ما بعد مضيق هرمز الاستراتيجي.. دول الخليج تعيد رسم خريطة الأمن الغذائي
17/05/2026






سيرياستيبس 

يقيّم خبراء دوليون تحوّل استراتيجيات الأمن الغذائي في دول الخليج العربية على أنه استجابة اضطرارية لصدمة هيكلية كشفت هشاشة الاعتماد على ممر مائي واحد هو مضيق هرمز، يتدفق عبره أكثر من 70% من واردات الغذاء الإقليمية، ما دفع العواصم الخليجية إلى سحب مخزونات الحبوب والسلع الأساسية من الموانئ البحرية المعرضة للخطر ونقلها إلى صوامع ومستودعات داخلية محصنة، بالتوازي مع تفعيل ممرات برية تربط الموانئ "العُمانية تحديداً"، المطلة على بحر العرب، ببقية مدن المنطقة، حسب ما أورد تقرير نشرته منصة "فيرتيكال فارم ديلي"، المتخصصة في تقنيات الزراعة والأمن الغذائي، في الثاني من إبريل/ نيسان الماضي.
ولا يمثل هذا التوجه إجراء طارئاً، بل إعادة هندسة شاملة للخريطة اللوجستية الخليجية، بحسب التقرير، مشيراً إلى أن هدف هذه العملية هو فك الارتباط الاستراتيجي بالممرات المائية المهددة، وتحويل الموانئ العُمانية مثل صلالة والدقم وصحار إلى بوابات حصرية تخص الأمن الغذائي الخليجي لضمان استمرارية الإمدادات في ظل سيناريوهات الحرب الطويلة.
ويرى المحللون في مؤسسات استشارية دولية أن قرار نقل مخازن الحبوب والسلع الأساسية بعيداً من الموانئ البحرية التقليدية في الخليج هو اعتراف صريح بأن الجغرافيا الملاحية للمنطقة قد تغيرت إلى الأبد، فالموانئ التي كانت يوما مراكز عالمية للكفاءة، مثل جبل علي وحمد والشويخ، أصبحت في عام 2026 نقاطاً حرجة تتطلب حماية أمنية فائقة وتأميناً باهظ التكلفة، ما جعل فكرة تخزين السلع الاستراتيجية فيها مخاطرة غير محسوبة، حسب ما أورد تقرير نشرته منصة "سايمون-كوتشر"، المعنية بشؤون النمو التجاري والتسعير العالمي، في 28 إبريل الماضي.
ويشير التقرير ذاته إلى أن كلا من السعودية والإمارات بدأت في بناء مراكز تخزين مبردة وصوامع غلال في مناطق جغرافية داخلية أو قريبة من الحدود البرية المشتركة، لضمان وصول الشاحنات القادمة من موانئ عُمان أو البحر الأحمر دون الحاجة لمرورها عبر مضيق هرمز، في توجه يهدف إلى تقليل "زمن الانكشاف" للمواد الغذائية، خاصة أن الهجمات الجوية والتهديدات البحرية جعلت من المنشآت الساحلية أهدافاً سهلة في فترات التصعيد.
ويتطلب هذا التغيير الجذري استثمارات ضخمة في تقنيات التخزين الذكي و"المستودعات ذات البيئة المحكومة" (CEA) لتعويض نقص الإنتاج المحلي، خاصة مع توقف الصادرات الإيرانية من الخضروات والفواكه بشكل كامل منذ مطلع مارس/ آذار الماضي، حسب ما أورد تقرير نشرته منصة "أغرو-بيريشتن" (Agroberichten Buitenland)، المتخصصة في أخبار النظم الغذائية العالمية، في 31 مارس الماضي، لافتاً إلى أن الهدف الحالي هو بناء "مصدات صدمات" داخلية قادرة على الصمود أمام انقطاع ملاحي قد يمتد لأشهر. ومن شأن ذلك أن يغير النموذج التجاري للموزعين وتجار التجزئة الذين باتوا يفضلون الاحتفاظ بمخزونات أكبر في مستودعاتهم بدلاً من الاعتماد على الشحنات المتكررة، بحسب التقرير ذاته.


