هرمز تحت الحصار… كيف حولت طهران العبور إلى صدمة لأسواق النفط؟
01/06/2026





سيرياستيبس 
كتب الاعلامي غالب درويش 


الخليج، بحكم الجغرافيا، لا يقرأ مضيق هرمز بالطريقة نفسها التي تقرأه بها القوى الكبرى، فالمضيق بالنسبة إلى دوله ليس فقط مسار صادرات أو واردات، بل خط تماس مباشر بين الأمن البحري والأمن الوطني.

لم يعد مضيق هرمز مجرد ممر بحري ضيق يصل الخليج العربي بخليج عمان وبحر العرب، ولا مجرد نقطة عبور يومية لناقلات النفط والغاز، بل صار في قلب معادلة أوسع تجمع الطاقة بالقانون الدولي والعقوبات والردع العسكري.

الممر الذي ظل لعقود عنواناً لحرية الملاحة واستقرار الإمدادات، تحول مع تصاعد الأزمة إلى مساحة اختبار لقدرة إيران على استخدام الجغرافيا في إنتاج ضغط مالي وسياسي من دون إعلان إغلاق كامل.

ومن هنا لا تبدو المسألة محصورة في سفينة تأخرت أو ناقلة غيرت مسارها، بل في محاولة أوسع لإعادة تعريف المرور نفسه، من حق ملاحي دولي إلى خدمة أمنية مشروطة بممرات محددة وترتيبات مسبقة ورسوم تقدم تحت عناوين الحماية أو السلامة أو البيئة.

وتكتسب هذه النقلة خطورتها من أن مضيق هرمز ليس ممراً إقليمياً عادياً، إذ يمر من خلاله نحو 20 مليون برميل يومياً من النفط والسوائل البترولية، أي أكثر من ربع تجارة النفط المنقولة بحراً، وما يقارب خمس الاستهلاك العالمي من النفط والسوائل، كما يمر عبره نحو خمس تجارة الغاز الطبيعي المسال عالمياً، خصوصاً من قطر، بحسب إدارة معلومات الطاقة الأميركية.

ويجعل هذا الحجم أي تغيير في قواعد العبور، حتى إن لم يصل إلى الإغلاق، عاملاً مباشراً في تسعير النفط وأقساط التأمين وكلفة الشحن وحسابات البنوك وشركات الطاقة والدول المستوردة.

في الأصل، يعتمد التعامل الدولي مع المضائق المستخدمة للملاحة العالمية على مبدأ المرور العابر، بما يضمن للسفن والطائرات العبور المستمر والسريع من دون تعطيل غير مبرر.

لكن ما يجري حول هرمز يضع هذا المبدأ في منطقة رمادية، إذ لا تعلن طهران دائماً إغلاقاً شاملاً، بل تخلق نظاماً من القيود العملية، بدءاً من مسارات محددة، تنسيق مسبق، ووصولاً إلى رقابة بحرية، ومرافقة أو تفتيش، وصولاً إلى فرض رسوم أو ترتيبات مالية مباشرة وغير مباشرة، وهنا يصبح المضيق مفتوحاً شكلياً، لكنه أكثر كلفة وتعقيداً من الناحية التجارية والقانونية.

وتعتبر هذه الصيغة الرمادية أخطر من الإغلاق الصريح في بعض جوانبها، فالإغلاق الكامل يستدعي رداً دولياً واضحاً، أما بقاء الممر مفتوحاً تحت شروط متغيرة فيجعل السوق أمام حال طويلة من عدم اليقين، إذ لا تسعر شركات التأمين النوايا، بل تسعر الخطر، وحين يصبح المرور مرتبطاً باحتمال اعتراض أو تأخير أو دفع غير واضح، تتحول الرحلة الواحدة إلى ملف امتثال كامل.

ما خطورة اللايقين في هرمز؟

لعل أهم ما في التطورات حول إغلاق مضيق "هرمز" هو ما يُنتظر من تداعيات على المنطقة، خصوصاً أن السيناريو الأخطر ليس الإغلاق التام للمضيق، بل حال "اللايقين المستمر"، ففي المشهد نرى سفناً تتردد في العبور، وصعود صاروخي للتأمين البحري، وشركات عالمية تغير مساراتها بصورة متكررة.
ولعل هذا النوع من الاضطراب يخلق ما يمكن التعبير عنه برحلات محسوبة كعملية عسكرية تقريباً، مما يرفع الكلفة حتى من دون إطلاق رصاصة واحدة.

