العقار الابن البار... كيف تشكلت ثقافة التملك لدى العرب؟
18/06/2026
سيرياستيبس
الفرد العربي ينجذب لتملك العقارات لا تأجيرها، إذ يشعر بـ"الأريحية" في مكان يمتلكه وليس ملكاً لشخص آخر، عكس الشخص الأجنبي، فيرتبط دائماً بمكان عمله، الذي قد يتغير أكثر من مرة في العام الواحد، بالتالي يرى أن التملك "خياراً ليس ذكياً"، لأنه سيقيده في حرية الحركة وتوظيف رؤوس أمواله.
لم تثن موجات التذبذب التي عصفت بعديد من القطاعات الاقتصادية بفعل الأحداث والنزاعات السياسية الدولية الأربعيني يوسف عماد (اسم مستعار) عن قراره بمواصلة شراء العقارات، رافضاً الإنصات إلى نصائح أسرته وأصدقائه المقربين بالبحث عن بدائل استثمارية جديدة يدخر فيها أمواله، كالبورصة وأسواق المال أو الذهب أو شهادات الادخار البنكية لتنويع مصادر أرباحه.
شعر الأربعيني أن العقار هو ضالته وخياره الأمثل والوحيد لادخار "تحويشة العمر" التي تحصل عليها على مدى 10 سنوات قضاها في غربته منذ مغادرته مصر للالتحاق بشركة برمجيات بإحدى الدول العربية، متمسكاً بما توارثه عن آبائه وأجداده، بأن العقار مثل "الابن البار" أو "الصديق الوفي" لا يخذل صاحبه أبداً. حال عماد يتشابه مع كثيرين سواء داخل بلدانهم العربية أو خارجها، إذ يبقى العقار المُشترى لا المستأجر هو الخيار الأفضل لديهم، سواء بهدف الاستثمار أو حتى المسكن وإن كان بصورة غير دائمة، ما يطرح تساؤل عريض حول: لماذا يفضل الإنسان العربي شراء المنازل على استئجارها؟ أية ثقافة تقف وراء هذا السلوك؟
وفق توصيف متخصصين، في حديثهم إلى "اندبندنت عربية"، فإن هذا الإقبال العربي يعد "هوساً بشراء المنازل"، موضحين أن هذا يعود لأمرين رئيسين، الأول عوامل سيكولوجية نفسية واجتماعية، تميل للرغبة في الشعور بالأمان والاستقرار والوجاهة الاجتماعية وتدعيم الروابط الأسرية، وعوامل اقتصادية تبحث عن تحقيق الربح والاستفادة من العوائد المالية من دون المخاطرة في أنشطة استثمارية أخرى تترنح أحياناً صعوداً وهبوطاً متأثرة بالأزمات المحيطة.
يفسر عماد إقباله على شراء المنازل، خلال حديثه إلى "اندبندنت عربية"، بأن "الحوائط والجدران أصول لا تخسر قيمتها المالية، ولا مخاطرة فيها، مقارنة بالأنشطة الاستثمارية الأخرى، أعتبرها ملاذاً آمناً حصيناً لمستقبل أسرتي وأبنائي، لحمايتهم من تقلبات الدهر وعثرات الدنيا، كما أنها تمنحني شعوراً بالأمان النفسي والاستقرار المعيشي"، موضحاً أنه اشترى شقتين لأبنائه في مدن جديدة بمصر، علاوة على شاليه فندقي من أجل قضاء الإجازة المصيفية به رفقة عائلته، مؤكداً أنه يداوم على تصفح مواقع الإنترنت والتواصل الاجتماعي لمتابعة كل المستجدات عن المشاريع العقارية أملاً في انتهاز أية فرص جديدة للشراء.
موروث ثقافي واجتماعي
يقول أستاذ علم الاجتماع السياسي الدكتور سعيد صادق "شغف الفرد العربي بشراء المنازل جزء من الموروث الثقافي والاجتماعي الذى نشأ وتربى عليه، إذ يشعر أنها تمنحه إحساساً بالأمان والاستقرار النفسي هرباً من صدمات المستقبل، فضلاً عن أنه يعتبرها ملاذاً مناسباً لعائلته، لأنها تخلق أماناً طويل المدى، وتساعد في تنويع مصادر دخله، وتفتح الطريق لنقل الثروة إلى الأبناء، لأنها يمنحهم أصل واضح يمكنهم إدارته، أو تأجيره، أو بيعه، أو تطويره بحسب احتياج العائلة".
