كيف سيبدو الشرق الأوسط اقتصاديا في حال غياب إيران؟
15/06/2026






سيرياستيبس 


غياب إيران عبر سيناريو فوضوي قد يؤدي إلى موجة جديدة من التضخم العالمي في وقت لا تزال فيه البنوك المركزية الكبرى تتعامل مع آثار التشديد النقدي الذي بدأ بعد أزمة التضخم العالمية بين عامي 2022 و2024.

منذ عام 1979، لم تعد إيران مجرد دولة إقليمية كبيرة تقع بين الخليج وآسيا الوسطى، بل تحولت إلى أحد أهم المتغيرات المؤثرة في الاقتصاد السياسي للشرق الأوسط. وعلى مدار 47 عاماً، ارتبطت حركة أسواق النفط، ومستويات الأخطار الجيوسياسية، ومسارات الاستثمار الأجنبي، وحتى سياسات البنوك المركزية في عدد من الدول، بصورة مباشرة أو غير مباشرة بالدور الإيراني داخل المنطقة.

لهذا السبب، فإن السؤال حول شكل الشرق الأوسط في حال غياب إيران لا يتعلق بمصير دولة واحدة فحسب، بل بإعادة رسم توازنات اقتصادية وأمنية تراكمت عبر عقود طويلة.

فإيران اليوم ليست مجرد قوة سياسية، بل اقتصاد يضم أكثر من 92 مليون نسمة، وناتجاً محلياً إجمالياً يقدر بنحو 356 مليار دولار وفقاً لتقديرات صندوق النقد الدولي لعام 2025، ما يجعلها واحدة من أكبر الاقتصادات في الشرق الأوسط. 

إمكانات الطاقة في إيران
وتمتلك رابع أكبر احتياط نفطي مؤكد في العالم وثاني أكبر احتياط من الغاز الطبيعي، وهي أرقام تمنحها وزناً استثنائياً في معادلة الطاقة العالمية.

عندما نتحدث عن سيناريو "الشرق الأوسط بلا إيران"، فإننا لا نتحدث بالضرورة عن اختفاء الدولة جغرافيا، بل عن ثلاثة احتمالات رئيسة: انهيار شامل للدولة المركزية، أو تحول سياسي جذري يؤدي إلى انكفاء النفوذ الخارجي، أو عزلة استراتيجية طويلة الأمد تقلص تأثيرها الإقليمي. وبين هذه السيناريوهات تتحدد ملامح المنطقة الجديدة.

اقتصادياً، يبدو التأثير الأكثر مباشرة مرتبطاً بأسواق الطاقة، فإيران لا تشكل فقط منتجاً مهماً للنفط والغاز، بل تسيطر جغرافياً على الضفة الشمالية لمضيق هرمز، أحد أهم الممرات البحرية في العالم. ووفقاً لوكالة الطاقة الدولية، مر عبر المضيق خلال عام 2025 نحو 20 مليون برميل يومياً من النفط والمنتجات النفطية، أي ما يعادل نحو 25 في المئة من تجارة النفط البحرية العالمية، ويمر عبره ما يقارب 19 في المئة من تجارة الغاز الطبيعي المسال في العالم.

الفراغ الأمني والسياسي
هذه الأرقام تكشف عن أن أي فراغ سياسي أو أمني داخل إيران لن يكون حدثاً محلياً، فحتى لو استمرت الحقول النفطية في الخليج بالإنتاج الطبيعي، فإن مجرد ارتفاع الأخطار حول المضيق كفيل بإعادة تسعير النفط عالمياً.

وخلال العقود الماضية، أثبتت الأسواق مراراً أنها تتفاعل مع احتمالات التعطيل أكثر من تفاعلها مع التعطيل الفعلي نفسه. فالمستثمرون يشترون ويبيعون بناءً على توقعات المستقبل لا على الوقائع القائمة فقط.

وفي حال انهيار الدولة الإيرانية بالكامل، فإن أول تداعيات ذلك ستكون أمنية قبل أن تكون اقتصادية. تمتلك إيران حدوداً مشتركة مع العراق وتركيا وأذربيجان وأرمينيا وتركمانستان وأفغانستان وباكستان، بإجمال يتجاوز 5 آلاف كيلومتر.

تحديات انفصالية وقومية
أي اضطراب واسع داخل هذه الدولة سيخلق فراغاً أمنياً يمتد من الخليج إلى القوقاز وآسيا الوسطى، ومن المرجح أن تظهر تحديات انفصالية وقومية في عدد من الأقاليم، خصوصاً في المناطق الكردية والبلوشية وبعض المناطق الحدودية الأخرى.

التاريخ الاقتصادي يقدم درساً مهماً في هذا السياق، فحين انهارت الدولة العراقية بعد عام 2003، لم تقتصر التداعيات على الداخل العراقي، بل امتدت إلى أسواق النفط والاستثمار والتجارة الإقليمية لأعوام طويلة.

لكن المقارنة مع إيران تكشف فارقاً جوهرياً، فعدد سكان إيران يزيد على سكان العراق قبل الغزو بأكثر من ثلاثة أضعاف، كما أن الاقتصاد الإيراني أكثر تشابكاً مع شبكات الطاقة الإقليمية والعالمية.

ارتفاع أسعار النفط
ومن زاوية الأسواق المالية، فإن غياب إيران سيؤدي إلى تغيرات متناقضة، فمن جهة، قد ترتفع أسعار النفط بصورة حادة في المرحلة الأولى نتيجة ارتفاع الأخطار الجيوسياسية.