 ماذا عن التوتر؟

لعله في حال تصاعد التوتر، والتأمين على السفن في الخليج مستمر، فإن أخطر ما نراه هو تحول هذا الإغلاق إلى أداة ضغط سياسية.
شركات التأمين في لندن وسنغافورة قد تفرض "علاوات حرب" غير معلنة رسمياً لكنها فعلياً تعادل ضريبة على التجارة العالمية.

المطلوب ضغط "دولي" على طهران لعدم التلاعب في حركة بحرية عالمية حرة، لأن التلاعب بأمنها يهدد حياة الناس.

إن حماية الممر جزء من التزام دولي وليس موضوع مقايضة أو ابتزاز اقتصادي، ولعل استمرار ذلك وحدوثه في مضائق أخرى عالمية من شأنه أن يغير مسارات التجارة والطاقة والتخزين في العالم.

من هم المتضررون؟

هناك انطباع سائد أن أوروبا هي الأكثر تضرراً، لكن الواقع أن آسيا - خصوصاً الصين والهند وكوريا الجنوبية -هي الأكثر حساسية، لأن اعتمادها على النفط المار عبر هرمز أعلى بكثير ومن ثم فنحن أمام تحولات جغرافية خطرة، فمضيق هرمز ليس مجرد ممر ملاحي، بل "مفتاح نظام الطاقة العالمي"، والخطر الأكبر في أي اضطراب فيه ليس فقط في أسعار النفط، بل في تحويل عدم الاستقرار إلى جزء دائم من حسابات الاقتصاد العالمي.

الشريان الذي يحرك الأسعار
تبدأ حساسية مضيق هرمز من حجم الطاقة التي تمر عبره، لكنها لا تنتهي هناك، فالمضيق لا يخدم صادرات دولة واحدة، بل يربط منتجي الخليج بأسواق آسيا وأوروبا، ويجمع في نقطة جغرافية واحدة النفط الخام والمكثفات والمنتجات البترولية والغاز الطبيعي المسال.

وعندما تتعرض هذه النقطة للتوتر، فإن السوق لا تنتظر توقف الإمدادات بالكامل كي تتحرك، بل تبدأ في إعادة تسعير الخطر فوراً عبر النفط والعقود الآجلة والتأمين والشحن.

صدمة كبيرة في سوق النفط
في أبريل (نيسان) الماضي، وصف صندوق النقد الدولي الإغلاق الفعلي أو شبه الفعلي لهرمز بأنه أحدث صدمة كبيرة في سوق النفط، مشيراً في تقرير آفاق الاقتصاد العالمي إلى أن نحو 8.5 مليون برميل يومياً من صادرات الخام تضررت، وأن المضيق عادة يمر عبره نحو 20 مليون برميل يومياً، بينها نحو 15 مليون برميل من النفط الخام.

هذه الأرقام تفسر لماذا لا يتعامل المستثمرون مع هرمز كممر بحري فقط، بل كأحد محددات التضخم والنمو العالميين.

وتؤكد مديرة صندوق النقد الدولي كريستالينا غورغييفا أن نحو خمس إمدادات النفط العالمية وتجارة الغاز الطبيعي المسال تمر عادة عبر هرمز، وأن آسيا هي الأكثر تعرضاً، إذ تشمل هذه التدفقات ما يقارب نصف واردات النفط الآسيوية ونحو ربع واردات الغاز الطبيعي المسال في القارة.

وفي اليابان وحدها، بحسب عرض الصندوق في مارس (آذار) الماضي، تصل حصة النفط المرتبط بهرمز إلى ما يقارب 60 في المئة من وارداتها النفطية، وبهذا المعنى، لا يكون هرمز أزمة خليجية فقط، بل عقدة آسيوية وعالمية في آن واحد.

العواصم الكبرى وحسابات الرد
أدركت واشنطن أن المسألة لم تعد مرتبطة بحادثة بحرية منفردة، بل بنمط قد يتحول إلى قاعدة، لذلك طرحت الولايات المتحدة مشروع قرار في مجلس الأمن للدفاع عن حرية الملاحة وتأمين مضيق هرمز، وقالت بعثتها لدى الأمم المتحدة إن جهود التعدين وفرض الرسوم في المضيق تشكل انتهاكاً للقانون الدولي.

وفي السياق نفسه، حذر وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو من أي نظام رسوم للعبور، ووصف المسؤولون الأميركيون تحويل المرور في ممر دولي إلى نظام مدفوع بأنه غير مقبول.

