حين سقط الحزب… أين ذهب البعثيون ؟
ا



 
ا .
 المهندس ياسر علي أسع د
لم يكن سقوط حزبٍ حكم سوريا لأكثر من نصف قرن حدثاً عادياً، بل لحظة كاشفة تقُاس بها حقيقة العلاقة بين السلطة والمجتمع. فحين أعُلن تعليق نشاط حزب البعث العربي الاشتراكي من قبل قيادته ، ثم صدور قرار حله ومصادر ه ممتلكاته رسمبا خلال مؤتمر انتصار الثوره السوريه بدايه 2025 ، لم نشهد احتجاجات ولا تظاهرات ولا حتى
أصواتاً تندد أو تعترض. حزبٌ تتفاخر قيادا ته إن عدد أعضائه بلغ قرابة المليونين ،إ ختفى وتبخّر .
في اللحظة التي أ علن فيها الهروب وتحرير سوريا وفتح دمشق ، لم يخرج أحد إلى الشارع يهتف باسم البعث. لم تعقد اجتماعات طارئة. لم يصدر بيان , لم يرتفع صوت واحد يقول انتظروا، ثمة ما يستحق الإنقاذ .
هذا الصمت المدوّي ليس مصادف ة ، وليس مفاجأة . إنه اعتراف بالإدانة اعتراف لم ي سمَع بالكلمات لكنه ظهر بالفرار والتنكّر وتغيير صور الفيسبوك واختفاء بطاقات الحزب من المحافظ .
لكن بدا يه، علينا أن نقول الحقيقة كاملةً، بلا رحمة ولا مجامل ة , أعضاء حزب البعث يتحملون مسؤولية مباشرة فيما جرى لسوريا لا الهاربون وحدهم، ولا المخابرات وحدها، بل كل من حمل بطاقة الحزب وكان ي علم , كانوا جميعاً يعرفون , إن مايمارس لا علاقة له بـالوحدة والحرية والاشتراكية .
الأيديولوجيا البعثية ،، ظهرت في أروقة أكاديمية وذهنيات رومانسية لا صلة لها بواقع المنطقة, قومية عربي ة شاملة ، واشتراكية قومي ه لا تشبه أي اشتراكية, ووحدة لم ي حددَّ لها مكان ولا آلية , وديمقراطيه مركزيه لا تؤمن بالحريه , وعرف نقسه بأنه حركه شعبيه إنقلابيه , كلها أفكار عصيةّ على التطبيق . كان يكفي قراءة متأنية لدستو ر الحزب ونظامه الداخلي وإلقاء نظرة على تراثه الفكري الذي هو بضع ه ك ت يبات ظهرت تحت عن وان فضفاض - بعض المنطلقات ال نظريه - ومذكرات لقيادات طردت فعليا من التنظيم الحزبي بقرار من مؤتمر قومي , كي نفهم أن ما ي طبقَّ ليس ما هو مكتوب , لكن الأعضاء لم يكونوا يقر أون الميثاق بحثاً عن رؤية. كانوا يق رأونه ليجتازوا الاختبار الحزبي. الأيديولوجيا كانت مستأجرة , ت لبسَ في الاجتماعات وت خلعَ عند البا ب بعد ترديد الشعار .
ثمة خرافة مريحة يحبّ البعثيون السابقون ترديدها اليوم - كنا مجبرين - وهذه الخرافة تحتاج إلى مواجهة , نعم كان الإكراه حقيقياً في بعض الحالات, لكن الحقيقة الأوسع أن الملايين انتسبوا طوعاً لا قسراً طمعاً في الوظيفة، في الترقية ، في عق د البيت ، في المنحة الدراسية , وهؤلا ء حين آثروا مصالحهم الصغيرة، أدوّا دوراً لا ي ستهان به أضافوا إلى النظام شرعيةً زائفة، وأمدوّه بالأرقام التي كان يشهرها في وجه العالم، وملأوا الخلايا الحزبية التي كانت أذنَ ه وعينه وذراعه في كل حي وكل مكان عمل وكل مدرس ة ..... .
 أداروا وجوههم حين سمعوا الصراخ من وراء جدران الفروع الأمنية.
وقعّوا أوراق الفصل من العمل بحق من رفض الانتساب, بلغّوا عن الجيران حين اشتمّوا رائحة معارضة, صفقّوا في المؤتمرات ورقصوا في المهرجانات وقلوبهم فارغة من أي إيمان , وعندما اندلعت الثورة عام
2011، لم يقف البعثيون مع السوريين . ولم يستقيلوا جماعياً أو فرديا احتجاجاً.
لم يكن اختفاء الحزبٍ مجرد نهاية تنظيم سياسي، بل كان لحظة تعرية فكرية واجتماعية عميقة. فالحزب الذي رفع شعار “أمة عربية واحدة ذات رسالة خالدة” انتهى دون أن يخرج للدفاع عنه “أبناء الأمة” الذين قيل إن عددهم بالملايين. هذه المفارقة هي نتيجة مسار حوّل الفكرة إلى شعار، والحزب إلى جهاز، والسياسة إلى وظيفة .
 فالفكره لم تتطور وتحولت إلى نصوص محفوظة تلُقنّ ولا تنُاقش ,أصبح الانتماء للحزب لا يعني تبنيّ مشروعه، بل الالتزام بخطابه الرسمي وبدلاً من أن يكون الحزب فضاءً للحوار السياسي، صار أداة لإعادة إنتاج السلط ة و حدث الانفصال الأخطر بين ا لفكر والممارسة فالشعارات بقيت وحدوية، بينما الواقع أصبح أكثر انقسام اً وخفت الحديث عن العدالة الاجتماعية والطليعة الثورية واتسعت الفجو ات الاقتصادية , وخُنقت المبادرة الفردية .
