عندما انتصر السوريون على المستنقعات وخسروا معركة الاستدامة
المهندس ياسر أسعد في مقاربة واقعية : الغاب سهل الخير و جسر المصالحه الوطنيه..
اليوم حيث جراح الحرب أعمق وأمرّ من أي مستنقع، فإن
الإرادة المشتركة قادرة على صنع المعجزة مرة أخرى بمشروع سلم أهلي ومصالحة
وطنية يرتدي ثوب الزراعة , ولعل بذرة الغاب التي ستُزرع في الموسم القادم
تحمل في داخلها ليس فقط وعداً بالخير، بل وعداً بسوريا التي يستحقها
أبناؤها جميعاً
في مقاله الجديد لموقع سيرياستيبس , يتوجه المهندس ياسر الأسعد الى سهل الغاب , محاولا تقديم رؤيا تُمكن البلاد من تجفيف مستقنع الفساد ووالمحسوبيات و الإهمال الذي غمر الغاب لسنوات طويلة , وحان الوقت ليكون إشراقة سوريّة , تُكرسهُ مكاناً للعيش المشترك وجسراً للسلم الأهلي وخزاناً غذائياً للسوريين الذين تعبوا من الحرب والفساد والإهمال .. ويريدون النجاة بحياتهم وحياة أولادهم , والنهوض بخيرات أرضهم وزرعهم .
سيرياستيبس
كتب المهندس ياسر علي أسعد
في الثالث عشر من كانون الثاني عام 1951، اتخذ المجلس النيابي السوري قراراً يُعدّ حتى اليوم واحداً من أجرأ القرارات التنموية في تاريخ البلاد الحديث , تجفيف واستصلاح سهل الغاب , لم يكن المشروع مجرد خطة زراعية بل رؤية وطنية كبرى لإعادة تشكيل الجغرافيا والاقتصاد والمجتمع معاً
كان سهل الغاب يوماً ما بحيرةً هائلة ومستنقعاً مخيفاً ، تغمره مياه العاصي والسيول والأمطار، وتتكاثر فيه أسراب البعوض الناقل للملاريا, بدأ التنفيذ الفعلي عام 1954 واستمر لسنوات طويلة، شمل خلالها تجفيف نحو 35 ألف هكتار من المستنقعات وتعميق مجرى نهر العاصي لمسافة تقارب خمسين كيلومتراً وإنشاء شبكات ري وصرف تُعدّ من أعقد المشاريع الهندسية في المنطقة آنذاك , استعانت الدولة السورية بشركات ألمانية وإيطالية متخصصة ولا يزال السوريون أبناء المنطقة حتى اليوم يطلقون اسم “شقة الألمان” على بعض المواقع في ذاكرة شعبية تختزن حجم ذلك التحول التاريخي .
موّلت سوريا المشروع من مواردها الذاتية، ومن الرهان على قيمة الأرض بعد استصلاحها , كان ذلك الزمن زمن دولة تؤمن بأن التنمية ليست شعاراً , بل مشروع سيادة وطنية .
وحين انتهت أعمال التجفيف بدأت مرحلة أكثر حساسية توزيع الأراضي على الفلاحين , أرادت الدولة خلق طبقة زراعية مستقرة ومنتجة فمُنحت الأراضي للمزارعين وفق شروط اجتماعية ومهنية مع إعطاء الأولوية لمن يعتمدون على الزراعة كمصدر رزق أساسي , نشأت قرى وتجمعات جديدة وانتقل آلاف السوريين من أرياف حماة وحمص وإدلب واللاذقية إلى السهل الذي أصبح أهم السلال الغذائية في البلاد .