وذكرت قراءة للبيت الأبيض أن الرئيسين دونالد ترمب ونظيره الصيني شي جينبينغ اتفقا على أن المضيق يجب أن يبقى مفتوحاً لدعم التدفق الحر للطاقة، وأن الرئيس الصيني أبدى معارضة تجاه "عسكرة المضيق" أو فرض رسوم على استخدامه.

وذهب الموقف الأوروبي في اتجاه مشابه، لكن بأدوات قانونية ودبلوماسية، فقد تحركت بروكسل لتوسيع إطاره القانوني ضد من يعرقلون المرور المشروع وحرية الملاحة في الشرق الأوسط، معتبرة أن الإجراءات التي تستهدف السفن العابرة تمس حقوق المرور الآمن في المضائق الدولية.

من جهتها، حاولت فرنسا تقديم مسار أكثر توازناً عبر الأمم المتحدة، إذ أعدت باريس مشروع قرار يقترح مهمة دولية لإعادة الملاحة عبر هرمز، بعدما واجه النص الأميركي تعقيدات بسبب تحفظات روسية وصينية.

وجاء التحرك الفرنسي امتداداً لرغبة أوروبية في منع تحويل الأزمة إلى مواجهة أميركية ـ إيرانية صافية، وفي الوقت نفسه منع قبول واقع جديد يقيد حرية الملاحة في أهم ممر نفطي في العالم.

في المقابل، تتحرك الصين فتتحرك من موقع مختلف، فهي من أكثر الدول تعرضاً لأي اضطراب في الخليج بسبب اعتمادها الكبير على الطاقة المستوردة، لكنها لا تريد في الوقت نفسه الانخراط في صيغة دولية تمنح غطاء لتصعيد عسكري ضد إيران.

لذلك جاء موقف بكين مزدوجاً: رفض إغلاق المضيق أو عسكرة الممر أو فرض رسوم على استخدامه، والدفع في الوقت نفسه نحو التهدئة والحوار.

وينسجم هذا الموقف مع حسابات الصين كدولة مستوردة للطاقة، وكقوة تسعى إلى تقليل اعتمادها على ممر واحد عبر تنويع مصادر النفط والغاز.

أما روسيا فتبنت خطاباً يؤيد حرية الملاحة، لكنها عارضت النصوص التي رأت أنها تمنح غطاء لتوسيع الضغط على إيران.

الموقف الروسي يقوم على رفض تحويل هرمز إلى ذريعة لتصعيد عسكري أو عقوبات أوسع، مع التأكيد أن أمن المضيق يجب أن يدار عبر تسوية سياسية لا عبر فرض ترتيبات أحادية.

وبذلك تلتقي موسكو وبكين في رفض الرسوم والإغلاق من حيث المبدأ، لكنهما تختلفان مع واشنطن وأوروبا في طريقة معالجة الأزمة ومقدار الضغط المقبول على طهران.

الخليج بين الأمن والطاقة
الخليج، بحكم الجغرافيا، لا يقرأ مضيق هرمز بالطريقة نفسها التي تقرأه بها القوى الكبرى، فالمضيق بالنسبة إلى دوله ليس فقط مسار صادرات أو واردات، بل خط تماس مباشر بين الأمن البحري والأمن الوطني.

لذلك جاءت مواقف السعودية والإمارات وقطر وعمان مركزة على ثلاث نقاط متداخلة: رفض استخدام المضيق كورقة ضغط، وحماية حرية الملاحة، وتجنب حرب واسعة تعطل الطاقة والمنشآت والبنى التحتية.

إيران ورواية الأمن
من جهتها، تقدم إيران خطاباً مختلفاً، فوزارة الخارجية الإيرانية ربطت الوضع الخطر في الخليج ومضيق هرمز بما وصفته بـ"عدوان عسكري" أميركي وإسرائيلي على إيران، وقالت إن هذا الوضع أثر مباشرة في السلامة والأمن البحريين والملاحة.

وبهذه اللغة، تحاول طهران تقديم إجراءاتها بوصفها استجابة دفاعية لتهديد خارجي، لا محاولة لتعطيل التجارة أو تحويل المضيق إلى قناة مدفوعة.

في الوقت نفسه، تحدثت وسائل إعلام إيرانية عن تنسيق عبور السفن مع بحرية الحرس الثوري، في إقرار عملي بأن المرور لم يعد يجري بالصيغة التجارية الطبيعية.