ويعتقد صادق، خلال حديثه إلى "اندبندنت عربية"، أن العربي يميل دائماً إلى الأصل الملموس على أرض الواقع من "خرسانة وطوب وأسمنت"، لأنه يعتبره بمثابة "سند وفي" له في أوقات الشدة، وقد يكرس حياته بأكملها يجمع أموالاً لشراء عقار، مضيفاً أن بعض الأفراد ممن لديهم فوائض مالية يلجأون أحياناً لشراء أكثر من منزل في بلدان عدة من منطلق الوجاهة الاجتماعية والتباهي بأملاكهم في المدن الجديدة والمشاريع القومية والمدن الساحلية أمام عامة الناس، بخلاف شهوة سطوة النفوذ والقوة وترقية المستوى المعيشي.
ويترسخ أيضاً في عقلية المواطن العربي، وفق صادق، مفهوم الترابط الأسري، إذ يرتبط العربي أحياناً بعلاقات نسب ومصاهرة في دول عدة، لذلك يفضل دائماً خيار التملك عن التأجير من أجل لم شمل الأسرة والأبناء والأحفاد في مكان واحد، فضلاً عن أن الثقافة السائدة في المجتمعات العربية لا تزال ترى في امتلاك منزل شرطاً من الشروط الرئيسة لقبول الشاب من عائلة العروس عكس من يرغب في الاستئجار ينظر إليه أنه "غير مستقر مالياً"، وهو أمر نابع عن شعور كثير من الأسر العربية بالخوف والقلق من تغير القوانين العقارية أو تعرضهم للطرد من المالك أو رفع قيمة العقار بصورة مفاجئة، لافتاً إلى أن الدراما أسهمت في تعظيم النظرة المجتمعية لأهمية ملكية المنزل، إذ تعاملت بنظرة تقدير وامتنان لمن يمتلك مسكناً ونظرة دونية لمن يستأجره.
وبحسب أستاذ علم الاجتماع السياسي، فإن العقار ما زال مرتبطاً في أذهان كثيرين بأنه أصل متعدد الاستخدامات، ويمنح صاحبه شعوراً بالارتياح المالي والقدرة على التحكم وضمانة لمواجهة أي التزامات أو أعباء حياتية طارئة، كما أن الأفراد الذين نشأوا في مجتمعات زراعية يكونون أكثر حرصاً على تملك أكثر من منزل، بحكم الأعراف والتقاليد المتعارف عليها، التي تندرج تحت مسمى "العزوة والمكانة الاجتماعية".
لا مخاطرة أو خسائر
تعضد أستاذ علم النفس السياسي الدكتورة سوسن الفايد ما ذهب إليه صادق في تفسيره، إذ ترى أنه لا يمكن فصل قيمة العقار تاريخياً عن الحسابات الاستثمارية الراهنة، موضحة أنه على رغم التقلبات الاقتصادية والتوترات السياسية التي نشبت على مدى السنوات الماضية، فإنه لا يزال ينظر إلى العقار أنه "منتهى الأمان"، بحسب تعبيرها، موضحة أن حسابات العقلية العربية دائماً ما تعتمد في سيكولوجية تركيبها على اقتناص الفرص التي تضمن له وأبناءه حياة آمنة، ويبحث دائماً عما يحقق له الحماية من أية أزمات طارئة.
تضيف الفايد، خلال حديثها إلى "اندبندنت عربية"، أن الفكر العربي يحبذ دائماً فكرة عدم المخاطرة بالدخول في أنشطة استثمارية بديلة بها قدر من المخاطرة قد تهدد بفقدان رأس المال حال حدوث أية أزمات اقتصادية أو سياسية، منوهة أن العقار لا يزال يحتفظ بقوته وتأثيره وجدانياً على رغم الإغراءات والعروض التنافسية للأنشطة الاستثمارية.
ما طرحته الفايد يتماشى مع رؤية الاقتصادي المختص في الاستثمار والتمويل الدكتور هشام إبراهيم، قائلاً "الشخصية العربية لديها ولع وعشق بامتلاك المنزل باعتبار أنه الوعاء الادخاري الأكثر أماناً وربحية، والأقل في حسابات الخسارة والمخاطرة، عكس الأجنبي الذي يميل للاستثمار الإنتاجي، الذي يعتمد على شراء الشركات أو المصانع ويقبل دائماً بحسابات المكسب والخسارة".
ووفق تقرير صادر عن شركة "سفلز" المتخصصة عالمياً في الاستشارات العقارية في أكتوبر (تشرين الأول) 2023، بلغت القيمة الإجمالية للعقارات في العالم نحو 379.7 تريليون دولار في نهاية عام 2022، منخفضة 2.8 في المئة عن العام السابق، وعلى رغم ذلك إلا أن الاتجاه طويل المدى رصد ارتفاعاً بنسبة 18.7 في المئة على مدى السنوات الثلاث الماضية، مما يظهر أن العقارات تظل أكبر مخزن للثروة العالمية بهامش كبير وتتجاوز قيمة أسواق الأسهم والسندات العالمية مجتمعة.
