من يربح ومن يخسر في أزمة النفط؟
17/05/2026
سيرياستيبس
في الدول الغنية، يظهر أثر ارتفاع الأسعار في شكل تضخم وضعف في النمو الاقتصادي، أما في الدول الفقيرة المستوردة للطاقة، فيظهر في شكل أزمات مباشرة ونقص في الإمدادات، مما دفع بعض الدول إلى تقليص أيام الدراسة أو خفض استهلاك الكهرباء وفرض قيود على الحياة اليومية.
تسبب الحرب في إيران أكبر اضطراب لإمدادات النفط في التاريخ الحديث، بعد أن أدت أزمة مضيق هرمز إلى سحب نحو 15 في المئة من الإمدادات العالمية من السوق.
ويقول المدير المؤسس لمركز سياسة الطاقة العالمية وأستاذ الممارسة المهنية في كلية الشؤون الدولية والعامة بجامعة كولومبيا، والمدير السابق في مجلس الأمن القومي الأميركي والمساعد الخاص للرئيس السابق باراك أوباما جيسون بورداوف، في تقرير مطول لصحيفة "وول ستريت جورنال"، بعنوان "الرابحون والخاسرون في النظام العالمي الجديد للنفط"، إن هذا الانقطاع الضخم في إمدادات النفط أجبر الحكومات على إعادة تعريف مفهوم أمن الطاقة في عصر يتسم بالانقسام الجيوسياسي، إذ لم يعد الأمر متعلقاً فقط بحجم الإنتاج، بل بمسارات تدفق النفط، ومن يستطيع الوصول إليه، ومن يملك القدرة على امتصاص الصدمات عند توقفه.
وأوضح بورداوف، إنه على رغم بقاء أسعار النفط مستقرة نسبياً فوق مستوى 100 دولار للبرميل، فإن هذا الاستقرار يخفي ضغوطاً متزايدة، مع توقعات بارتفاعات أكبر مع تراجع المخزونات.
ويشير إلى أن تأثير الأزمة غير متساو عالمياً، إذ تتحمل آسيا العبء الأكبر، مع اعتمادها على الشرق الأوسط في نحو 60 في المئة من وارداتها النفطية قبل الحرب، قائلاً إن أسعار الوقود المكرر مثل الديزل ووقود الطائرات تضاعفت منذ بداية العام.
ويقول بورداوف، إن أثر ارتفاع الأسعار يظهر في شكل تضخم وضعف في النمو الاقتصادي في الدول الغنية، أما في الدول الفقيرة المستوردة للطاقة، فيظهر في شكل أزمات مباشرة ونقص في الإمدادات، مما دفع بعض الدول إلى تقليص أيام الدراسة أو خفض استهلاك الكهرباء وفرض قيود على الحياة اليومية.
ويتابع "على رغم أن الولايات المتحدة أصبحت أكبر منتج للنفط في العالم بفضل طفرة النفط الصخري، فإنها ليست محصنة بالكامل، إذ ارتفعت أسعار الوقود بشكل ملحوظ، مما يزيد من الضغط على المستهلكين، على رغم أن جزءاً من الإنفاق يذهب إلى المنتجين المحليين".
"أميركا محصنة نسبياً"
يشير بورداوف إلى أن الولايات المتحدة تستفيد اليوم من كونها أكبر منتج للنفط ومصدراً رئيساً له، بعد أن كانت تعتمد سابقاً على الاستيراد، كما أن انخفاض الاعتماد على النفط في الاقتصاد خفف من حدة الصدمات.
لكنه يقول على رغم ذلك، لا يزال المستهلك الأميركي يدفع أسعاراً أعلى عند المضخات مع أي اضطراب عالمي، مشيراً إلى أنه مع ارتفاع الأسعار، قد تتجه السياسة إلى إجراءات متطرفة مثل تقييد صادرات النفط، وهو ما قد يضر بالاقتصاد على المدى الطويل.
ويرى أن الحل المستقبلي يكمن في تقليل الاعتماد على النفط عبر تحسين كفاءة استهلاك الوقود، وتوسيع استخدام السيارات الكهربائية، وتطوير النقل العام.
وفقاً لـبورداوف تستفيد كندا من كونها دولة مصدرة للنفط، مما يجعلها من بين الدول التي قد تحقق مكاسب من ارتفاع الأسعار، أما المكسيك، فهي في وضع أصعب بسبب تراجع الإنتاج وضعف قدرات التكرير، مما يجعلها تعتمد على واردات الوقود، خصوصاً من الولايات المتحدة، ومن ثم فهي عرضة لاضطرابات الأسعار ونقص الإمدادات.
أميركا الجنوبية: الاستفادة من الإنتاج المحلي
أشار بورداوف إلى أن بعض دول أميركا الجنوبية من ارتفاع أسعار الوقود، لكنها تمتلك موارد نفطية وغازية محلية كبيرة، إضافة إلى مصادر طاقة متجددة واسعة.
ورشح أن تصبح دول مثل البرازيل وغيانا والأرجنتين من أبرز مصادر النمو في الإنتاج خارج منظمة الدول المصدّرة للنفط، مع احتمال انضمام دول أخرى مثل سورينام مستقبلاً.