هذا النوع من التصريحات يختصر التغيير الحقيقي: لا حاجة إلى إعلان إغلاق كامل إذا أصبح المرور مشروطاً بإذن أو تنسيق أو تصنيف للسفن والوجهات، وبذلك تتحول السيطرة من لحظة إغلاق معلنة إلى إدارة يومية لمسار العبور.

تزيد هذه الرواية تعقيداً عندما تتقاطع مع الحديث عن آليات إيرانية لإدارة المضيق أو رسوم تقدم على أنها في مقابل خدمات بحرية، فطهران لا تسميها بالضرورة "رسوم عبور" بالمعنى التقليدي، لكنها تضعها داخل إطار خدمات الأمن والسلامة. ومع ذلك، يقوم الاعتراض الأميركي والخليجي والأوروبي على أن المضيق الدولي لا يجوز أن يتحول إلى قناة مدفوعة أو مسار مشروط بإرادة قوة عسكرية محلية.

من الملاحة إلى الضغط
في هذا السياق، يرى المدير العام السابق لتسويق النفط والغاز بوزارة الطاقة والكهرباء في سلطنة عمان علي الريامي أن التحول الأخطر يتمثل في محاولة إيران إعادة تعريف المرور عبر المضيق باعتباره خدمة أمنية قابلة للتنظيم والتسعير، لا حقاً ملاحياً دولياً مكفولاً بمبدأ المرور العابر.

في قراءته، تعمل طهران على فرض ممرات محددة للسفن التجارية، وربط العبور بترتيبات تحمل مسميات مثل الحماية أو الأمن أو البيئة أو الخدمات، بما يجعل الرسوم جزءاً من منظومة ضغط لا مجرد عائد مالي.

ويضع هذا الطرح المسألة في إطار أوسع من التحصيل، فالرسوم، وفق منطق الريامي، لا تقتصر على كونها دخلاً سيادياً أو محاولة لتخفيف أثر العقوبات، بل تتحول إلى رسالة سياسية موجهة لشركات الشحن والدول المستوردة للطاقة مضمونها أن استمرار التدفق الآمن للنفط والغاز عبر المضيق يمر عملياً عبر الاعتراف بدور إيران كطرف لا يمكن تجاوزه في معادلة الأمن الإقليمي.

وبهذه الصورة، يصبح الممر البحري أداة تفاوض يومية، فبدلاً من التلويح بإغلاق شامل قد يستفز العالم كله، تخلق طهران طبقات من التحكم: ممرات آمنة، بيانات مسبقة، موافقات غير معلنة، رسوم حماية، ترتيبات مع وسطاء، وأخطار لمن لا يدخل في هذا النظام.

وهنا تكمن صعوبة المواجهة، لأن المضيق يبقى مفتوحاً ظاهرياً، بينما يصبح العبور فيه أثقل وأغلى وأكثر غموضاً.

عبور محفوف بالأخطار
في الظروف العادية، تعبر السفن وفق ممرات ملاحية معروفة، وباستخدام أنظمة التعريف الآلي والتتبع، وبالتزام قواعد السلامة البحرية.

غير أن بيئة التوتر تجعل العبور عملية أكثر تعقيداً، إذ قد تضطر بعض السفن إلى تقديم بيانات مسبقة أو الدخول في تنسيق غير مباشر، وقد تغير أخرى مواعيدها أو مساراتها، بينما تلجأ سفن أكثر تعرضاً إلى خفض ظهورها الرقمي أو إطفاء نظام التعريف الآلي في لحظات حساسة.

يشير الريامي إلى أن بعض السفن قد تجبر في مثل هذه الظروف على تقديم بيانات مسبقة أو القبول بمرافقة عسكرية لضمان المرور الآمن، في حين قد تلجأ سفن أخرى إلى إطفاء نظام التعريف الآلي لتجنب الرصد أو تقليل احتمالات الاعتراض.

غير أن هذا السلوك يحمل كلفة قانونية وتأمينية كبيرة، لأن إخفاء الإشارة في منطقة عالية الحساسية قد يقرأ كمخالفة لقواعد الملاحة، أو محاولة للالتفاف على العقوبات أو إخفاء مسار تجاري غير معلن.

