هل أصبح القطاع الخاص شريكا في القرار الاقتصادي بسوريا؟
07/06/2026





سيرياستيبس 

أعاد المؤتمر الوطني الأول لحوار القطاع الخاص، الذي استضافته دمشق بمشاركة مسؤولين حكوميين ورجال أعمال ومستثمرين وممثلي غرف التجارة والصناعة، طرح تساؤلات حول طبيعة العلاقة الجديدة التي تسعى الحكومة السورية إلى بنائها مع القطاع الخاص، ومدى تحوّل هذا القطاع من مجرد فاعل اقتصادي إلى شريك في صياغة القرار الاقتصادي.
ويأتي المؤتمر في وقت تتحدث فيه الحكومة عن مرحلة جديدة من الإصلاحات الاقتصادية، تشمل تطوير البيئة الاستثمارية، وإصلاح النظام الضريبي، وتوسيع فرص التمويل، وتعزيز دور القطاع الخاص في قيادة عملية التعافي الاقتصادي.
وخلال افتتاح المؤتمر، أكد وزير الاقتصاد والصناعة محمد نضال الشعار أن الخصخصة لا تعني التفريط بأصول الدولة، وإنما تهدف إلى رفع كفاءة الإدارة وجذب الاستثمارات وتخفيف الأعباء عن الموازنة العامة. كما شدد على أن الاقتصاد الحر لا يعني غياب دور الدولة، بل استمرارها كمنظم للسوق وضامن للمنافسة العادلة وحامٍ لشبكات الأمان الاجتماعي.
وقال الشعار إن دور الدولة في المرحلة المقبلة سيتركز على الرقابة ومنع الاحتكار وتوجيه الموارد نحو القطاعات الاستراتيجية، مؤكداً أن تحقيق النهضة الاقتصادية يتطلب الكفاءة والاستقرار والاندماج في الاقتصادين الإقليمي والدولي.

إزالة الغموض عن هوية الاقتصاد السوري
ويرى الباحث الاقتصادي أسامة القاضي أن الأهمية الأساسية للمؤتمر تكمن في أنه قدم للمرة الأولى تصوراً واضحاً للهوية الاقتصادية التي تتجه إليها سوريا خلال السنوات المقبلة.

ويقول القاضي في حديثه لتلفزيون سوريا إن المستثمرين العرب والأجانب، وكذلك المؤسسات الاقتصادية الدولية، كانوا يتساءلون خلال الفترة الماضية عن طبيعة النموذج الاقتصادي الذي ستتبناه سوريا بعد سنوات الحرب، مشيراً إلى أن كلمة وزير الاقتصاد أسهمت في إزالة جانب كبير من هذا الغموض.
وبحسب القاضي، فإن الحكومة قدمت نفسها من خلال المؤتمر بوصفها متبنية لنموذج "اقتصاد السوق الموجه"، وهو نموذج يجمع بين آليات السوق الحرة ودور الدولة الرقابي والاجتماعي، مع التأكيد على مبادئ الحوكمة ومنع الاحتكار والاستقرار التشريعي والقانوني.
ويضيف أن الرسالة الأهم التي خرج بها المستثمرون تتمثل في أن الدولة لا تتجه نحو بيع القطاع العام، وإنما نحو توسيع الشراكات مع القطاع الخاص، مع الحفاظ على دور الدولة في القطاعات الحيوية والاستراتيجية.

القطاع الخاص.. قوة اقتصادية تبحث عن دور أكبر
تشير تقديرات اقتصادية غير رسمية إلى أن القطاع الخاص يسهم بأكثر من 60% من الناتج المحلي الإجمالي، كما يستحوذ على معظم النشاط التجاري والاستيرادي في البلاد.
وفي هذا السياق، يؤكد القاضي أن القطاع الخاص لم يكن غائباً عن الاقتصاد السوري في أي مرحلة، موضحاً أنه كان يشغل قبل الحرب غالبية القوى العاملة السورية، سواء في الاقتصاد المنظم أو غير المنظم.
غير أن الجديد، وفقاً للقاضي، لا يتمثل في حجم الإسهام القطاع الخاص الاقتصادية، بل في طبيعة العلاقة التي بدأت تتشكل بينه وبين صناع القرار.
ويعتبر أن المؤتمر وفر مساحة حوار مباشرة بين الحكومة وغرف التجارة والصناعة وممثلي رجال الأعمال، وهو ما وصفه بأنه خطوة متقدمة مقارنة بما كان سائداً في السابق، حيث كانت القرارات الاقتصادية تُتخذ بصورة أكثر مركزية.
وأضاف أن من أبرز المؤشرات على هذا التوجه استجابة الحكومة خلال الأشهر الماضية لملاحظات ومطالب قدمتها غرف التجارة والصناعة بشأن بعض الرسوم والإجراءات، معتبراً أن إشراك هذه المؤسسات في مناقشة السياسات الاقتصادية يمثل تطوراً مهماً في آلية صناعة القرار.
إصلاحات ضريبية لجذب الاستثمار
من جانبه، أعلن وزير المالية محمد يسر برنية أن الوزارة تعمل على استراتيجية تحول تمتد حتى عام 2030، ترتكز على تطوير النظام المالي، وتنظيم قطاع التمويل المحلي، وتحفيز التنمية الاقتصادية الشاملة.
وأكد برنية أن جميع المبادرات التي تعمل عليها الوزارة تهدف إلى تمكين القطاع الخاص وتعزيز دوره في الاقتصاد الوطني، موضحاً أن الإصلاح الضريبي يمثل أحد أهم محاور هذه الاستراتيجية.

