بين العملة الجديدة والقديمة.. هل نتجه لتمديد التعايش النقدي؟..
22/04/2026
سيرياستيبس
مع اقتراب طي الشهر الأول لتمديد فترة “التعايش” بين العملتين، تعود الأسئلة المشروعة لتفرض نفسها على واجهة المشهد الاقتصادي: هل نجحت هذه الفترة في امتصاص صدمات التحول النقدي، أم إنها كانت مجرد تأجيل لاستحقاقات لا مفر منها؟ وبينما تراقب الأسواق بحذر حركة التداول اليومية، يبدو أن الأنظار تتجه من الآن نحو “مطبخ القرار” بحثاً عن مؤشرات لمدى زمني جديد، وسط تساؤلات عن التوقيت الأمثل للإعلان عن أي تمديد محتمل يضمن استقرار التوقعات ويمنع أي ارتباك في سلاسل التوريد والأسعار.
الدكتور عبد الرحمن محمد أستاذ التمويل والمصارف في كلية الاقتصاد في جامعة حماة أوضح أن الاقتصاد السوري شهد في مرحلة ما بعد التحولات السياسية والمالية تحدياً بنيوياً نادراً في التاريخ النقدي المعاصر، تمثل في قرار إصدار عملة جديدة (تُعتبر بحكم التغيير الشامل للنظام المالي) مع إبقاء العملة القديمة متداولة لفترة انتقالية محددة، وهذا التعايش القسري بين عملتين مختلفتين في الشكل والمضمون القانوني، وإن كان يهدف إلى تحقيق الاستقرار النقدي وامتصاص الصدمات الاجتماعية، فإنه يحمل في طياته مخاطر اقتصادية جمة، من انقسام السوق إلى سعرين، مروراً بصعوبات المحاسبة والرقابة المصرفية، ووصولاً إلى تأجيج التضخم وتآكل الثقة بالعملة الوطنية.
وفي تحليل أستاذ الاقتصاد واقع الشهر الأول من هذا التمديد بناءً على المنهجية المالية والنماذج النقدية المقارنة (كدروس من تجارب زيمبابوي والعراق بعد 2003)، يقدم رؤية موضوعية لسيناريوهات المستقبل القريب.
استقرار هش في المنطقة الرمادية الخطرة
يرى أستاذ المصارف أنه وبالتقييم بمنظور أكاديمي ميداني يظهر أن الواقع حتى الآن يمكن وصفه بأنه استقرار هش غير متوازن، وأبرز ملامحه، انقسام السوق إلى شقين، سوق رئيس يتعامل بالعملة الجديدة في العقود الكبيرة والتحويلات المصرفية الرسمية (بسبب إلزامية القطاع العام والمصارف بها)، وسوق موازٍٍ (أسود أو رمادي) لا يزال يفضل العملة القديمة، خصوصاً في المناطق الريفية والمعاملات اليومية الصغيرة والتجارة الحدودية.
كما أنه يوجد إرباك تجاري ومحاسبي، حيث عانى التجار وأصحاب المحال صعوبة في تسعير السلعة الواحدة بعملتين مختلفتين، وازدادت الشكاوى من أخطاء الفكة والتسوية البنكية، فالمصارف عجزت جزئياً عن توفير عدادات كاشفة حديثة لكل فروعها، مما أطال زمن المعاملات، ناهيك عن مخاطر التزوير التي إن انخفضت لكن لم تختفِ، فالجديدة تحمل تقنيات أمان أعلى، لكن تداول القديمة بجانبها أبقى الباب مفتوحاً أمام الأوراق المزيفة القديمة المخزنة سابقاً.
وخلص تقييم محمد إلى أنه نجح القرار في تجنب انهيار نقدي مفاجئ، لكنه فشل في تحقيق التعايش السلس الأمثل، فالسوق لم يتبنَّ الجديدة كلياً بسبب غياب حملة توعوية كافية ومهلة غير كافية لسحب القديمة، الواقع الحالي يُصنّف ضمن المنطقة الرمادية الخطرة في إدارة الإصلاحات النقدية.
هل نتجه لتمديد جديد؟
يرى أستاذ الاقتصاد بأننا نتجه نحو تمديد جديد، وأنه بات حتمياً لأسباب أهمها أن نسبة سحب القديمة لا تتجاوز 40-50% من الكتلة المقدرة (حسب تقديرات غير رسمية)، وبقاء كميات كبيرة في المناطق النائية وخزائن المواطنين، كما أن القطاع المصرفي غير جاهز تقنياً لإنهاء التعايش فجأة (أجهزة صراف آلي غير مؤهلة، نقص عدادات)، ناهيك عن أن إلغاء التعايش الآن سيخلق أزمة سيولة حادة ويهرب رأس المال نحو الدولار أو الذهب.
واقترح محمد أن تكون مدة التمديد بين 3 إلى 6 أشهر إضافية، بحيث تكون على مرحلتين أول 3 أشهر تعايش كامل (كما هو الآن)، والـ 3 أشهر التالية قبول القديمة فقط في المصارف لاستبدالها، مع منع تداولها في الأسواق تدريجياً.
توقيت الإعلان المثالي
يرى محمد أنه يجب أن يتم الإعلان عن التمديد قبل أسبوعين على الأقل من نهاية المهلة الحالية، وليس في آخر يوم، أي إنه إذا انتهى التمديد الأول في نهاية الشهر الجاري، فيُعلن في منتصف ذلك الشهر، فالتوقيت المتأخر يخلق حالة ذعر وارتباك، والتوقيت المبكر جداً يضعف الالتزام، والإعلان يجب أن يكون عبر وسائل رسمية متعددة (تلفزيون، وبيان مصرف مركزي، ومنصات حكومية) مع توضيح أن هذا التمديد هو الأخير ما لم تقتضِ ضرورة قصوى غيره.
حذر أستاذ المصارف من أن أي تمديد دون برنامج موازٍ لحوافز استبدال (مثلاً منح مكافأة رمزية لمن يستبدل قديمة بجديدة خلال أول شهرين من التمديد) سيكون مجرد تأجيل للمشكلة، لا حلاً لها.
وختم محمد بالقول: تمثل تجربة تعايش العملتين في سورية حالة اختبار حقيقية لنظريات الهندسة النقدية في ظل الأزمات، فالواقع بعد شهر أظهر أن التعايش القسري أداة ملطفة للصدمة، لكنه ليس بديلاً عن خطة استبدال تدريجية واضحة ومقنعة، والتمديد الجديد ليس فشلاً للسياسة النقدية، بل اعترافاً بالواقع ومرونة مطلوبة، شريطة أن يقترن” بجداول زمنية محددة وعقوبات رادعة للمتعاملين بالقديمة بعد المهلة النهائية، ومن وجهة نظر أكاديمية، فإن أنجح السيناريوهات هو الذي ينهي حالة التعايش خلال أقل من عام كامل، ويعيد بناء الثقة بالعملة الجديدة عبر تثبيت قيمتها بآليات إنتاجية وتصديرية حقيقية، لا عبر إطالة أمد التعايش إلى ما لا نهاية، فالاقتصاد السوري لن يشفى من مرض التعدد النقدي إلا عندما تصبح الجديدة هي الخيار الوحيد، والوحدة القسرية للعملة هي مقدمة لوحدة السوق الحقيقية.
الوطن
المصدر:
http://www.syriasteps.com/index.php?d=126&id=205347