ويوضح إبراهيم لـ"اندبندنت عربية" أن كثيراً من الأثرياء العرب يفضلون الاستثمار في العقار عن بقية البدائل الاستثمارية الأخرى، لأنه أسهل في عمليات "التسييل والبيع"، والأقل تأثراً بقلاقل السوق واضطراباتها، ورغبة في إخفاء قيمة مدخراتهم، إذ لا يكتشف أحد قيمة العقار إلا أثناء بيعه فقط، لافتاً إلى أن القطاع العقاري على رغم الأزمات إلا أنه ما زال جاذباً ويجمع في طياته مزيجاً من مزايا الأوعية الاستثمارية الأخرى، إذ يتمكن صاحبه من الحصول على قيمة مضافة سريعة حال رغبته في بيعه، عكس الذهب الذي قد يضطر للانتظار حتى يحصل على ربح منه بعد سنوات عدة.
وتشير تقديرات (IMARC Group) المعنية بتقديم أبحاث واستشارات تحليل السوق الدولية، إلى أن هناك نمواً في سوق العقارات في الشرق الأوسط بصورة متسارعة، بلغت قيمته 420.5 مليار دولار في عام 2025، ويتوقع بلوغها 849 مليار دولار بحلول عام 2034.
ويوضح الخبير الاقتصادي أن قرار شراء العقار يختلف بين الفرد العادي والثري، إذ يبحث الأول عن احتياجه المباشر مثل "المساحة والسعر والاقتراب من مكان عمله"، فيما يعتمد الأثرياء على خطة أوسع تستهدف الاستفادة من فرص تأجيرها أو الانتظار لمضاعفة سعرها، ثم بيعها بأثمان باهظة أو ترك ثروات طائلة لعائلاتهم.
احتياج وليس رفاهية
ومن واقع تجربته، يرى المختص في القطاع العقاري المستشار أسامة سعد الدين أن الفرد العربي ينجذب لتملك العقارات لا تأجيرها، إذ يشعر بـ"الأريحية" في مكان يمتلكه وليس ملكاً لشخص آخر، عكس الشخص الأجنبي، فيرتبط دائماً بمكان عمله، الذي قد يتغير أكثر من مرة في العام الواحد، بالتالي يرى أن التملك "خياراً ليس ذكياً"، لأنه سيقيده في حرية الحركة وتوظيف رؤوس أمواله.
يضيف سعد الدين، الذي يشغل منصب المدير التنفيذي لغرفة التطوير العقاري باتحاد الصناعات المصرية لـ"اندبندنت عربية"، أن المواطن العربي يلجأ أحياناً إلى تملك عقار لأبنائه في بلدان دراستهم ثم بيعه عقب التخرج مباشرة، للاستفادة من عوائده، وآخرون يفضلون شراء المنازل في المدن الجديدة والمشاريع الساحلية الجديدة، لتكون بمثابة وحدات مصيفية لهم هرباً من حرارة الطقس المرتفعة والاستمتاع بها في أوقات العطلات والإجازات رفقة أسرهم، ثم إعادة تأجيرها عقب سفرهم للربح من ورائها.
في السياق ذاته يرى الخبير المختص في القطاع العقاري كريم عابدين أن العقلية العربية ترى في امتلاك العقار "احتياجاً وليس رفاهية"، موضحاً أن السوق العقارية باتت تشكل نقطة جذب وإغراء لأي مواطن عربي، لا سيما في ظل التقلبات الاقتصادية التي شهدتها الأسواق الاقتصادية خلال الآونة الماضية، مستشهداً بمثال "أغنى أثرياء العالم العرب لديهم محفظة هائلة من العقارات السكنية والأراضي ويعتبرونها من الأذرع الاستثمارية الآمنة لهم".
وفي مارس (آذار) الماضي، أعلنت قائمة "فوربس الشرق الأوسط للأثرياء العرب"، أن ثروات المليارديرات العرب شهدت ارتفاعاً ملاحظاً خلال عام 2026، إذ تجاوزت ثرواتهم الإجمالية للمرة الأولى 138.7 مليار دولار، وأظهرت البيانات أن العقار يمثل قاسماً مشتركاً بينهم ومحوراً أساسياً في استراتيجياتهم لتعظيم الثروة وحمايتها.
اندبندنت عربية
المصدر:
http://www.syriasteps.com/index.php?d=207&id=206095