أعاد البعث تشكيل الحياة السياسية بحيث لا يبقى فيها سوى نسخة واحدة ,ألغى التعددية , وحوّل الأحزاب الأخرى إلى كيانات خلبيه , دمج الحزب بالدول ة , حتى أصبح التمييز بين الموظف الحزبي والموظف العام مستحيل , ربط الولاء السياسي بالفرص الاقتصادية والاجتماعية و همّش النقابات والمجتمع المدني، وحوّلها إلى أذرع تابعة .
 ي جب أن لاننسى عامل الخوف… وهو العامل الأكثر عمقاً وتأثير اًفالحزب الذي ارتبط اسمه بالدولة، وبالأجهزة الأمنية، وبالسلطة المركزية، لم يترك مساحة حقيقية لولادة معارضة داخلية أو ثقافة حزبية مستقل ة , لم يتعلم أعضاؤه الدفاع عن الحزب , بل تعلمّوا الانضواء تحته طالما أنه قوي. وعندما ضع ف، لم يكن لديهم لا الإيمان ولا الأدوات ولا الشجاعة للدفاع عنه , حين سقط ا لنظام ، لم يسقط إيمانٌ حقيقي، بل سقطت مصلحة مؤقتة .
 أما عن تبخّر البعثيين ، فهو في الواقع إعادة تموضع أكثر منه اختفا ءكثيرون عادوا إلى هوياتهم الاجتماعية الأصلية , طوائ ف , عائلات , مهن , مناطق , بعضهم اختار الصمت بانتظار اتضاح المشهد , آخرون ربما يعيدون تشكيل أنفسهم ضمن أطر جديدة، سياسية أو طائفي ه أو اقتصادية أو إجتماعيه أ و حتى خارج البلاد فالانتماءات التي ت بنى على الضرور ة تزول بزوالها ليس لأنها أقوى بطبيعتها، بل بسبب الفشل في بناء بديل حقيقي لها .
لقد حاول الحزب إلغاء هذه الانتماءات عبر المصالح و القمع والتهميش , لا عبر دمجها في مشروع وطني جام ع فبقيت كامنة تحت السطح، تنتظر اللحظة التي يضعف فيها الغطاء السياسي لتعود بقوة .
إن الأحزاب التي لا ت بنى على قناعة حقيقية، ولا تسمح بالتعددية وممارسه الحربه والنقاش الفكري ، ولا تعيش في بيئة سياسية صحية،
تتحول مع الزمن إلى هياك ل فارغه بلا روح. تبدو قوية، لكنها في الحقيقة هشّة، تنتظر اللحظة التي تنهار فيها دفعة واحدة .
غياب الاحتجاج على حل حزب البعث لا يعني فقط نهايتة ، بل يعني نهاية نموذج كامل في العمل السياس ي نموذج الحزب الذي يندمج بالدولة حتى يذوب فيها، ويستمد شرعيته من السلطة لا من الناس .
ما حدث ليس مجرد نهاية البعث ، بل تحذير لأي تجربة سياسية قادمة , التحدي اليوم أمام السوريين ، ألا تبُنى سوريا القادمة على نفس الوهم ,
وهم الشعا رات والهوية المفروض ة , السورييون لا يطالبون بمحاكمات شعبية ولا بانتقام , بل اق ل بكثير * الاعتراف * .
 لم يسقط حزب … بل تلاشت أسطورة .
 لم يختفِ البعثيو ن بل تلاشى قناعٌ كان يستر حقيقة هشّ ة .
 عند هذه اللحظة الفاصلة، تقف سوريا أمام امتحانها الأخطر إما أن تعيد إنتاج الوهم ذات ه يشعارات كبرى ت رفع فوق واقعٍ مكس ورأو أن تختار الطريق الأصعب والأصدق دولة ت بنى على الحقيقة لا على الهتا ف .
العدالة ليس ت في الانتقام وتصفية الحساب , سوريا لا تحتاج محاكم غضب، بل شجاعة الاعتراف ,اعترافٌ صريح من الذين كانوا جزءاً من الماضي بما حدث، بما سكتوا عنه، وبما شاركوا في ه , فالأوطان لا ت شفى بإخفاء الجراح، بل بكشفها ومعالجتها ولا ي بنى السلم الأهلي بالصمت، بل بالصدق .
العدالة الانتقالية لا تنجح بالعقاب ، بل بالمساءلة التي ت عيد ل لسوريين كرامتهم وت جبر خو اطرهم ، وتفتح باب الغفران دون أن ت سقط الح قهذه ليست لحظة شماتة… بل لحظة مسؤولي ة وإن لم يتعلم السوريون
 .منها، فإن ما تبخّر اليوم… قد يعود غداً بشكلٍ أشد قسو ة .
سوريا الحره أمام فرصة تاريخية أن ت بنى الحياة السياسية على تعددية حقيقية، وهوية جامعة تقُنع لا تفُرض، وسياسة تمُارس لا تخُنق , أحزاب صغيرة أو كبيرة، لكن حقيقي ة , معارضة وموالاة , ضمن قواعد واضحة
,وانتماء سياسي قائم على الاختيار لا الإكرا ه , بعقد إجتماعي جديد أساسه حريه الرأي والمعنقد وإحترام الأخر ال م ختلف وسياده القانون .

 
 



المصدر:
http://www.syriasteps.com/index.php?d=127&id=205533

Copyright © 2006 Syria Steps, All rights reserved - Powered by Platinum Inc