التركية ، من التداول في الأسواق السورية " عدا عن كونه أمراً سيادياً " , فإنه سيسهم في رفع سعر صرف الليرة السورية وزيادة قوتها الشرائية , إلا أنهم شددوا على ضرورة تنفيذ عملية تخلي الناس عن عملة الدولة الجارة وفق سياسة مدروسة بدقة عالية

ولكن هل يكفي السحب ؟ خاصة وأنّ المحاولات السابقة لإعادة إحياء تداول الليرة السورية في إدلب والشمال ، سواء بالرواتب أو غيرها، أظهرت مشكلةً عميقةً تتمحور حول انعدام ثقة المواطن بعملته المحلية ، لذلك قد يكون من الطبيعي أن يتحول المواطنون إلى الادخار بالدولار أو الذهب ، كبديل أكثر منطقيةً في ظل تقلبات الليرة السورية وتراجعها

عضو غرفة تجارة دمشق محمد حلاق , أكد أنّه بمقدار ما يستطيع المركزي إتقان عملية السيطرة ودعم الليرة السورية ، ومنع  تداول أو حتى تخفيف استخدام الليرة التركية أو أي عملة أخرى ، فهو يقوم حكماً بعمل إيجابي لصالح العملة الوطنية والاقتصاد معاً

وأوضح في تصريح لموقع " اندبندنت عربية " , أنّه قد يكون من الصعب منع تداول الليرة التركية بمجرد صدور قرار , فالأمر يحتاج الى وقت وتوفر ظروف مساعدة حتى تستقر الأمور ويتم فعلاً التمكن من إلغاء تداول العملة التركية وغيرها على أرض الواقع , وفي كل الأحوال يبدو أمراً مهماً  أن يقوم المركزي بمحاولة جادة لتخفيف تداول  أي عملة أخرى غير الليرة السورية التي يجب أن تكون الوحيدة  في التداول بصفتها العملة الوطنية  

التاجر السوري , نصح بإدارة عملية سحب الليرة التركية عبر سياسة موضوعة بدقة ووفق مراحل ومدعومة بإجراءات وتنسيق عالي المستوى مع المركزي التركي لتأمين تطبيق الخطوة تحت مظلة تشريعات وقوانين واضحة ومحفزة للناس , وقادرة على إنجاز الأمر بيسر وسهولة  , مركزاً في حديثه على قطاع الاعمال الذي يجب أن يكون سباقاً في اعتماد الليرة السورية طالما أنها متوفرة  خاصة وأنّ هناك فئات عالية وجيدة من العملة الجديدة ؟   

   "حلاق "  قال  متسائلاً , ولكن ماذا عن الدولار ؟  اذا كانت الجمارك تدفع  بالدولار, وسلفة ضريبة الدخل بالدولار والإنفاق الاستهلاكي بالدولار, فهذا يعني أننا لا نستطيع الاستغناء عن التسعير بالدولار , والذي سيبقى مستخدماً بينما نحاول بسط سيطرة الليرة في كل التعاملات , متمناً أن يكون استخدام الدولار مرحلة انتقالية وأن لا تتطور ؟   

 مشدداً على أنّ قرار سحب الليرة التركية من التداول قد يشكل الطريق الصحيح الوحيد لإنقاذ العملة على المدى الطويل , ولكن تطبيقه في الواقع الحالي ومن دون شروط مسبقة سيكون له تأثير سلبي ومدمر على سعر الصرف على المديين القصير والمتوسط.
لذلك فإنّ النجاح في تحقيق الأهداف مرهون بتوفر شروط قادرة على توسيع قاعدة الطلب على الليرة السورية , خاصة وأنّ البلاد تبدأ عهدها مع عملة جديدة , ويكون ذلك من خلال تحفيز زيادة الطلب على شراء السلع ودفع الرواتب والآجارات بالليرة السورية , مؤكداً أنّ نجاح ذلك في نهاية المطاف مرتبط بوجود ليرة سورية قوية لا يهرب منها الناس , على أنّ الزام الناس التداول  بها يشكل أحد عناصر الداعمة لتحسين قيمتها في حين يبدو التضخم العدو الأهم لليرة والسبب الرئيس للهروب منها الى الليرة التركية
مؤكداً أن أحد أهم عناصر النجاح هو إنجاز تعاون وتنسيق عالي المستوى مع المركزي التركي بشكل يوقف ضخ العملة التركية الى الداخل السوري , محذراً من حدوث صدمة طلب على الدولار بدل الليرة السورية خاصة لغايات الادخار عوضاً عن الليرة التركية , الأمر الذي يمكن أن يؤدي الى تراجع الليرة السورية لمصلحة الدولار ,
مؤكداً  في هذا السياق على ضرورة توفير سيولة كافية من الليرة السورية الجديدة في السوق وإعادة هيكلة الأجور بالعملة الوطنية خاصة وأن القطاع الخاص في مناطق الشمال يسدد رواتبه بالليرة التركية