يزداد الخطر عندما تدخل السفن في ترتيبات غير شفافة مع سلطات أو وسطاء محليين، فشركة الشحن لا تواجه خطراً واحداً، بل مجموعة أخطار متداخلة، فهي قد تتعرض للاحتجاز أو التفتيش إذا لم تستجب لشروط العبور، وقد تواجه عقوبات أو مساءلة إذا دخلت في مدفوعات تعتبرها واشنطن دعماً لكيانات خاضعة للعقوبات، وقد تفقد تغطيتها التأمينية إذا أخفت مسارها أو لم تبلغ شركة التأمين بطبيعة الترتيبات التي خضعت لها.

في هذا المشهد، لا يصبح قرار العبور قراراً ملاحياً فقط، بل عملية موازنة بين أكثر من سلطة وأكثر من قانون.

السفينة تتحرك بين مطلب السلامة، وشروط التأمين، وتحذيرات العقوبات، وضغوط الجهة المسيطرة على الممر، وحسابات المالك والمستأجر والمشتري النهائي للشحنة.

وكلما زاد الغموض، زادت الكلفة، لأن السوق تكره الفراغ القانوني بقدر ما تخشى التهديد العسكري.

 طرق الدفع الرمادية
تزداد المسألة تعقيداً عندما تنتقل من آلية العبور إلى طريقة الدفع، فالعقوبات الأميركية تجعل أي تعامل مالي مباشر مع جهات إيرانية مسألة عالية الأخطار، خصوصاً إذا ارتبطت بكيانات عسكرية أو بقطاع النفط أو بشبكات تخضع للمراقبة.


اضطرابات سوق النفط والغاز تدفع العالم نحو الطاقة النووية
لذلك لا تظهر المدفوعات، حين تحدث، في صورة مصرفية تقليدية واضحة، بل تتحرك غالباً داخل قنوات رمادية: وسطاء، وعملات غير الدولار، ومقايضات تجارية، ودفعات نقدية، أو ترتيبات رقمية يصعب التحقق منها بالكامل.

أدوات التفاف على النظام المالي التقليدي
وفي السياق ذاته، يقدم مستشار الطاقة لدى شركة "Hawk Energy" خالد العوضي، قراءة عملية لهذه المنطقة الرمادية. فهو يرى أن إيران، بحكم خبرتها الطويلة مع العقوبات، طورت أدوات التفاف متعددة على النظام المالي التقليدي.

ومن بين هذه الأدوات الدفع باليوان عبر حسابات أو ترتيبات في الصين، واستخدام وسطاء أو شركات مرتبطة بشركاء تجاريين، والدخول في مقايضات غير مباشرة، كأن تغطى كلفة العبور ضمن صفقة بضائع أو خدمات أو تكنولوجيا.

في تقدير العوضي، لا تظهر هذه المدفوعات دائماً في صورة فاتورة مباشرة بعنوان "رسوم عبور"، بل قد تختفي داخل عقود أوسع، أو تتحول إلى مقابل تجاري، أو تمر عبر شركة وسيطة تتولى الدفع نيابة عن شركة الشحن أو الجهة المستفيدة.

هذه الصيغة تجعل عملية التتبع أكثر صعوبة، لكنها لا تلغي الأخطار، فكل وسيط إضافي يفتح باباً لاحتمال العقوبات، وكل مقايضة غير واضحة قد تتحول لاحقاً إلى ملف امتثال أو تحقيق مالي.

ويتحدث العوضي كذلك عن احتمالات استخدام النقد أو العملات المشفرة في بعض الحالات، لكنه يضع ذلك في نطاق الممارسات عالية الأخطار لا النظام التجاري الطبيعي.

النقد قد يناسب ترتيبات محدودة أو وسطاء يعملون خارج النظام المصرفي، لكنه لا يصلح بسهولة لعبور واسع ومنظم.

أما العملات المشفرة، وعلى رأسها "بيتكوين"، فقد تبدو وسيلة لتجاوز النظام المالي التقليدي، لكنها تحمل أخطار تتبع وغسل أموال وعقوبات، خصوصاً مع تطور أدوات رصد المحافظ والتحويلات.

هذا الواقع يجعل الدفع نفسه جزءاً من الأزمة، فالعبور لا ينتهي بمجرد مرور السفينة، لأن أثر الدفع قد يبقى في السجلات والشركات والوسطاء والحسابات.

وقد تجد شركة ما نفسها بعد أشهر أو أعوام أمام تحقيق مصرفي أو تأميني أو حكومي، بسبب ترتيب اعتقدت أنه مجرد كلفة عبور طارئة، لذلك تصبح القناة المالية المستخدمة للمرور أحياناً أخطر من المرور نفسه.