الصين: استراتيجية تؤتي ثمارها
يرى بورداوف أن الصين تأثرت بشكل مزدوج، فهي أكبر مستورد للنفط عالمياً، مما جعل ارتفاع الأسعار يزيد من كلفة الواردات، لكنها في المقابل تمتلك احتياطات استراتيجية ضخمة، كما أنها خفّضت وارداتها واعتمدت على المخزونات وإعادة بيع بعض الشحنات، مما ساعدها على التخفيف من آثار الأزمة.
وتوقع أن تعزز هذه الأزمة توجه الصين نحو تقليل الاعتماد على النفط وتسريع التحول نحو الطاقة الكهربائية والقطاعات غير الأحفورية.
الهند: بين الضغط والاستقرار
يقول بورداوف، إن الهند تعتمد على استيراد نحو 90 في المئة من حاجاتها النفطية، مما يجعلها عرضة مباشرة للصدمات، ويشير إلى زيادة اعتمادها على النفط الروسي في وقت تواجه تحديات تضخم متزايدة وضغوطاً على الميزانية.
ومع ذلك، يرى بورداوف أنها تمتلك قدرة أفضل من جيرانها على امتصاص الصدمة بفضل تنوع مصادرها واحتياطاتها.
اليابان: احتياطات منهكة وضغوط متزايدة
أما اليابان، التي تعتمد بشكل شبه كامل على واردات الطاقة، فهذا يجعلها وفقاً لـبورداوف من أكثر الدول تعرضاً للأزمة، واضطرت إلى استخدام احتياطات الطوارئ بشكل واسع، مما أدى إلى تراجع كبير في المخزون، وارتفعت أيضاً أسعار الكهرباء والوقود في وقت تعاني البلاد من تضخم اقتصادي.
ورجح بورداوف أن تدفع الأزمة اليابان إلى إعادة تشغيل محطات الطاقة النووية وتسريع مشاريع الطاقة المتجددة.
روسيا: مكاسب قصيرة الأجل
يرى المدير المؤسس لمركز سياسة الطاقة العالمية وأستاذ الممارسة المهنية في كلية الشؤون الدولية والعامة بجامعة كولومبيا، أن روسيا استفادت في المدى القصير من ارتفاع الأسعار وتخفيف بعض القيود على صادراتها النفطية، مما زاد من إيراداتها.
لكن على المدى الطويل، يعتقد بورداوف أن روسيا ستواجه تحديات كبيرة بسبب العقوبات ونقص الاستثمار والهجمات على البنية التحتية، مما يحد من قدرتها الإنتاجية.
دول الخليج وإيران: إعادة رسم طرق التصدير
يرى بورداوف أن دول الخليج تضررت بدرجات متفاوتة، إذ يقول إن السعودية والإمارات استفادتا نسبياً من خطوط أنابيب بديلة تتجاوز مضيق هرمز، أما العراق والكويت وقطر، فواجهت اضطرابات كبيرة في صادراتها.
وتوقع أن تدفع الأزمة إلى تسريع بناء مسارات تصدير جديدة لتقليل الاعتماد على الممرات البحرية الحساسة.
إيران: ورقة ضغط استراتيجية
يشير بورداوف إلى أنه على رغم خسائر إيران الاقتصادية، فإنها تمتلك قدرة على استخدام مضيق هرمز كورقة ضغط جيوسياسية، وقد تستفيد من ارتفاع الأسعار، وقد تعود صادراتها بسرعة إذا أعيد فتح الممر الملاحي.
أوروبا: تسريع التحول الطاقي
وعن أوروبا يعتقد بورداوف أنها تواجه ارتفاعاً في كلفة الطاقة، خصوصاً وقود الطائرات، مما يضغط على قطاع الطيران، مرجحاً أن تدفع الأزمة الحكومات الأوروبية إلى تسريع التحول نحو الطاقة النظيفة، مع إعادة النظر في الاعتماد على الواردات.
لكنه في الوقت ذاته حذر من أن هذا التحول قد يخلق اعتماداً جديداً على الصين في تقنيات الطاقة المتجددة.
أفريقيا: في مسار واحد
من المتوقع وفقاً لبورداوف أن تستفيد الدول المنتجة مثل نيجيريا وأنغولا من ارتفاع الأسعار، بينما تعاني الدول المستوردة تضخماً حاداً في أسعار الوقود والغذاء والنقل، ومن المتوقع أيضاً أن تؤدي الأزمة إلى تسريع الاستثمار في المصافي ومشاريع الطاقة الشمسية في القارة.
وختم بورداوف بالقول إن استمرار الحرب سيؤدي إلى مزيد من الانقسام في النظام العالمي للطاقة، فهو يعتقد أن الدول الغنية ستسعى إلى تنويع مصادرها وتعزيز احتياطاتها، بينما ستضطر الدول الفقيرة إلى الاعتماد على الأرخص بدلاً من الأكثر أماناً.
ويرى أن أكبر درس للولايات المتحدة هو أن حتى أكبر منتج للطاقة في العالم لا يستطيع أن يعزل نفسه عن صدمات السوق العالمية.
اندبندنت عربية
المصدر:
http://www.syriasteps.com/index.php?d=136&id=205704