من الركود إلى الفرص... هل تتحول سوريا الى اقتصاد ناشئ ..
20/02/2026





مخاوف تعيق عملية النمو الاقتصادي في سوريا , أهمها انهيار البنى التحتية و استمرار الأزمة الإنسانية و هجرة العقول والتبعية الاقتصادية و الفساد

خبراء: 2026 سيكون عام قطاف الاستثمارات

 

منذ سقوط النظام البائد، تحاول الحكومة السورية التركيز على إعادة اندماج الاقتصاد بالاقتصاد العالمي 

 
 

ملخص

سوريا بحاجة من 5 إلى 10 أعوام لتحقيق التعافي الاقتصادي، ومخاوف تعيق عملية النمو الاقتصادي في البلاد، أهمها انهيار البنى التحتية واستمرار الأزمة الإنسانية، وهجرة العقول والتبعية الاقتصادية والفساد

تسود حال من التفاؤل حيال قدرة الاقتصاد السوري على السير نحو تحقيق التعافي، خصوصاً بعد أن تحرر من العقوبات التي كبلته لعقود طويلة، وفي مقدمتها قانون "قيصر" الذي حاصر الاقتصاد وجمّده حتى درجة الاستنزاف.

عادت آبار النفط والاستعداد لاستثمار ثروات المياه الإقليمية من أكبر الشركات العالمية، مع التوقيع على مذكرات واتفاقيات استثمارية بمليارات الدولارات، بجانب مد جسور التعاون مع البنك الدولي وصندوق النقد الدولي لدعم مسار الإصلاح الاقتصادي وضمان عودة سوريا إلى النظام الاقتصادي والمصرفي العالمي.

بالنظر إلى تصريحات المسؤولين الحكوميين، فإن الأمور ذاهبة إلى الأفضل، فوزير الخارجية السوري أسعد الشيباني صرّح أواخر العام الماضي أن عام 2026 سيكون عام التنمية، وهو ما يجرى التأكيد عليه من قبل الحكومة ومسؤوليها عند كل اجتماع تعقده ولقاء تجريه، بخاصة بعد النجاح في التحرر من "قانون قيصر" وتحرير آبار النفط.

ليس تصريح وزير المالية محمد يسر برنية إلا مؤشراً مهماً لتفاؤل الحكومة السورية بمسار التنمية الاقتصادية، حين توقع أن يتضاعف نمو الاقتصاد السوري ليقترب من 10 في المئة خلال عام 2026 نتيجة تخفيف العقوبات الأميركية وتحسن الاستقرار في البلاد. وأكثر من ذلك، فإن الوزير السوري قال في مقابلة مع "بلومبيرغ" خلال مؤتمر العلا الذي أقيم أخيراً، إن الاقتصاد السوري يشهد انتعاشاً، إذ سجل نمواً بنسبة 5 في المئة عام 2025، في حين سجل الاقتصاد انكماشاً في الناتج المحلي بلغ 1.5 في المئة عام 2024.

بالمقابل، فإن رئيس هيئة الاستثمار في سوريا طلال الهلالي دأب على إعطاء صورة مشرقة للاستثمار في سوريا، وأعلن أخيراً عن حجم استثمارات بلغ 56 مليار دولار خلال العام الماضي، مؤكداً أن الحكومة تستهدف الوصول إلى 100 مليار دولار من الاستثمارات في البلاد بحلول عام 2026.

توقعات بمعدل نمو من 4 إلى 6 في المئة هذا العام

قدم مدير غرفة تجارة دمشق عامر خربوطلي توقعات مبشرة للاقتصاد السوري، وقال إن عام 2026 سيكون عام قطاف الاستثمارات التي قضت عام 2025 في الدراسة والترقب وانتظار تحسين الأوضاع الاقتصادية والتشريعية والنقدية والمصرفية وإلغاء العقوبات. وتوقع في دراسة له أن يتجاوز معدل النمو الاقتصادي هذا العام نسبة 4 في المئة، وقد يصل إلى 6 في المئة، وهي أعلى من معدل النمو السكاني المقدر بنحو 2.7 في المئة، وفي هذه الحال فقط سيشعر المواطن السوري بعوائد هذا النمو من خلال تزايد الناتج المحلي الإجمالي الفردي، وهو سيكون من أعلى معدلات النمو خلال العشرين سنة الماضية، بعدما انكفأ الاقتصاد السوري بنسبة 83 في المئة خلال أعوام الحرب الـ14.