وكشف أن النظام الضريبي الجديد سيخفض الحد الأعلى لضريبة الدخل إلى 15% بدلاً من 35% سابقاً، مع إمكانية تطبيق نسب أقل على بعض القطاعات والمنشآت الصناعية والشركات المساهمة.
كما أعلن إعفاءات ضريبية تصل إلى أربع سنوات للمنشآت الصناعية والتجارية والسياحية المتضررة، إلى جانب معالجة القروض المتعثرة وإعادة جدولتها بهدف تسهيل عودة هذه المنشآت إلى العمل والإنتاج.
ويرى القاضي أن هذه الإعفاءات تشكل أداة ضرورية لجذب رؤوس الأموال إلى سوريا في المرحلة الحالية، معتبراً أن توسيع النشاط الاقتصادي وخلق فرص العمل يمكن أن يحقق للدولة إيرادات أكبر على المدى المتوسط مقارنة بالاعتماد على رفع معدلات الضرائب.
ويشير إلى أن الهدف الأساسي يجب أن يكون زيادة عدد المستثمرين والمنشآت المنتجة، بما يؤدي إلى توسيع القاعدة الضريبية وتحريك عجلة الاقتصاد، بدلاً من زيادة الأعباء على عدد محدود من المكلفين.

التمويل والتكنولوجيا في صلب المرحلة المقبلة
إلى جانب الإصلاحات الضريبية، كشف وزير المالية عن برنامج جديد للتسهيلات التمويلية سيجري تنفيذه عبر شراكة بين المصارف الحكومية والخاصة بضمانة سيادية من الدولة.
وتهدف هذه التسهيلات إلى تمويل تحديث خطوط الإنتاج وإدخال تقنيات جديدة إلى المنشآت الصناعية والتجارية، في محاولة لمعالجة أحد أبرز التحديات التي تواجه الاقتصاد السوري، والمتمثل في تقادم المعدات وضعف البنية التحتية الإنتاجية.
بدوره، أعلن مدير هيئة المشاريع الصغيرة والمتوسطة إيهاب زكور العمل على منصة تمويل إلكترونية تربط أصحاب المشاريع بالمصارف والجهات التمويلية، بما يسهم في تسهيل الوصول إلى التمويل وضمان توجيهه إلى مشاريع حقيقية وقابلة للحياة.
تحديات سعر الصرف والسيولة
ورغم الأجواء الإيجابية التي رافقت المؤتمر، يرى القاضي أن الاقتصاد السوري ما يزال يواجه تحديات جدية تتعلق بالقطاع المصرفي والسيولة النقدية واستقرار سعر الصرف.
ويعتبر أن عملية استبدال العملة واجهت صعوبات أثرت على سرعة امتصاص السيولة والحد من المضاربة، مشيراً إلى أن تطوير البنية المصرفية وتوسيع خدمات الدفع الإلكتروني يشكلان شرطاً أساسياً لتعزيز الثقة بالليرة السورية وضبط الكتلة النقدية.
كما يؤكد أن التوسع في استخدام أجهزة الدفع الإلكتروني والبطاقات المصرفية يمكن أن يسهم في تخفيف الضغط على السيولة النقدية وتحسين كفاءة إدارة السياسة النقدية.

بناء جسور اقتصادية مع العالم
وفي إطار الجهود الرامية إلى إعادة دمج سوريا في الاقتصاد العالمي، أعلن رئيس المجلس السوري لتنسيق مجالس الأعمال المشتركة رواد رمضان تأسيس 16 مجلس أعمال مشتركاً بين سوريا وعدد من الدول.
وأوضح أن هذه المجالس تهدف إلى بناء جسور اقتصادية جديدة مع الأسواق الخارجية وتشجيع الاستثمارات والتبادل التجاري، إضافة إلى إطلاق منصة رقمية لتنظيم عملها وربطها بالمؤسسات الحكومية السورية.
ويرى مسؤولون اقتصاديون أن هذه الخطوات قد تسهم في تحسين قدرة الاقتصاد السوري على الاندماج مجدداً في سلاسل التجارة والاستثمار الإقليمية والدولية.
بين الطموح والواقع
ورغم الحزمة الواسعة من الوعود والإصلاحات التي طُرحت خلال المؤتمر، فإن نجاحها يبقى مرهوناً بقدرة المؤسسات الحكومية على تحويلها إلى سياسات قابلة للتنفيذ.
ويشدد القاضي على أن سوريا ما تزال في بداية مسار طويل من إعادة البناء الاقتصادي، معتبراً أن تقييم التجربة يجب أن يتم وفق مقارنات مع دول خرجت من حروب وأزمات مشابهة، وليس مع الاقتصادات المتقدمة.
ويشير إلى أن بناء اقتصاد مستقر وقادر على المنافسة يحتاج إلى سنوات من العمل والإصلاحات المتراكمة، متوقعاً أن تبدأ الملامح الأساسية للنموذج الاقتصادي الجديد بالظهور بصورة أوضح مع نهاية العقد الحالي.
وفي المحصلة، يبدو أن المؤتمر الوطني لحوار القطاع الخاص قد فتح الباب أمام مرحلة جديدة من العلاقة بين الدولة والقطاع الخاص، إلا أن السؤال الأهم ما يزال قائماً: هل ستنجح الحكومة في تحويل الحوار إلى شراكة مؤسسية دائمة تتيح للقطاع الخاص المشاركة الفعلية في صناعة القرار الاقتصادي، أم أن الأمر سيبقى في حدود التوصيات والوعود؟ الإجابة عن هذا السؤال ستحددها نتائج المرحلة المقبلة أكثر مما ستحددها خطابات المؤتمرات.

 



المصدر:
http://www.syriasteps.com/index.php?d=110&id=205931

Copyright © 2006 Syria Steps, All rights reserved - Powered by Platinum Inc