وعليه، فإن تجربة تداعيات الحرب تنهي عملياً عصر "التبعية الاستراتيجية لمضيق هرمز" في الاستراتيجية الخليجية، إذ يمثل التوجه نحو الموانئ العُمانية وإنشاء الممرات البرية بداية لتحول دائم نحو نظام لوجستي متعدد الوسائط يربط الخليج بالمحيط الهندي والبحر الأحمر، وسيتطلب هذا التحول في المستقبل استكمال مشروع سكة حديد دول مجلس التعاون الخليجي بحلول عام 2030 لتقليل كلفة النقل البري، وزيادة الاستثمار في تقنيات "الزراعة في البيئات المحكومة" داخل الدول الخليجية لتقليل الحاجة للاستيراد من الأساس، بحسب تقدير نشرته منصة لويدز ليست (Lloyd's List)، المعنية بشؤون الملاحة والتجارة البحرية العالمية، في 25 مارس الماضي. ويعني ذلك أن الأمن الغذائي الخليجي في مرحلة ما بعد تداعيات الحرب سيعتمد على مدى قدرة دول مجلس التعاون على تحويل ممرات الطوارئ البرية الحالية إلى بنية تحتية اقتصادية دائمة وقوية، بحسب التقرير ذاته.
سياسات الأمن الغذائي في الخليج
وفي هذا الإطار، يشير الخبير الاقتصادي، منير راشد، لـ"العربي الجديد"، إلى أن الدول الخليجية اتبعت سياسة للأمن الغذائي اعتمدت في مراحلها الأولى على الإنتاج المحلي لبعض المزروعات الضرورية مثل القمح والحبوب الأخرى، غير أن هذه السياسة اتسمت بتكاليف مرتفعة وعدم جدوى اقتصادية مقارنة باستيراد تلك السلع من دول مثل اليونان أو الولايات المتحدة، كما أدى الاعتماد المفرط على المياه الارتوازية إلى استنزاف خطير لمخزون المياه الجوفية.
وإزاء إدراك السلطات في دول الخليج المخاطر المرتبطة بالاعتماد على المياه الجوفية وحساسية محطات تحلية المياه التي قد تشكل هدفا أولياً في حالات النزاع الإقليمي، اتجهت نحو تبني سياسات بديلة تركز على استيراد السلع الأساسية كالقمح وإنشاء مخزونات استراتيجية للحبوب المستوردة بدلاً من الإنتاج المحلي المكلف، بحسب راشد، مشيراً إلى أن هذه الاستراتيجية تمتد لتشمل أيضاً استيراد الأعلاف والدواجن وغيرها من المنتجات الحيوانية، مع التركيز على تخزين هذه المواد في مواقع آمنة ومحمية جغرافيا مثل المناطق الجبلية في سلطنة عمان والمملكة العربية السعودية لضمان استقرار الإمدادات الغذائية.
وتعتمد رؤية الأمن الغذائي الجديدة على تنويع مسارات الاستيراد عبر موانئ مطلة على البحر الأحمر والبحر العربي والمتوسط، بحسب راشد، ما يسمح بتوجيه الشحنات بعيداً من نقاط الاختناق الاستراتيجية مثل مضيق باب المندب ومضيق هرمز، حيث تستخدم موانئ سلطنة عمان لاستقبال السلع القادمة من آسيا بينما تسير السفن في ممرات آمنة وسط البحر الأحمر.

غير أن نجاح هذا النموذج اللوجستي يتطلب، حسب ما يرى راشد، تطوير شبكة متكاملة من الطرق البرية والسكك الحديدية لربط الموانئ على الساحل السعودي للبحر الأحمر مقابل الموانئ المصرية بمواني عمان وبقية دول الخليج، ما يضمن توزيعاً فعالاً للسلع داخلياً وإقليمياً عبر ممرات برية آمنة تمتد من شواطئ البحر الأبيض المتوسط وصولاً إلى دول الخليج العربية. ويخلص راشد إلى أن دول الخليج مطالبة أكثر من أي وقت مضى بتبني إجراءات استباقية وشاملة لتأمين مخزونات الحبوب والأغذية والأدوية الضرورية، بما يعزز مرونة سلاسل الإمداد ويقلل من التأثر بالتوتر الإقليمي المحتمل.
تخطيط الأمن اللوجستي
وفي السياق، يشير الخبير الاقتصادي، خلفان الطوقي، لـ"العربي الجديد"، إلى أن سلطنة عُمان لا تعاني من مشكلات في استراتيجيات التخزين الغذائي، حيث تم اعتماد خيارات مدروسة ومستندة إلى الممارسات العالمية، ما يعكس نضجاً في التوجه وفعالية في التخطيط للأمن اللوجستي، غير أن دولاً خليجية أخرى لم تأخذ الاحتياطات ذاتها.
ويضيف الطوقي أن الممرات البرية التي تربط سلطنة عمان بالمملكة العربية السعودية عبر الحدود المشتركة تشكل خياراً استراتيجياً حيوياً في مجال تخزين الحبوب، ويمكن اعتبارها خطاً بديلاً في حال حدوث أي عوائق في العلاقات أو المسارات مع دولة الإمارات العربية المتحدة. ويلفت الطوقي إلى أن الخط البري المباشر مع السعودية يسهم في تطوير منظومة التواصل الإقليمي ويمهد الطريق لتكامل أوسع مع دول الخليج، حيث تتطلب سلاسل الإمداد الحديثة اكتمال الحلقة اللوجستية من خلال دمج خطوط النقل البحرية مع شبكات السكك الحديدية والبرية.

العربي الجديد 



المصدر:
http://www.syriasteps.com/index.php?d=128&id=205698

Copyright © 2006 Syria Steps, All rights reserved - Powered by Platinum Inc