رقصة النفط القاتلة: مستويات قياسية للأسعار... وتحذير من الركود التضخمي
10/03/2026




سيرياستيبس 


تهطل الصواريخ على منشآت الطاقة فيما يشبه رقصة قاتلة ما بين إيران من جهة، والولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل من جهة أخرى، ليدخل العالم نفقَ صدمة اقتصادية لم تكن في الحسابات قبل شهر من الآن. فقد كانت مشاهد الانفجارات التي التهمت المنشآت النفطية الإيرانية أعنف من أن تستوعبها الأسواق، إذ تزامنت مع شللٍ شبه تام أصاب مفاصل الطاقة في الخليج. وبينما يظل مضيق هرمز، شريان التجارة العالمية، مقطوعاً، تبدو بواخر الشحن أشباحا تائهة في عرض البحر، تُلاحقها شركات التأمين برفض التغطية أو بفرض أثمانٍ فلكية لمخاطر الحرب.

هذا الانحباس في تدفق الإمدادات، دفع بخام برنت ليلامس عتبة الـ 120 دولاراً صبيحة أمس الاثنين، مسجلاً قفزةً بلغت 48% مقارنةً بالتاسع من فبراير/ شباط الماضي حين كان السعر 81 دولاراً، فيما لم يتخلف خام تكساس الأميركي عن الركب متجاوزاً الـ 119 دولاراً. ولم تتوقف الكارثة عند حدود براميل النفط، بل امتدت لتلتهم نحو 6 تريليونات دولار من القيمة السوقية للأسهم العالمية، والتي مُحيت منذ بدء الحرب الإيرانية.

وفي وقتٍ يلهث فيه العالم بحثاً عن مخارج، بدأت تداعيات نار الوقود تحرق جيوب المستهلكين، من كلفة النقل إلى أسعار المواد الأساسية، وصولاً إلى قطاع الطيران الذي بات حكراً على النخبة. ففي قفزةٍ سريالية تعكس واقع الانهيار، سجلت رحلة "سيول-لندن" على الخطوط الكورية في 11 مارس مبلغ 4359 دولاراً، بعد أن كانت قبل أسبوعٍ واحد فقط لا تتعدى 564 دولاراً.

هذه الأزمات المتداخلة لم تعد مجرد اضطراب عابر، بل باتت نذيراً بموجة ركود تضخمي يطبق خناقه على رقاب الاقتصادات العالمية، ما قد يضع البنوك المركزية في مأزق، حيث إن رفع الفائدة لمحاربة التضخم يخنق النمو أكثر، وخفض الفائدة لدعم النمو يزيد من اشتعال الأسعار.

وأطلت المديرة العامة لصندوق النقد الدولي، كريستالينا جورجيفا أمس الاثنين، لترسم مشهداً قاتماً، مؤكدةً أن استمرار الحرب يطرح تحديات غير مسبوقة على النمو والتضخم، مطالبةً صانعي السياسات بالاستعداد لصدمات قد تتردد أصداؤها حتى بعد صمت المدافع، وقالت جورجيفا: "في ظل هذا الوضع العالمي الجديد، فكّروا في ما لا يُتصوّر.. واستعدوا له".

الواقعُ اليوم يقول إن "ما لا يُتصوّر" قد حدث بالفعل، إذ انخفضت حركة الملاحة عبر مضيق هرمز بنسبة 90%. هذا الشريان الذي يضخ خُمس إمدادات النفط العالمية وتجارة الغاز المسال، ويمدّ آسيا بنصف حاجتها من النفط وربع حاجتها من الغاز، بات اليوم شبه مشلول.
في خضم هذا الغليان، اختار الرئيس الأميركي دونالد ترامب منصته "تروث سوشيال" ليقلل من وطأة الكارثة، معتبراً أن تقلبات الأسعار "ثمن زهيد للغاية" مقابل إنهاء الخطر النووي الإيراني، واعداً بهبوط سريع للأسعار فور انتهاء المهمة. لكن طمأنة ترامب تصطدم بجدار الحقائق القاسية، فصندوق النقد الدولي يؤكد أن ارتفاع أسعار الطاقة بنسبة 10% فقط لمدة عام كفيل برفع التضخم العالمي بمقدار 40 نقطة أساس وإبطاء عجلة النمو.

لم تفقد الأسواق إمدادات إيران فحسب بسبب الانفجارات الضخمة، بل إن المرافق الخليجية التي طاولها الاستهداف الإيراني تحتاج لعمليات صيانة، كما أن مجمعات الغاز القطرية ستحتاج لأسابيع بعد الحرب لتعود إلى الخدمة. كما أن الآثار المترتبة على إغلاق هرمز لن تتوقف عند عدادات الوقود، بل ستعصف بقطاعات التصنيع والزراعة نتيجة انقطاع شحنات الأسمدة من هرمز. ووفق التحليلات، ستبقى جيوب المستهلكين تنزف لفترة طويلة حتى بعد توقف الصواريخ.

تُشير تقديرات شركة كانيفا إلى أن استمرار الإغلاق سيبخر أكثر من 4 ملايين برميل يومياً، وقد يصل هذا النزيف إلى 9 ملايين برميل بحلول نهاية مارس/ آذار، أي ما يعادل عُشر الطلب العالمي على النفط. أما التأثيرات على الاقتصادات الكلية في البلدان فهي عميقة. وقال المؤرخ المتخصص في شؤون الطاقة، دانيال يرجين لصحيفة "وول ستريت جورنال": "إننا نشهد أكبر اضطراب في تاريخ العالم من حيث الإنتاج اليومي للنفط. وإذا استمر هذا الوضع لأسابيع، فسيكون له تداعيات واسعة النطاق على الاقتصاد العالمي".

