جدل حول علاقة سوريا مع مؤسسات التمويل الدولية
03/05/2026
سيرياستيبس
اقترح رئيس مركز الفينيق للدراسات الاقتصادية، أحمد عوض، أن تعطي سوريا في علاقتها مع مؤسسات التمويل الدولية، الأولوية للمنح والقروض الميسرة جداً، لا للقروض التجارية أو قصيرة الأجل، وأن تعمل على تنويع مصادر التمويل بين المؤسسات الدولية، والصناديق العربية والإقليمية، والشراكات التنموية، والاستثمارات الإنتاجية.
أقل الشروط أكثر الأرباح
وشدد عوض، في تصريحات إعلامية على أن التحدي ليس فقط في حصول سوريا على التمويل، بل في نوعية هذا التمويل وشروطه واستخداماته، لافتاً إلى أن التمويل الذي يذهب إلى إعادة بناء شبكة المياه، والكهرباء، والصحة، والتعليم، والزراعة، والصناعات الصغيرة، يختلف جذريًا عن التمويل الذي يذهب لسد عجز مالي متكرر دون أثر إنتاجي واضح.
ويشير رئيس مركز الفينيق، إلى إمكانية أن تحقق سوريا مزايا الدعم الدولي دون الوقوع في فخ الديون إذا تبنت نهجاً حذراً يقوم على 3 مسارات متوازية.
وتلك المسارات بحسب عوض تتمثل في أولاً التفاوض لتقليل المشروطية التقشفية وربط الإصلاحات بالعدالة الاجتماعية؛ وثانيًا، بناء نظام حماية اجتماعية شامل قبل رفع الدعم أو تعديل الأسعار؛ وثالثاً، توجيه التمويل نحو التعافي الاقتصادي الحقيقي لا نحو إدارة الأزمة فقط.
ضرورة
ومن الناحية العملية يرى عوض، أن سوريا تبدو مضطرة للتعامل مع المؤسسات الدولية، ليس فقط بسبب ضخامة الاحتياجات التمويلية، بل لأن بنية الاقتصاد العالمي، وفرص الحصول على القروض الميسرة والمنح والدعم الفني، يمرّان بدرجة كبيرة عبر هذه القنوات والمؤسسات..
وأوضح أن سوريا دولة خارجة من سنوات طويلة من الحرب ولا تستطيع الاعتماد على مواردها المحلية وحدها، خاصة في ظل تراجع الإيرادات العامة، وتضرر البنية التحتية، وضعف القطاعات الإنتاجية، واتساع احتياجات السكان.
مخاطر
غير أن هذا المسار، رغم ضرورته، لا يخلو من مخاطر كبيرة، فالتعامل مع مؤسسات التمويل الدولية غالباً ما يرتبط بحزمة من الشروط والإصلاحات الاقتصادية، مثل: ضبط العجز المالي، وتقليص الدعم، وإعادة هيكلة القطاع العام، وتحرير بعض الأسعار، وتوسيع الإيرادات الضريبية، وضبط كتلة الأجور.
هواجس
الواقع أن وتيرة " تبشيرات" مسؤولي القطاع المالي السوري، بإبرام علاقات وصفقات جديدة مع مؤسسات التمويل الدولية التقليدية، تسارعت بشكل مكثف في الأشهر الأخيرة.
وإن كانت هذه التمويلات ستساعد السوريين في تحقيق نقلة جديدة باتجاه الخروج من أزمتهم المتراكمة على مدى 14 عاماً، إلا أن خبراء الاقتصاد يبدون هواجس كبيرة من الارتباط والارتهان لمؤسسات التمويل المعروفة بسطوتها على الدول المدينة لها " البنك وصندوق النقد الدوليين".
والواضح من الاجتماعات الخارجية المكثّفة لحاكم مصرف سورية المركزي الدكتور عبد القادر حصرية، ووزير المالية الدكتور محمد يسر برنية، أن ثمة سباق مع الوقت لإعادة الارتباط بهذه المؤسسات، بحثاً عن تعافٍ اقتصادي، بعد عام كامل من الدعم غير المسبوق خليجياً ودولياً.
حذر
وبحسب خبراء اقتصاد، يمكن لسوريا تحت ضغوط الاضطرار، بعد سنوات الحرب، أن تحقق لاقتصادها مزايا التمويل الدولي دون الاستدراج إلى فخ الديون إذا تبنت نهجاً حذراً يقوم على مسارات، منها التفاوض لتقليل المشروطية التقشفية، وربط الإصلاحات بالعدالة الاجتماعية، وبناء نظام حماية اجتماعية شامل قبل رفع الدعم أو تعديل الأسعار، وبناء شراكات إستراتيجية فاعلة.
استرداد الثقة المفقودة
كشفت بيانات قدمها وزير المالية د. برنية، أن إيرادات عام 2026 تسجل نحو 959 مليار ليرة سورية (حوالي 8.7 مليار دولار)، مقابل نفقات تصل إلى 1056.7 مليار ليرة (نحو 10.5 مليار دولار)، بعجز بالموازنة لعام 2026، يقارب 1.8 مليار دولار، أي ما يعادل 5% من الناتج المحلي الإجمالي، على أن يكون تمويل العجز، من خلال إصدار سندات وصكوك بشكل أساس، دون إشارة للاقتراض.