ومن جهة أخرى قد تستفيد بعض اقتصادات الخليج من زيادة التدفقات الاستثمارية إذا اعتقد المستثمرون أن المنطقة تتجه نحو توازنات أكثر استقراراً على المدى الطويل.

وتشير تجارب الأسواق خلال الأزمات الجيوسياسية الكبرى إلى أن ارتفاع أسعار النفط بمقدار 10 دولارات للبرميل يمكن أن يضيف ضغوطاً تضخمية ملموسة على الاقتصادات المستوردة للطاقة، خصوصاً في آسيا وأوروبا.

لذلك فإن غياب إيران عبر سيناريو فوضوي قد يؤدي إلى موجة جديدة من التضخم العالمي في وقت لا تزال فيه البنوك المركزية الكبرى تتعامل مع آثار التشديد النقدي الذي بدأ بعد أزمة التضخم العالمية بين عامي 2022 و2024.

خسارة مئات المليارات 
لكن الصورة تختلف تماماً إذا كان الغياب الإيراني ناتجاً من تحول سياسي داخلي يؤدي إلى تقليص النفوذ الإقليمي دون انهيار الدولة. في هذا السيناريو قد تصبح إيران نفسها أحد أكبر المستفيدين اقتصادياً، إذ إن جزءاً كبيراً من التحديات الاقتصادية الإيرانية خلال العقدين الماضيين ارتبط بالعقوبات والعزلة المالية وصعوبة الوصول إلى الاستثمارات الأجنبية والتكنولوجيا الغربية.

وتشير تقديرات مختلفة إلى أن الاقتصاد الإيراني خسر مئات المليارات من الدولارات من فرص الاستثمار والتجارة خلال فترات العقوبات الممتدة. 

وأظهرت دراسات اقتصادية حديثة أن أعوام المواجهة الطويلة أدت إلى خسائر كبيرة في الناتج المحلي الإجمالي وفي تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر مقارنة بما كان يمكن تحقيقه في ظروف اندماج اقتصادي طبيعي مع الاقتصاد العالمي.

التوازنات السياسية والاقتصادية
في المقابل، ستجد القوى الإقليمية الأخرى نفسها أمام واقع جديد، فالسعودية، التي تقود أكبر برنامج تحول اقتصادي في المنطقة عبر "رؤية 2030" قد تستفيد من تراجع التوترات الأمنية في الخليج.

أما العراق، فقد يكون الدولة الأكثر تأثراً، لأن جزءاً كبيراً من توازناته السياسية والاقتصادية منذ عام 2003 تشكل في ظل وجود نفوذ إيراني مباشر وغير مباشر.

ولا يمكن إغفال البعد الدولي في هذا المشهد، فالولايات المتحدة وروسيا والصين والاتحاد الأوروبي بنت جميعها استراتيجيات طويلة المدى على أساس وجود إيران كلاعب محوري.



"حنظلة" المرتبطة بإيران تتوعد بقرصنة مسيّرات المونديال
الصين، على سبيل المثال، تعتمد بصورة كبيرة على واردات الطاقة القادمة من الخليج، بينما تعد من أكبر الشركاء التجاريين لإيران، وأي تغير جذري في موقع طهران سيجبر بكين على إعادة حساباتها المتعلقة بأمن الطاقة وسلاسل الإمداد.

هل تستقر إيران؟
أما بالنسبة إلى أسواق النفط، فإن الاعتقاد بأن غياب إيران سيؤدي تلقائياً إلى انخفاض الأسعار يمثل تبسيطاً مفرطاً، فإيران ليست فقط مصدراً للتهديدات الجيوسياسية كما يصورها البعض، بل هي أيضاً منتج مهم للطاقة، بالتالي فإن اختفاء إنتاجها أو تراجع صادراتها يعني انخفاض المعروض العالمي.

وفي المقابل، فإن انخفاض الأخطار السياسية قد يضغط على الأسعار نزولاً، والنتيجة النهائية تعتمد على أي العاملين سيكون أكثر تأثيراً في السوق.

لهذا السبب، فإن الشرق الأوسط من دون إيران لن يكون بالضرورة أكثر استقراراً أو أكثر اضطراباً بصورة مطلقة، بل سيكون شرق أوسط مختلفاً تماماً، ستتغير فيه شبكات النفوذ والتحالفات، وستعاد صياغة طرق التجارة والطاقة والاستثمار، وستظهر مراكز قوة جديدة تسعى إلى ملء المساحات التي ستخلفها طهران.

وإذا كان القرن الـ21 شهد صعود إيران كأحد أهم الفاعلين الإقليميين، فإن غيابها المحتمل، بأي صورة كانت، لن يمثل مجرد حدث سياسي عابر، بل نقطة تحول تاريخية تعيد تشكيل الجغرافيا الاقتصادية للشرق الأوسط لعقود مقبلة.

الدول الكبرى قد تتغير، لكن آثارها في الأسواق والتجارة والطاقة تبقى حاضرة لفترة أطول بكثير من وجودها السياسي المباشر، وفي حال إيران، يبدو أن حجم هذه الآثار سيكون كافياً لإعادة رسم خريطة المنطقة بأكملها، من مضيق هرمز إلى شرق المتوسط، ومن أسواق النفط إلى مراكز المال العالمية.

اندبندنت عربية 



المصدر:
http://www.syriasteps.com/index.php?d=131&id=206042

Copyright © 2006 Syria Steps, All rights reserved - Powered by Platinum Inc