نجح المشروع في القضاء على الملاريا وارتفع الإنتاج الزراعي بشكل كبير وتحولت الأرض التي كانت مصدراً للموت إلى مصدر للحياة , لكن النجاح الهندسي لم يكن كافياً وحده فمع مرور السنوات، بدأت التصدعات تظهر ببطء , الاستنزاف المائي وسوء إدارة شبكات الري والصرف وضعف الصيانة والتوسع في الزراعات الشرهة للمياه , كل ذلك أدى إلى تراجع خصوبة أجزاء واسعة من السهل , انخفضت الرطوبة الطبيعية وتضررت التغذية الجوفية وبدأ تملح التربة يهدد الأراضي التي كانت يوماً حلم التنمية السورية الأكبر.
الأخطاء .. المحسوبيات وفوضى العمران
ثم جاءت الأخطاء الإدارية والسياسية لتزيد الجرح عمقاً بعد تشكيل لجان لتوزيع الأراضي واتهم كثيرون عمليات التوزيع بالمحسوبية والفساد، وتحولت بعض سياسات الاستصلاح إلى أدوات نفوذ أكثر منها أدوات عدالة اجتماعية , ومع الوقت تراجعت قدرة المؤسسات الرسمية على حماية المشروع واستدامته .
لكن الضربة الأقسى ربما جاءت من الفوضى العمرانية كان المخُطط إنشاء عشر قرى نموذجية حديثة في الغاب، تضم آلاف المقاسم السكنية ، بهدف حماية الأراضي الزراعية من الزحف الإسمنتي العشوائي , كان المشروع يحمل رؤية متقدمة , تنمية عمرانية تحمي الأرض بدل أن تلتهمها , ولكن المشروع تعثر لعقود طويلة بسبب الخلافات والمحسوبيات وغياب التمويل وتضارب الصلاحيات وتحولت القرى النموذجية إلى أطلال إسمنتية مهجورة ومع غياب البديل, بدأ البناء غير المرخص فوق الأراضي الزراعية نفسها فبدأ السهل يخسر بصمت أغلى ما يملك, تربته الخصبة , تحولت مساحات واسعة من الحقول إلى كتل إسمنتية عشوائية بلا تخطيط ولا بنية تحتية ولا صرف صحي حقيقي وهكذا خسرت سوريا جزءاً مهماً من قدرتها الزراعية بسبب غياب الإدارة والعزيمه والفساد .
ثم جاءت الحرب لتفتح الجرح بالكامل ,ألغام وتهجير وتدمير واستثمار لأراضي الغائبين وانهيار البنية التحتية وتراجع الإنتاج الزراعي إلى مستويات خطيرة , السهل الذي كان يوماً مشروعاً وطنياً جامعاً تحول إلى ضحية جديدة للفوضى السورية الكبرى
مستنقعات سوء التخطيط وقصر النظر وسطوة الفساد ر
مع ذلك… لم يمت الغاب , لا تزال هذه المنطقة واحدة من أهم الثروات الزراعية في سوريا، ولا تزال تملك القدرة على العودة إذا توفرت الإرادة السياسية والإدارية الرشيده , فإعادة تأهيل الغاب ليست مجرد قضية زراعية بل قضية أمن غذائي واستقرار اجتماعي وتنمية وطنية .
إن قصة الغاب ليست مجرد قصة مستنقعات جُففت بل قصة وطن حاول أن ينتصرعلى المرض والفقر بالتخطيط والعلم والعمل الجماعي,وتحذير قاسٍ بأن المشاريع الكبرى لا تعيش بالإنجاز وحده , بل تحتاج إلى صيانة مستمرة وعدالة اجتماعية وإدارة شفافة وتخطيط عمراني صارم يحمي الأرض من الجشع والفوضى .
ولم يكن التحدي محصوراً داخل حدود سهل الغاب نفسه. فقد رأى كثير من الخبراء والمهندسين الزراعيين تمت استشارتهم أن نجاح المشروع كان يفترض أن يتوسع ليشمل إدارة متكاملة لحوض العاصي بأكمله ولا سيما سهل الروج في إدلب , عبر تحسين إدارة المياه والحد من الاستنزاف الجوفي وتنظيم التوسع العمراني العشوائي الذي التهم مساحات واسعة من الأراضي الخصبة , غير أن سوء التخطيط ، وتراجع الاستثمار في البنية التحتية الزراعية ثم سنوات الحرب والانقسام حالت دون تحقيق هذه الرؤية بصورة متكاملة .