ويُلفت محللون إلى أن التركيز على المنح لا الاقتراض بات مسار اقتصاد سوريا حالياً، الذي يواجه حجم ديون خارجية يقدر بـ4.5 مليار دولار، دون احتساب ديون إيران وروسيا (تقدر بعشرات المليارات) بحسب تصريحات سابقة لـ«برنية»، مؤكداً أنه لن يتم التوجه للأسواق الدولية لإصدار أدوات دين حالياً، وأن التركيز سيكون على الحصول على دعم فني وزيادة المنح، إلى جانب حشد تمويلات عبر قنوات دولية وإقليمية، بدلاً من اللجوء إلى الاقتراض، مع مساع لعقد مؤتمر دولي للمانحين خلال الأشهر المقبلة.
آمال استثمارية
سبق وأن كثّف مسؤولة هيئة الاستثمار السورية، ورفعوا سقف طموحاتهم معلنين أن سوريا تستهدف استثمارات تصل إلى 100 مليار دولار، بعدما نجحت في أول 7 أشهر من التحرير، في اجتذاب 28 ملياراً، في وقت تم تقدير تكلفة إعادة إعمار البلاد بما يتراوح بين 600 و900 مليار دولار، وهذا سيتطلب دعماً دولياً واسعاً.
ومنذ أقل من شهر، قال مدير إدارة التعاون الدولي في وزارة الخارجية، قتيبة قاديش، في تصريحات إعلامية، إن دمشق تتجه إلى مرحلة جديدة من التعاون مع صندوق النقد والبنك الدوليين خلال الأشهر المقبلة.
وعلى أرض الواقع، شهد شهر نيسان، نشاطاً للوفود الرسمية السورية باجتماعات الربيع لصندوق النقد الدولي ومجموعة البنك الدولي في واشنطن.
وأجرى وزير المالية السوري، محمد يسر برنية، وحاكم مصرف سوريا المركزي عبد القادر الحصرية لقاءات مع وفود من المفوضية الأوروبية وبنك الاستثمار الأوروبي وصندوق الأمم المتحدة لتنمية رأس المال وصندوق النقد الدولي والبنك الدولي، ووكالة التنمية اليابانية (جايكا) بهدف بحث تقديم منح وتوفير تسهيلات مالية ودعم خطط حكومية لمكافحة الفقر، ودعم المشروعات الصغيرة والمتوسطة وتطوير القطاع المصرفي.
وكان صندوق النقد الدولي أعلن، مؤخراً، عن برنامج تعاون مكثف مع سوريا، شمل زيارة خبراء إلى دمشق في فبراير 2026، تمهيدًا لاستئناف مشاورات المادة الرابعة للمرة الأولى (مشاورات فنية) منذ العام 2009، وسط توقعات أن تكون في النصف الثاني من العام الجاري.
الشراكات الفعالة
يرى أستاذ الاقتصاد في جامعة دمشق عبد القادر عزوز، في حديث لوسائل إعلام عربية أن سوريا نتيجة سنوات الحرب تواجه تحديات كبيرة في عملية التعافي الاقتصادي، موضحاً أن الحكومة تسعى من خلال دبلوماسية اقتصادية نشطة إلى توفير مصادر التمويل، ليس عبر الاستدانة، بل من خلال بناء شراكات إستراتيجية فاعلة.
وأشار إلى أن بناء هذه الشراكات كان محور تحركات الوزراء ورئيس الجمهورية في الفترة الأخيرة، خاصة مع الأشقاء في دول الخليج العربي، بالإضافة إلى المشاركة الفاعلة في المؤتمرات الدولية الاقتصادية والزيارات المتكررة التي تلت عودة سوريا مجددا إلى مجموعة البنك الدولي العام الماضي.
وشدد عزوز على أن هذه الشراكة مع مؤسسات التمويل الدولية بحسب المؤشرات ستسهم بشكل كبير في توفير وتحسين خدمات الكهرباء والمياه والصحة، بالإضافة إلى تحسين بيئة الأعمال وجذب الاستثمارات الخارجية.
دعم غير مسبوق
وعلى مدار عام شهدت سوريا، دعما غير مسبوق، بدأ في نيسان 2025، باستضافة صندوق النقد والبنك الدولي السعودية اجتماعاً رفيع المستوى مع مسؤولين سوريين في واشنطن، مع التزام بدعم جهود التعافي في سوريا.
وفي أيار 2025، أعلن البنك الدولي، تسوية ديون سوريا المستحقة والبالغة 15.5 مليون دولار، بعد تلقيه مدفوعات من السعودية وقطر، مما يؤهل دمشق للحصول على منح بملايين الدولارات لدعم إعادة الإعمار، وتعزيز الموازنة.
وفي حزيران 2025، تمكنت سوريا من الحصول على منحة من البنك الدولي بقيمة 146 مليون دولار لدعم قطاع الكهرباء في سوريا، وفق بيان للبنك وتعد أول تمويل من نوعه منذ نحو 40 عاماً، وفي ديسمبر من العام ذاته، ألغت واشنطن نهائيا قانون قيصر الذي كان يمنع من التعامل المالي مع سوريا.
وفي آذار 2026، أعلن البنك الدولي موافقته على منحة لسوريا بقيمة 20 مليون دولار لتعزيز الكفاءة والشفافية، وفي 20 نيسان المنصرم ، أعلنت وزارة النقل السورية عن مباحثات لتخصيص منحة من البنك الدولي بقيمة تصل إلى 200 مليون دولار، لتمويل مشاريع في البنية التحتية في القطاع.
العين السورية
المصدر:
http://www.syriasteps.com/index.php?d=126&id=205501