القمامه تحاصر السوريين .. و تنتظر تحويلها الى فرصة
المهندس ياسر أسعد : يقدم خارطة طريق لإدارة النفايات .. الأزمة لم تعد قابلة للتأجيل .. فقد حان وقت التحرك
أزمة النفايات في سوريا بين غياب القرار وفرصة الإنقاذ
في أروقة البلديات السورية، تتصاعد أزمة النفايات دون أن
تجد من يُعالجها بمنطق الفرصة بدلاً من منطق العبء , تنتهي ملايين الأطنان
من مخلفات المنازل والمستشفيات والأسواق والمصانع في مكبات عشوائية ويعمل
"النبّاشون" يوميا لتقديم دليل واضح على ان هناك قيمة اقتصادية مهدورة في
كل كيس قمامة وأن ما نرميه يومياً هو ثروة اقتصادية
في مقاله الجديد لموقع سيرياستيبس , يقدم المهندس ياسر أسعد خاطة طريق واضحة وغير معقدة للتعامل مع ملف النفايات بوصفه قطاعا اقتصاديا يمكن استثماره اقتصاديا فنحمي البيئة و الصحة ونؤمن مصدرا للطاقة والأهم يصبح مصدرا مولدا لفرص العمل والدخل , مؤكداً أنه يجب التحرك نحو ادارة ملف النفايات سريعاً .. وحيث لم يعد الوقت متاحاً لمزيد من التأجيل
سيرياستيبس
كتب المهندس ياسر علي أسعد
لم تعد الروائح الكريهة في شوارع المدن والبلدات السورية تفصيلاً عابراً، بل أصبحت اللغة اليومية التي تخاطب بها الأحياء ساكنيها, روائح تسبق الماره, وأكوام تسدّ الأفق, وحشرات وزواحف تسكن ما كان يُسمّى يوماً حيّاً راقيا — هذا ليس مشهداً من رواية .
في زاوية شارع بحي المزة، تحولت حاوية قمامة تفيض منذ أيام، إلى نقطة جذب للنبّاشين الذين يمزّقون الأكياس بحثاً عن بلاستيك أو معدن أو الكرتون , الذباب يحوم , والرائحة تخترق النوافذ المغلقة , والسوريون يمرّون وكأنهم اعتادوا المشهد… أو استسلموا له , مشهد بات مألوفا في عشرات الأحياء السورية من دمشق وريفها إلى حمص وحلب واللاذقيه.
مشكلة مركبة تحتاج الى قرار
لكن الحقيقة التي لا يمكن تجاهلها أن النفايات في سوريا لم تعد مشكلة نظافة فقط ، بل تحوّلت إلى أزمة مركّبة صحية, بيئية, اقتصادية , إنها مرآة تعكس مستوى الإدارة العامة وقدرة الحكومه على التعامل مع أبسط حقوق السوريين بالعيش في بيئة نظيفة وآمنة وتنتظر إرادةً سياسية وشراكةً مجتمعيه تخرجها من دائره الإهمال .
ما يجري اليوم ليس نقصاً في الوعي ، ولا ضعف في الإمكانيات، بل هو غياب قرار مركزي يعيد تنظيم هذا القطاع الحيوي , النفايات تتراكم لأن النظام القائم لإدارتها متداعٍ , أساطيل نقل متهالكة,غياب فرز النفايات من المصدر , مكبّات عشوائية غير صحية ,ضعف الرقابة والمساءلة .
بيئة مثالية لانتشار الأمراض وتكاثر الحشرات والقوارض وتلوّث المياه الجوفية وانبعاث غازات سامة نتيجة الحرق العشوائي وفي بلد خرج لتوّه من حرب طويلة، حيث النظام الصحي هشّ أصلاً، تصبح النفايات خطرا يهدد الأطفال وكبار السن، ويزيد كلفة العلاج على الأسر والحكومه, دائرة مغلقة من الفوضى يدفع ثمنها السوريون يومياً من صحتهم وكرامتهم .
