الموانئ الباكستانية تحقق قفزة كبيرة في ظل أزمة هرمز
27/04/2026
سيرياستيبس
من أجل التعامل مع الزيادة، جرى إنشاء خدمة تغذية مخصصة تربط كراتشي بموانئ الفجيرة وخورفكان في الإمارات العربية المتحدة، مما يجعل باكستان بمثابة "أرضية عبور" للشحنات التي تريد الدخول إلى الخليج العربي بأمان.
تلعب إسلام آباد دوراً محورياً في الوساطة بين الولايات المتحدة وإيران، لتتصدر عناوين الصحف العالمية وتكتسب أهمية دبلوماسية كبيرة على الساحة العالمية. ووسط ترقب إجراء جولة من المفاوضات في العاصمة الباكستانية، يستمر الجمود حول مضيق هرمز الذي يعد شريان الحياة للتجارة العالمية.
وعلى رغم تأثر باكستان بإغلاق المضيق الذي يعبر منه نحو 85 في المئة من واردات الطاقة الباكستانية، وارتفاع أسعار الوقود في باكستان، فإن هناك جانباً إيجابياً للأزمة يتعلق بالاقتصاد البحري لباكستان.
وكما أن جغرافية باكستان المنفردة أبرزت أهميتها الدبلوماسية خلال هذه الأزمة، فإن هذه الجغرافية تقدم فرصاً اقتصادية وسط حال من عدم اليقين تسود دول الجوار، ولا سيما الموانئ المطلة على الخليج العربي.
وضع الأسواق العالمية
تأثرت حركة الملاحة العالمية بصورة كبيرة بعد إعادة إغلاق مضيق هرمز لتسود حال الجمود وعدم اليقين في الأسواق العالمية مرة أخرى، وتحول التخوف من عدم استقرار الموانئ الخليجية في حال الحرب مع إيران، إلى حقيقة ملموسة.
وارتفعت أقساط التأمين ضد أخطار الحرب في القطاع البحري بنسبة مذهلة بلغت 300 في المئة خلال الأسابيع الستة الماضية، كذلك ارتفعت كلفة الشحن على طرق الخليج إلى نحو 10 آلاف دولار لحاوية الشحن الواحدة (40 قدماً). من جانب آخر، يعاني البحارة وضعاً يائساً وسط وضع معقد، فالبحارة إما عالقون على متن سفن في مناطق شديدة الخطورة أو يواجهون تمديدات عقود غير محددة المدة.
لقد وقع أكثر من 20 هجوماً كبيراً على السفن التجارية منذ بداية الحرب، مما يكشف بوضوح عن حقيقة جغرافية أساس، وقامت شركات الشحن الكبرى بخفض أو تعليق خدماتها إلى موانئ الخليج رسمياً. المعضلة أن كل الموانئ في الخليج العربي مرتبطة بمضيق هرمز، لكن هذه الأزمة عززت إمكانية باكستان في استغلال هذه الفرصة لصالحها.
تؤثر أزمة الخليج بشدة في التجارة العالمية وتلقي بظلالها على البيئة التشغيلية للشركات البحرية العملاقة التقليدية، وتنعكس هذه الاضطرابات بصورة مباشرة على سلاسل التوريد وأسعار الشحن وتدفقات الطاقة بالنسبة إلى الاقتصادات الكبرى، مثل الصين وألمانيا والمملكة المتحدة والولايات المتحدة. وفي هذا السياق، تكتسب الطرق والموانئ البديلة أهمية متزايدة.
ميناء الفجيرة، على سبيل المثال، وهو ثالث أكبر مركز للتزود بالوقود في العالم علق عملياته، إذ إن ناقلات النفط مترددة في الاقتراب من مضيق هرمز، لأن السفن لا تخشى الحصار أو الهجمات الديناميكية فحسب، بل أيضاً الألغام البحرية المنتشرة غير المعروفة تحت الماء.
جوادر بديلاً لموانئ الخليج العربي
هذا الوضع يخلق فرصة نقل النشاط التجاري البحري إلى ميناء جوادر، وبخاصة أن موقعه ليس بعيداً من مضيق هرمز، مما يجعله بلا شك الخيار الأمثل للدول وشركات الشحن التي ترغب في تجنب أخطار الخليج.
وخلال الأيام الأخيرة، شوهد أن ميناء جوادر تحول من "ميناء محلي" إلى مركز إقليمي، إذ تجاوز حجم حركة الشحن في ميناء جوادر 10000 حاوية نمطية (وحدة مكافئة لـ20 قدماً) شهرياً للمرة الأولى في تاريخه. وبفضل عمق القناة الملاحية البالغ 14.5 أمتار، استقبل الميناء سفينة الشحن "أم في ريفا غلوري" التي حملت أكثر من 14000 طن من البضائع، إضافة إلى ذلك، وصلت سفينتان إلى ميناء جوادر الأسبوع الماضي لتفريغ حمولتهما.