انهيار تربية الجاموس
ولعلّ أهم الخسارات صمتاً وألماً في سهل الغاب كانت الانهيار شبه الكامل لتربية الجاموس المائي السوري، المعروف باسم “ذهب الغاب الأسود” لارتباطه بنمط حياة كامل قائم على المياه والمراعي والتكافل الاجتماعي والذي شكّل لعقود طويلة جزءاً أصيلاً من هوية المنطقة واقتصادها الريفي ,حين كانت قطعان الجاموس تنتشر في السهل وتؤمّن مصدر رزق لمئات العائلات عبر إنتاج الحليب والقيمر والجبن الأبيض التي اشتهرت بها أسواق حماة وحلب ودمشق.
لكن الحرب، والجفاف، وتراجع منسوب المياه وانهيار الدعم الزراعي , دفعت هذا الموروث الزراعي نحو حافة الانقراض حبث تشير التقديرات إلى تراجعها إلى أقل من 200 رأس , كثير من المربين اضطروا لبيع قطعانهم أو ذبحها بعد النزوح وفقدان المراعي فيما انهار إنتاج الحليب بصورة حادة بسبب غياب البيئة الطبيعية المناسبة لهذا الحيوان الذي يعتمد على المياه والبرك الرطبة للتبريد والرعي , ورغم الجهود التي تبذلها وزاره الزراعه عبر محطة بحوث شطحة والتي تحولت إلى “قلعة الأمل الأخيرة” لحماية السلالة السورية من الجاموس , لأن إنقاذه وإحياء تربيته هو قضية تنموية ووطنية ويفتح الباب أمام اقتصاد ريفي جديد في سهلي الغاب والروج .
مقاربة انقاذ
اليوم تبدو الحاجة أكثر إلحاحاً إلى مقاربة وطنية جديدة ترى في المياه والأرض والزراعة عناصر توحيد بين السوريين لا ساحات صراع بينهم , فإعادة تأهيل الغاب والروج وسائر حوض العاصي لا تمثل فقط مشروعاً اقتصادياً أو زراعياً، بل يجب أن تتحول إلى منصة حقيقية للمصالحة الوطنية والسلم الأهلي عبر إعادة ربط المجتمعات المحلية بمصالح مشتركة تقوم على العدالة في توزيع الموارد، وحماية البيئة وخلق فرص العمل واستعادة شعور السوريين بأن التنمية العادلة قادرة على جمع ما فرّقته الحرب .
إن إعادة إحياء سهل الغاب يجب أن تتحول إلى مشروع وطني شامل يستفيد من التجارب الدولية في إعادة تأهيل المناطق الخارجة من النزاعات، ويأخذ بعين الاعتبار الخصوصية الجغرافية والاجتماعية والإنسانية للغاب والروج معاً فالتجارب العالمية من هولندا إلى مشاريع التوسع الزراعي في مصر، وصولاً إلى برامج إعادة الإعمار الريفي في البوسنة ورواندا بعد الحرب , تؤكد أن النجاح يبدأ من رؤية متكاملة تُعيد بناء الإنسان والأرض في الوقت نفسه , وبرامج الأمم المتحدة وصناديق إعادة الإعمار يجب أن ترتبط بمعايير واضحة تتعلق بالعدالة الاجتماعية وحقوق الإنسان والتنوع المجتمعي .