في اليابان مثلاً التي تعتمد على الشرق الأوسط في نحو 90% من وارداتها النفطية، يُؤدي ارتفاع أسعار النفط الخام بالتزامن مع ضعف الين إلى زيادة خطر الركود التضخمي. وقد اطلقت الحكومة اليابانية تعليمات لموقع تخزين احتياطي النفط الوطني بالاستعداد لاحتمال إطلاق النفط الخام. وفرض المجلس العسكري الحاكم في ميانمار نظاما لتقنين استهلاك السيارات، بينما علّقت تايلاند بعض صادرات الوقود.

وأعلن الرئيس الكوري الجنوبي لي جاي ميونغ، أمس الاثنين، أن السلطات ستفرض سقفاً لأسعار الوقود المحلية لأول مرة منذ نحو 30 عاماً. كما أعلنت الحكومة الفيتنامية أنها تخطط لإزالة الرسوم الجمركية على واردات الوقود لضمان الإمدادات وسط الاضطرابات. وأعلن وزير المالية الإندونيسي أمس الاثنين أن بلاده ستزيد المبلغ المخصص لدعم الوقود في ميزانيتها العامة.

كذا طلبت الصين من شركات التكرير وقف توقيع عقود جديدة لتصدير الوقود ومحاولة إلغاء الشحنات التي تم الالتزام بها بالفعل. وأغلقت بنغلادش جميع الجامعات اعتبارا من الاثنين، مما سيؤدي إلى تقديم عطلة عيد الفطر في جزء من إجراءات الطوارئ للحفاظ على الكهرباء والوقود.
في المقابل، بدأ الحديث عن إطلاق احتياطي النفط للسيطرة على نقص المعروض، وانطلقت في هذا الصدد محادثات بين دول مجموعة السبع حول هذا الموضوع، وكذا الحال في وكالة الطاقة الدولية التي تمتلك وفق صحيفة "فايننشال تايمز" أكثر من 1.24 مليار برميل من المخزونات العامة بالإضافة إلى حوالي 600 مليون برميل أخرى من المخزونات الصناعية التي يمكن أن توفر إمدادات إضافية للسوق إذا لزم الأمر. ودعا زعيم الديمقراطيين في مجلس الشيوخ الأميركي تشاك شومر الرئيس ترامب إلى سحب كميات من احتياطي النفط الاستراتيجي "لوقف الصدمة السعرية التي تعاني منها الأسر الأميركية بالفعل بسبب حربه المتهورة".

واستمرت اضطرابات المصافي بسبب تصاعد التوتر في المنطقة، إذ خفضت شركة أرامكو السعودية العملاقة للنفط أمس الاثنين الإنتاج في اثنين من حقولها النفطية، فيما بدأت بتحويل مسار بعض شحناتها من النفط الخام إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر. وأعلنت شركة بابكو البحرينية حالة قوة قاهرة بعد هجوم في الآونة الأخيرة على مجمع مصافيها، كذا خفضت الإمارات الإنتاج. كما أن إنتاج العراق من حقوله النفطية الرئيسية الجنوبية انخفض 70% ليصل إلى 1.3 مليون برميل يوميا فقط من 4.3 ملايين برميل. وبدأت مؤسسة البترول الكويتية في خفض إنتاج النفط يوم السبت وأعلنت حالة القوة القاهرة على الشحنات.

وكانت "قطر للطاقة" أعلنت حالة القوة القاهرة في 4 مارس، وأوقفت إنتاج وتصدير الغاز الطبيعي المسال من منشآت "رأس لفان" الأكبر في العالم بعد هجمات طاولت المرافق. قطر توفر عادةً 20% من إمدادات الغاز المسال العالمية، وتوقفها تسبب في قفزة هائلة بأسعار الغاز، حيث ارتفعت العقود الآجلة القياسية في أوروبا بنسبة تصل إلى 30% أمس الاثنين، كما ارتفعت العقود الآجلة للغاز الطبيعي الأميركي، لتصل إلى أعلى مستوى لها في شهر.

وأشار باحثون من بنك الاستثمار الأميركي، مورغان ستانلي، إلى أن توقف إنتاج الغاز الطبيعي المسال في قطر، المصدر الرئيسي للغاز، من المرجح أن يُزيل معظم الفائض الذي توقعه بعض المحللين لهذا العام. وأضافوا أن أي تمديد لانقطاع الغاز الطبيعي المسال في قطر لأكثر من شهر "سيؤدي سريعاً إلى عجز في المعروض". وقد صرّح وزير الطاقة القطري سعد بن شريده الكعبي لصحيفة فايننشال تايمز بأن أي إعادة تشغيل واستئناف للتسليمات قد يستغرق أسابيع أو حتى أشهر.

أما في الأسواق، فـ"يتجه الوضع نحو الذعر. هناك اندفاع لبيع أو تقليص جميع أنواع الأصول الخطرة"، وفق داني وونغ، الرئيس التنفيذي لشركة أريكا كابيتال، في تصريح لوكالة "بلومبيرغ". يأتي ذلك بعدما سجلت غالبية الأسواق تراجعاً كبيراً خلال الافتتاح يوم الاثنين، حيث هبط مؤشر نيكاي الياباني بنسبة 5.2% بعد انخفاض بنسبة 5.5% الأسبوع الماضي. كما شهدت الصين، وهي مستورد كبير آخر للنفط على الرغم من امتلاكها مخزوناً ضخماً من النفط الخام، انخفاضاً في مؤشرها للأسهم القيادية بنسبة 1% تقريباً.

العربي الجديد 



المصدر:
http://www.syriasteps.com/index.php?d=136&id=204819

Copyright © 2006 Syria Steps, All rights reserved - Powered by Platinum Inc