وتشكل إمكانات جوادر الاقتصادية وبروزه كـ"ملاذ آمن" أساس للعمق الاستراتيجي المتوقع للممر الاقتصادي الصيني -الباكستاني، الذي يقدم نفسه على أنه "مركز عبور" آمن للتجارة في آسيا الوسطى.
ويمثل ربط ميناء جوادر العميق بالشبكة الداخلية البرية للممر الاقتصادي الصيني - الباكستاني حلاً عملياً للنأي بالتجارة الإقليمية عن عدم استقرار الخليج وفتح البوابة البحرية الرئيسة لأوراسيا.
موانئ كراتشي تستغل الوضع
استفادت هيئة ميناء كراتشي (KPT) من حاجة شركات الشحن إلى الطرق البديلة، وأظهرت مرونة تشغيلية استثنائية، وتعاملت مع أكثر من 8 آلاف حاوية خلال ثلاثة أسابيع فقط خلال مارس (آذار) 2026، وهو عدد يفوق إجمال الحاويات التي قدمت إلى الميناء خلال عام 2025 بأكمله.
وحققت عملية إعادة الشحن هذه بطبيعة الحال فائدة مالية هائلة، فيما قدمت الحكومة حزمة حوافز تضمنت خصماً يصل إلى 60 في المئة على رسوم الموانئ ورسوم الرصيف والتخزين من أجل الاستفادة بصورة أكبر من الوضع الحالي الاستثنائي.
وفي هذا الصدد، قامت هيئة ميناء كراتشي بتوسيع مرافقها داخل الميناء وخارجه لاستيعاب التدفق الكبير للشحن، وأقامت روابط مع مستودعات جمركية خاصة للحد من الازدحام على رصيف الميناء.
وأتاح توسيع محطة كراتشي غيتواي المحدودة للميناء استقبال سفن عملاقة من طراز super post panama، وهذا يثبت أن البنية التحتية للموانئ في باكستان قادرة على منافسة المعايير العالمية.
وبينما تتولى هيئة ميناء كراتشي التعامل مع الزيادة في عدد الحاويات، نجحت هيئة ميناء قاسم (ميناء آخر في كراتشي) في ترسيخ أمن الطاقة في البلاد، إذ تعاملت الهيئة مع رقم قياسي بلغ 50 ألف طن من موارد الطاقة خلال مارس الماضي فحسب.
كذلك سجلت محطة قاسم الدولية للحاويات زيادة كبيرة، إذ تعاملت مع أكثر من ثلاثة آلاف حاوية نمطية (TEU) جاءت من إعادة توجيه السفن، التي اختارت تفريغ حمولتها في هيئة ميناء قاسم بدلاً من المخاطرة بعبور مضيق هرمز.
وفي أبريل (نيسان) الجاري أكملت السفينة "مارين إيستا" أكبر عملية تزويد بالوقود على الإطلاق في ميناء كراتشي، كذلك أدى ازدياد عدد السفن الوافدة إلى ظهور شبكة متنامية لخدمات النقل البحري.
ومن أجل التعامل مع هذه الزيادة، جرى إنشاء خدمة تغذية مخصصة تربط كراتشي بموانئ الفجيرة وخورفكان في الإمارات العربية المتحدة، مما يجعل باكستان بمثابة "أرضية عبور" للشحنات التي تريد الدخول إلى الخليج العربي بأمان.
أخيراً، عانت باكستان لعقود من "العمى البحري"، حيث كان الوعي بأهمية مجالها البحري (أو ما يعرف بالاقتصاد الأزرق) ضئيلاً، إلا أن الأزمة الحالية قدمت فرصة استثنائية لتعزيز هذا القطاع، إذ إن إغلاق مضيق هرمز يمثل مأساة للتجارة العالمية، لكنه من جانب آخر فتح كثيراً من الإمكانات للموانئ الباكستانية.
تقف باكستان اليوم على منعطف بالغ الأهمية من حيث دورها في المجتمع الدولي وسياستها الداخلية وكذلك الاقتصاد المحلي، إذ إن التطورات الأخيرة أكسبت باكستان زخماً إعلامياً كبيراً، وأظهرتها كدولة راعية للسلام تجيد التوازن بين مختلف القوى الإقليمية، لكن استدامة هذه النظرة الإيجابية تعتمد بصورة كاملة على استغلال باكستان للظروف الحالية في إصلاح وضعها الداخلي، والذي يشكل فيه الاقتصاد ركيزة أساس.
اندبندنت عربية
المصدر:
http://www.syriasteps.com/index.php?d=136&id=205419