قبل عام 2011، كانت إدارة النفايات في سوريا تعاني من هشاشة بنيوية مكبات مفتوحة، حرق عشوائي، نقايات طبيه ترمى دون معالجه , وغياب تام للفرز والتدوير, ثم جاءت الحرب لتُضاعف المشكله بسبب تدمير البنية التحتية، وتهجير الملايين، وانهيارالإدارات المحلية
التدوير الذي يدر المليارات
في أروقة البلديات السورية، تتصاعد أزمة النفايات دون أن تجد من يُعالجها بمنطق الفرصة بدلاً من منطق العبء , تنتهي ملايين الأطنان من مخلفات المنازل والمستشفيات والأسواق والمصانع في مكبات عشوائية ويعمل "النبّاشون" يوميا لتقديم دليل واضح على ان هناك قيمة اقتصادية مهدورة في كل كيس قمامة وأن ما نرميه يومياً هو ثروة اقتصادية .
النفايات في العالم لم تعد عبئاً، بل قطاعاً استثمارياً قائماً بذاته ,إعادة تدوير البلاستيك والمعادن والالكترونيات وتحويل النفايات العضوية إلى سماد زراعي وإنتاج الطاقة من النفايات, وهو ماقام به أخوتنا في الخليج العربي بتحويلها إلى صناعة رابحة تُدرّ مليارات الدولارات.
في الشارقة، تحوّلت شركة بيئه من مجرد متعهد لجمع القمامة إلى إمبراطورية بيئية تضمّ اثنتي عشرة منشأة تدوير متطورة , والنفايات التي تدخل إلى هذا الصرح البيئي تخرج منه كهرباءً تضيء عشرات آلاف المنازل، وسماداً يُخصّب الأراضي الزراعية، ومواد أوليه تُعاد إلى دورة الاقتصاد , حين قرّرت الشارقة عام 2011 إغلاق جميع مكباتها التقليدية، ابتكرت نموذجاً باتت تتعلّم منه دول العالم .
في دبي وأبوظبي ,الطاقة من القمامة باتت حقيقة لا شعار , تُنجز بلدية دبي حالياً أضخم محطة لتحويل النفايات بعد فرزها إلى طاقة في منطقة الشرق الأوسط بتكلفة تتجاوز ملياري درهم. أما أبوظبي فتُطوّر محطة بقيمة ثلاث مليارات درهم قادرة على تزويد أكثر من عشرين ألف منزل بالكهرباء،, السرّ في هذا النجاح ليس المال بل الشراكة , تعمل شركة مصدر للطاقة المتجددة جنباً إلى جنب مع بيئة وتدوير لتحويل الطموح إلى واقع , القطاع الخاص هو المحرّك، والحكومة هي الراعي والمنظّم .
55 مليار ريال للاستثمار في النفايات
في السعودية لا تختلف المشكلة عن سوريا , نسبة إعادة التدوير كانت 4%، وهي من أدنى النسب عالمياً, لكن المملكة حدّدت هدفاً جريئاً رفع هذه النسبة إلى 95% ضمن رؤية 2030، وخصّصت لذلك 55 مليار ريال في 65 مبادرة بيئية، مع تأسيس الشركة السعودية لإعادة التدوير بإشراف صندوق الاستثمارات العامة. والنتيجة 120 مليار ريال مساهمة في الناتج المحلي وأكثر من مئة ألف فرصة عمل ,الدرس المهم هو المنهجية خطة وطنية واضحة , جهة تنظيمية مستقلة , وشراكة حقيقية مع القطاع الخاص بدلاً من الاعتماد على ميزانية الدولة .
تُنتج سوريا ملايين الأطنان من النفايات سنوياً يذهب معظمها إلى 1500 مكب لايستوفي الشروط العالميه أو يُحرق في العراء . الكارثة مزدوجة بيئية واقتصادية لكن المشهد ليس أسود تماماً, ثمة بذور واعدة
اختبار لقدرة الحكومه على الانتقال من إدارة الأزمة إلى صناعة الحل
في دمشق أعلن عن مشروع بقيمة 300 مليون دولار لإعادة تدوير النفايات بالتعاون مع شركة إماراتية، الخبر يجب أن يُستقبل كاختبار لقدرة الحكومه على الانتقال من إدارة الأزمة إلى صناعة الحل ولجدية الاستثمار في قطاع طالما عومل كعبء , المشروع يحمل وعوداً كبيرة , تحديث أسطول النظافة, رفع كفاءة الجمع , وإنشاء منظومة تدوير متكاملة خلال سنوات.