النفط والتأمين والأسعار
يضع العوضي المسألة في إطار اقتصادي أوسع، إذ يرى أن إيران، حين تربط عبور السفن بإجراءات وشروط ورسوم، تجعل جزءاً من الاقتصاد العالمي رهينة للتوتر، فارتفاع أسعار النفط لا يأتي فقط من نقص الإمدادات الفعلي، بل من توقع النقص، ومن ارتفاع كلفة الشحن، ومن إحجام بعض الشركات عن المخاطرة، ومن زيادة التأمين.

في مثل هذه البيئة، لا تخسر السفينة التي تتأخر فقط، بل تخسر السوق كلها جزءاً من قدرتها على التسعير الهادئ.

وفق هذا المنطق، تواجه شركات الشحن والمستوردون معادلة شديدة الصعوبة، والالتزام الصارم بالعقوبات الأميركية قد يعرضهم لمشكلات أثناء العبور إذا تعاملت إيران مع السفينة باعتبارها غير متعاونة، والدخول في ترتيبات مع طهران قد يغضب البنوك أو الجهات الأميركية أو شركات التأمين.

وفي الحالتين لا توجد كلفة منخفضة، لأن الأخطار موزعة على كل اتجاه.

ويرى العوضي أن هذا السلوك قد يرتد على إيران نفسها، فإيران، في تقديره، قد تكسب ضغطاً فورياً أو دخلاً محدوداً من الرسوم والترتيبات، لكنها تخاطر بخسارة شركاء اقتصاديين وتوسيع دائرة العقوبات وتعزيز المبررات الغربية لتشديد القيود عليها.

فكلما بدا أن طهران تحول المضيق إلى أداة ابتزاز، زادت احتمالات تحرك الدول الكبرى دبلوماسياً أو أمنياً أو مالياً لمنع تحول هذا النمط إلى قاعدة مستقرة.

معادلة هرمز المقبلة
تتحرك أزمة مضيق هرمز داخل مثلث بالغ الحساسية: القانون الدولي، وأمن الطاقة، والعقوبات، ففي القانون، يبقى المضيق ممراً دولياً لا يجوز تحويل المرور فيه إلى إذن سياسي دائم.

أما في أمن الطاقة، فيبقى شرياناً حيوياً لا تستطيع السوق العالمية تعويضه بسهولة إذا تعرض لتعطيل واسع، وفي العقوبات، يبقى أي دفع أو ترتيب مع جهات إيرانية موضع تدقيق، خصوصاً إذا مر عبر وسطاء أو عملات بديلة أو مقايضات تجارية.

ويجعل هذا التشابك مستقبل العبور في مضيق هرمز مرهوناً بقدرة الأطراف على منع تحول الاستثناء إلى قاعدة، فإذا قبلت الشركات والدول بمنطق الرسوم الأمنية والممرات المشروطة كأمر واقع، ستجد إيران نفسها أمام مصدر ضغط ودخل ونفوذ.

وإذا جرى التصدي لهذه الممارسات عبر ضغط قانوني وتأميني ودبلوماسي منسق، فقد تعود طهران لاستخدام المضيق كورقة تهديد لا كنظام إدارة يومي للعبور.

الخطر الأكبر لم يعد محصوراً في احتمال الإغلاق الكامل، بل في قيام نظام رمادي يترك المضيق مفتوحاً ظاهرياً، لكنه يجعل المرور فيه مشروطاً ومكلفاً وغامضاً.

هذا النوع من السيطرة أكثر تعقيداً من الإغلاق، لأنه لا يوقف التجارة دفعة واحدة، لكنه يرفع كلفتها تدريجاً ويزرع عدم اليقين في قلب أسواق الطاقة والشحن والتأمين.

وهنا تكمن خطورة التحول الإيراني، فالممر الذي كان عنواناً لحرية الملاحة أصبح مساحة لاختبار حدود القوة الجغرافية في مواجهة القانون الدولي، والسفن التي كانت تعبر وفق قواعد ملاحية مستقرة باتت تقيس رحلتها بحسابات سياسية وتأمينية ومصرفية.

أما الدول المستوردة للطاقة، فتجد نفسها أمام معادلة صعبة، وهي الحفاظ على تدفق النفط والغاز من دون منح طهران حقاً عملياً في إعادة تسعير المرور عبر أهم ممر نفطي في العالم.

اندبندنت عربية 



المصدر:
http://www.syriasteps.com/index.php?d=136&id=205842

Copyright © 2006 Syria Steps, All rights reserved - Powered by Platinum Inc