؟ ظروف التعامل بالليرة التركية انتهت
 
  مدير مصرف فرنسبنك سوريا " نديم مجاعص " , رأى أن توجه المركزي لسحب الليرة التركية من التداول في الشمال السوري أمر طبيعي ومتوقع لأن كل دولة في نهاية المطاف عليها أن ترسخ وتفرض التعامل بعملتها المحلية التي هي أحد رموز سيادتها      
موضحاً أنّ التعامل بالليرة التركية كان مرحلة فرضتها ظروف معينة غير طبيعية أو لنقل مرحلة انتقالية , وأيضا الآن نمر بمرحلة انتقالية في سوريا وهناك أمور مسموحة للضرورة وتلبية لواقع معين , فالناس تداولت وعملت وادخرت بالدولار والليرة التركية واليورو في ظل ظروف فرضت ذلك.
وأضاف , الدولة اليوم في مرحلة باتجاه استعادة سيادتها على أرضها ونقدها واقتصادها  , والعملة هي أحد أهم رموز السيادة الاقتصادية , وهي تقول بكل وضوح أنها تريد لمواطنيها أن يتعاملوا بعملة البلد الوطنية وليس التعامل بعملة أخرى ليس لها سلطة عليها ولا على إصدارها , وهذا ينطبق على الدولار أيضا  , أي أنّ الدولة السورية اليوم تحاول وقف التعامل بعملات تعود لدول أخرى وهذا قرار طبيعي , وكان يجب أن يُتخذ آجلا أم عاجلا , وأعتقد " يتابع مجاعص حديثه لموقع اندبندنت عربية " ,  أنّ هذا التوقيت مناسب جداً , ومؤكداً على ضرورة أن  تدارالعملية بحكمة وبأدوات وسياسات نقدية حكيمة وفاعلة كي لاتكون هناك نتائج سلبية على الاقتصاد والليرة في الوقت الذي يمكن تحقيق نتائج إيجابية من الأمر خاصة وأنّ هناك تعاون من قبل الجانب التركي , الى جانب المضي قدماً في تطوير البنية التحتية الرقمية التي باتت حاجة ملحة اليوم 

خلق قنوات استثمار وادخارمحفزة  بالليرة السورية  

  يؤكد اقتصاديون سوريون على ضرورة  إرفاق خطوة الاستغناء عن الليرة التركية بسياسات نقدية قادرة على تحقيق الإصلاح الذي يؤمن لجم معدلات التضخم العالية  إعادة بناء الثقة بالعملة المحلية ، وضمان عدم اللجوء الجماعي نحو التحوط بالدولار ، ماقد يشكل  المزيد من الضغط على الليرة السورية ،  كما أن هناك مشكلة أخرى تتمثل بمخزون الليرة التركية فهو أقل من الدولار
 
الخبير المصرفي السوري " محمد الآغا " ,  أكد أن القرار سليم جداً وكان متوقعا إذ لا يجوز استخدام عملة دولة مجاورة في إحدى المدن السورية ,  مشيراً في تصريح لموقع " اندبندنت عربية " أن هذه الخطوة تمثل إعادة دمج حقيقية لمحافظة إدلب في الاقتصاد الوطني ، مما سيزيد الطلب على الليرة السورية ويدعم قيمتها  , لأنّ استقرار العملة يرتبط بقدرة الحكومة والمصرف المركزي على إدارة و ضبط الكتلة النقدية المطروحة للتداول ، وأعتقد يقول " الآغا " أنه مع طرح العملة الجديدة يبدو الأمر أسهل من السابق فالحكومة اليوم هي المتحكمة بالإنفاق الجاري الذي يشمل كتلة الرواتب والأجور ومصاريف الاستهلاك اليومي للمؤسسات الحكومية ، والإنفاق الاستثماري الموجه لمشروعات البنية التحتية والمشروعات الاقتصادية التنموية وهذا يعني أنها قادرة على منع حدوث أي طفرة مفاجئة في طرح النقد في السوق 
  المختص السوري أوضح ,  أنه كي تحصد الحكومة نتائج سحب الليرة التركية من الشمال السوري لابد من العمل بقوة من أجل بناء الثقة بالعملة الوطنية على أسس اقتصادية ونقدية سليمة  والعمل على كبح التضخم باجراءات مستدامة و السعي  لبناء قاعدة انتاجية قوية تتيح فرص حقيقية للتصدير بما يقلص الفجوة مع الاستيراد الى جانب تخفيف القيود المفروضة على الليرة من خلال سياسة حبس الكاش المستمرة منذ سنوات , وضبط المالية العامة وتوحيد سعر الصرف وخلق قنوات ادخار محلية موثوقة أمام المواطنين تغنيهم عن الادخار بالليرة التركية او بالدولار
مشيراً في هذا السياق الى أنّ فرض التعامل بالليرة السورية مكان تداول أكثر من عملة بما فيها التركية سيحمي الناس من تقلبات سعر الصرف ووقوعهم في براثن تجار العملة الذي يشكلون اليوم الطبقة الأخطرعلى الاقتصاد السوري , متوقعاً أن يساعد حصر التعامل بالليرة السورية الجديدة في تحقيق الاستقرار لدى الناس خاصة لجهة تخليصهم من عبء تداول عملتين قديمة وجديدة آملاً أن يكون هناك معروض كاف من الليرة الجديدة وأن يلتزم قطاع الأعمال باعطاء الرواتب بالليرة السورية  , مشيراً في هذا السياق الى أنّ الدولار ينتشر في الشمال السوري أكثر من الليرة التركية لأن السكان هناك يفضلونه للادخار هربا من تضخم الليرة التركية , لذلك يتوجب على المركزي مراقبة عملية التحول جيداً , والتأكد من أنّ الليرة السورية هي البديل , وتحقيق ذلك  لن يتم إلا بتوفير مقومات حقيقية للثقة بالليرة وضمان استقرارها وخلق فرص استثمار وادخار مجزية بها  
 المختص السوري ختم حديثه بالقول , في كل الأحوال فإنّ ن النجاح في سحب الليرة التركية من الأسواق ليس بالأمر السهل ويحتاج الى خطوات صارمة على الأرض وتحقيق كل ذلك مرهون بتوفر أدوات سياسة نقدية فاعلة  وتحقيق استقرار في سعر الصرف
 



المصدر:
http://www.syriasteps.com/index.php?d=131&id=206407

Copyright © 2006 Syria Steps, All rights reserved - Powered by Platinum Inc