ما تحتاجه دمشق اليوم ليس شاحنات جديدة فقط، بل منظومة كاملة تبدأ من المصدر , فرز النفايات من المنازل, تنظيم عمل النبّاشين بدل تركهم في اقتصاد الظل, إنشاء مراكز فرز حديثة , وتحويل المواد القابلة للتدوير إلى صناعات حقيقية تخلق فرص عمل والا سيبقى المشروع إعلانا شكلياً لا أكثر , لا يمكن للمشروع أن ينجح دون شراكة مع المجتمع السوري منتج النفايات، وتحويله الى شريك في إدارتها , المطلوب,شفافية في التنفيذ وجدول زمني معلن وتشريعات تدعم الاقتصاد الدائري وشراكه حقيقه مع القطاع الخاص , بدون ذلك سيبقى المشروع رقماً كبيراً…لاأثر له, دمشق لا تحتاج إلى حملة إعلاميه , بل إلى إعادة تعريف علاقتها مع النفايات وإلاستبقى القمامة شاهداً على عجزنا .
تجربة قادمة من إدلب
في بلدٍ أنهكته الحرب، حيث تتراكم الأزمات كما تتراكم النفايات في الشوارع , خرجت تجربة من إدلب لتقول إن الحلول لا تحتاج دائماً إلى معجزات… بل إلى قرار ,هناك حيث المخيمات مكتظة والموارد محدودة والبنية التحتية هشّة انطلق مشروع لإعادة تدوير النفايات الصلبة والطبية وتحويلها إلى كهرباء وغاز حيوي , خطوة قد تبدو بسيطة، لكنها في الحقيقة تمثل نقلة ذهنية وإدارية , من إدارة الأزمة إلى استثمارها .
لم تكن إدلب بعيدة عن واقع باقي المدن السورية مكبات مفتوحة، حرق عشوائي، روائح خانقة، ومخاطر صحية متزايدة لكن ما تغيّر هو طريقة التفكير , بدلاً من التعامل مع النفايات كعبء , جرى التعامل معها كمورد يمكن استثماره فالنفايات العضوية تحوّلت إلى غاز حيوي وكهرباء والمواد القابلة للتدوير أعادت تشغيل دورة اقتصادية محلية والنفايات الطبية خضعت لمعالجة أكثر أماناً والنتيجة بيئة أنظف, طاقة إضافية , وفرص عمل… وكل ذلك في منطقة تعيش ظروفاً استثنائية.
ما أنجزته إدلب يجب أن يُقرأ كرسالة واضحة لكل مدينة سورية , ليس المطلوب انتظار الحلول المركزية ولا تأجيل الأزمة إلى حين توفر التمويل الكامل بل البدء الآن بما هو ممكن… , المشكلة في معظم البلديات السورية ليست فقط نقص الإمكانيات بل غياب التحول في التفكير, ما زلنا نجمع النفايات لنرميها بدل أن نستفيد منها , كل طن نفايات في أي مدينة سورية هو طاقة مهدورة ومادة خام وفرصة عمل لم تُخلق
الأزمة لم تعد قابلة للتأجيل .. يجب التحرك
التجارب العالمية واضحة المدن التي نجحت في إدارة نفاياتها لم تنظف شوارعها فقط، بل بنت صناعات جديدة، وخلقت وظائف، وخفّضت فاتوره الاستيراد، بل وحتى أنتجت الطاقه وهنا تحديداً يكمن الأفق الذي يجب أن يُبنى عليه المشروع الانتقال إلى تحويل النفايات إلى طاقة، وإنتاج الغاز الحيوي، وربط القطاع البلدي بالقطاع الصناعي .
يجب على البلديات التحرك الآن, لأن الأزمة لم تعد قابلة للتأجيل فالنفايات لم تعد مشكلة تجميلية، بل أزمة صحية تهدد المجتمع ولأن الحلول متاحة فتقنيات الغاز الحيوي وإعادة التدوير لم تعد معقدة أو باهظة كما في السابق، ويمكن البدء بمشاريع صغيرة تتوسع تدريجياً والمنظمات الدولية تبحث عن مشاريع بيئية مستدامة لدعمها، لكن بشرط وجود شريك محلي جاد .
يمكن لأي بلدية سوريه أن تبدأ بفرز النفايات من المصدر ولو يشكل جزئي وتنظيم عمل النباشين بدل تركه عشوائياً والتعاون مع الشركات المحلية لإعادة التدوير وإعداد دراسة لمشروع غاز حيوي صغير فالتجربة أثبتت أن المشاريع الصغيرة هي التي تبني التحولات الكبيرة .