خطوات
الخطوة الأولى تبدأ من إزالة الألغام وتطهير الأراضي الزراعية، بوصفها أولوية مطلقة قبل أي عودة للإنتاج وهنا تبرز الحاجة للتعاون مع المنظمات الدولية مع وضع برامج زمنية واضحة للتطهير, فإزاله الألغام إعلان بأن هذه الأرض لم تعد ساحة حرب، بل مساحة للحياة والعمل والطمأنينة , كما يجب إعادة تأهيل منظومة الري والصرف وإطلاق ورشة وطنية كبرى لإصلاح القنوات الرئيسية، وصيانة السدود ومحطات الضخ، وتطوير تقنيات الري الحديث بالتنقيط والرش وإدخال الزراعة الذكية وتقنيات الري الحديثة والبذور المقاومة للجفاف، وإنشاء مراكز إرشاد وتدريب زراعي وتأهيل الشباب مهنياً وتقنياً، وربطهم بأرضهم بدل دفعهم للهجرة مع التأكيد على تُنفَيذ البرنامج بيد عمال ومهندسين وخبراء سوريين بحيث تتحول ورش الإعمار إلى فضاءات للتعارف واستعادة الثقة بين السوريين , كما أن بناء تعاونيات زراعية حديثة تقوم على التنوع الاجتماعي والمناطقي لإنشاء مراكز تجميع وتبريد وتوضيب للمنتجات الزراعية مما يمنح الفلاحين قدرة أكبر على التسويق والتصدير، ويخلق اقتصاداً تعاونياً قائماً على الشراكة لا الاحتكار , فالمصالح الاقتصادية المشتركة غالباً ما تكون الضامن الأعمق للاستقرار والسلم الأهلي .
أما التحدي الأكبر فهو العمراني فالحفاظ على الرقعة الخصبة يقتضي وقف الزحف الإسمنتي العشوائي، وبناء قرى سكنية حديثة على هوامش السهل والتلال المحيطة به، هذه القرى ينبغي ألا تكون مجرد تجمعات إسكانية، بل نماذج اجتماعية جديدة مختلطة الخلفيات والانتماءات، تُجسد معنى التعايش السوري.
مع ضرورة وضع إطار شفاف لحل نزاعات الملكية الناتجة عن قانون الإصلاح الزراعي والحرب والتهجير، عبر لجان قانونية وأهلية مشتركة تحفظ الحقوق وتمنع الثأر الاجتماعي.
الغاب والإجابة على سؤال المصالحة
الأرض لا تزال خصبة ونهر العاصي لا يزال يجري والغاب لا يزال ينتظر , لكن الأهم من كل ذلك السوريون — رغم كل الجراح — لا يزالون يحملون في داخلهم ذاكرة العيش المشترك وشوقاً حقيقياً إلى يوم لا يخافون فيه على أنفسهم وأبنائهم .
مشروع إحياء الغاب، بكل أبعاده الزراعية والإنسانية، يجب أن يكون الإجابة العملية على سؤال المصالحة الذي يبحث عنه السوريون, لأن السلام الحقيقي لا يُبنى في قاعات المفاوضات بل يُبنى في الحقول والمدارس والأسواق والساحات التي يلتقي فيها السوريون يومياً حول مصلحة مشتركة وهدف واحد .
سهل الغاب كان في الخمسينيات مستنقعاً حوّله السوريون بإرادتهم المشتركة إلى جنة خضراء تحكمها فسيفساء سورية بامتياز , سنّة وعلويون ومسيحيون وإسماعيليون , عرب وأكراد , متعلمون وأميون جمعتهم ضفاف العاصي وأسواق السقيلبية وجسر الشغور , واليوم حيث جراح الحرب أعمق وأمرّ من أي مستنقع، فإن الإرادة المشتركة قادرة على صنع المعجزة مرة أخرى بمشروع سلم أهلي ومصالحة وطنية يرتدي ثوب الزراعة , ولعل بذرة الغاب التي ستُزرع في الموسم القادم تحمل في داخلها ليس فقط وعداً بالخير، بل وعداً بسوريا التي يستحقها أبناؤها جميعاً .
المصدر:
http://www.syriasteps.com/index.php?d=132&id=206026