سورية بحاجه لتنفيذ خارطة طريق من خمس خطوات نحو منظومة ناجحة
الخطوة الأولى : تشجيع الفرز من المصدر , لا يحتاج الأمر إلى محطات معالجة ضخمة في البداية , تجربة الرياض السعوديه مع مشروع حي بلا حاويات أثبتت أن توزيع حاويتين ملوّنتين على المنازل واحدة للمواد القابلة للتدوير وأخرى للمخلفات العضوية يُقلّل من تكاليف المعالجة اللاحقة بنسبة تتجاوز الستين بالمئة. يمكن لكل بلدية سورية أن تبدأ بحيٍّ نموذجي واحد .
الخطوه الثانيه : منح القطاع الخاص دوراً حقيقياً , فالحكومات وحدها لا تُدير منظومات نفايات ناجحة ما يُديرها عقود واضحة تضمن للقطاع الخاص عائداً عادلاً مقابل إدارة الجمع والفرز والمعالجة , مئات المستثمرين السوريين في الداخل والمهجر يبحثون عن فرص إنتاجية وهذا القطاع يمكن أن يستقطبهم.
الخطوه الثالثه : بروتوكول وطني للنفايات الطبية فهي ترمى دون معالجه وهي الأخطر , على وزارة الصحة سن قانون صارم لفصلها في المستشفيات والمستوصفات والعيادات الطبيه و توقيع اتفاقية لمحارق النفايات الطبية مع البلديات دون ابطاء .
الخطوه الرابعه : التشبيك مع التجربة الخليجية , التي تبحث عن أسواق لتصدير خبرتها في إدارة النفايات , مشروع دمشق نموذج ينبغي تشجيعه وتسهيله لا التعقيد عليه بالبيروقراطية , ومنح الشركات الخليجية المتخصصة امتيازات واضحة يُعجّل بنقل التكنولوجيا ويُسرّع بناء الكوادر المحلية
الخطوه الخامسه : التشريع , لن تنجح أي منظومة دون قانون واضح يُحدّد مسؤوليات البلديات والمنتجين والسوريين ، ويُعاقب على المخالفة، ويُحفّزعلى الالتزام
. سوريا تحتاج إلى نظام وطني متكامل لإدارة النفايات .
لكن الدعم الدولي مطلوب وهو يحتاج إلى بيئة تنظيمية واضحة وشفافة، تضمن استدامة المشاريع وعدم تحوّلها إلى حلول مؤقتة , المنظمات الدولية لا تستطيع أن تحلّ مكان الحكومه ، لكنها قادرة على أن تكون شريكاً حاسماً إذا توفرت الإرادة ويمكن الاستفادة منها في تمويل مشاريع إدارة النفايات الحديثة ونقل الخبرات والتكنولوجيا وتدريب الكوادر المحلية ودعم مشاريع الفرز وإعادة التدوير .
أزمة النفايات في سوريا بحاجه لقرار حكومي جاد، وإدارة فعّالة، وشراكة مع المجتمع . المدن لا تختنق فجأة… بل تختنق حين يُترك الإهمال ليصبح نظاماً وما بين حاوية تفيض في حيّ المزة، ومكبّ عشوائي على أطراف قريه سوريه، يقف سؤال واحد جوابه هو إرادة, وتشريع, وشراكة, وبداية متواضعة , البذرة الأولى حاوية فرز في حي ومعمل صغير في مدينة صناعية واتفاقية مع مستثمر جاد كفيلة بأن تُنبت شجرة يستظل بها الجيل القادم .
أزمة النفايات ليست مشكلة حكومية إنها قضية كل سوري يعيش في حي يختنق بالقمامة، يلعب أطفاله قرب أكوام ملوّثة، و تدفع عائلته ثمن الأمراض الذي تسببها , القمامة المتراكمة في شوارعنا ليست إرثاً لا يمكن تجاوزه بل انعكاس لإرادة غائبة يمكن استعادتها , سوريا اليوم أمام فرصة نادرة , أن تبني منظومة نفايات حديثة من الصفر، بدلاً من ترميم نظام متهالك الأمر يستحق أكثر من خطاب — يستحق خطة , هل نريد أن نبني بلداً نظيفاً… أم سنتعايش مع القمامة كقدرٍ يومي؟
المصدر:
http://www.syriasteps.com/index.php?d=127&id=205713