خربوطلي أكد أنه يمكن لسوريا أن تحقق نهضة اقتصادية، لكن بشروط وصفها بـ"صعبة التحقيق دفعة واحدة"، وقابلة للتحقيق بشكل متدرج على مدى الأعوام الثلاث المقبلة إذا جرى التركيز على الاستثمارات المباشرة في القطاعات الإنتاجية والخدمية، والسير نحو التحول الرقمي، وتنويع القاعدة الاقتصادية وتقليل الاعتماد على الموارد الطبيعية غير المتجددة، والاستثمار في رأس المال البشري، وتحسين بيئة الأعمال وتعزيز الحوكمة ومكافحة الفساد، إلى جانب العمل على الاستثمار في البنية التحتية المستدامة.

قطاعات سريعة العائد

الاقتصاديون السوريون يبدون تفاؤلاً في إمكان نهوض الاقتصاد السوري، وبرأيهم التعافي ليس مستحيلاً، بل ممكناً إذا اعتمد على استقرار أمني مستدام وإصلاحات حقيقية تشمل الجميع من دون إقصاء، مؤكدين أن التجارب الدولية أثبتت أن النجاح يأتي عندما تتحول إعادة الإعمار من مجرد "بناء حجارة" إلى بناء ثقة ومؤسسات وفرص متساوية، مشيرين إلى أن الفرصة سانحة الآن أكثر من أي وقت مضى، لكنها تحتاج إلى قرارات جريئة وحكيمة لتتحول إلى مسار تعافٍ مستدام يعيد لسوريا مكانتها الاقتصادية والاجتماعية.

المتخصص في مجال الإدارة هشام خياط أوضح أن التأقلم مع النظام الاقتصادي العالمي ليس مجرد إجراءات فنية، بل عملية بناء ثقة طويلة الأمد، ولفت إلى أن تجارب دول مرت بظروف مشابهة، كالعراق بعد 2003، ولبنان بعد الحرب الأهلية، والبوسنة بعد اتفاق "دايتون"، تُظهر أن الاندماج يبدأ بإعادة ربط النظام المصرفي الدولي، وإصلاح البنك المركزي ليكون أكثر استقلالية وشفافية، وإعادة هيكلة الديون الخارجية بالتعاون مع صندوق النقد والبنك الدولي. ففي العراق، على سبيل المثال، ساعد رفع العقوبات وإعادة الاندماج المالي في جذب استثمارات أولية، لكن النجاح الحقيقي جاء فقط مع تحسين الحوكمة ومكافحة الفساد، وأشار إلى أن سوريا بحاجة إلى خطوات مماثلة تشمل قوانين استثمار حديثة، ومناطق حرة، وشراكات بين القطاعين العام والخاص، مع ضمانات شفافية تجنب تكرار نماذج "المحسوبية" التي أعاقت التعافي في بعض الحالات الإقليمية، ولفت إلى أن مخاوف التعافي تبقى مشروعة وكبيرة، فالاستقرار الأمني هش، والفساد المتراكم قد يحول الصفقات الكبرى إلى مصالح ضيقة بدلاً من مشاريع وطنية.

وتابع "التضخم والسيولة المحدودة، إضافة إلى ضغط عودة اللاجئين على الخدمات والوظائف، كلها عوامل قد تؤدي إلى انتكاسات إذا لم تُدار بحذر. تجربة لبنان بعد الحرب الأهلية تُظهر كيف أن طفرة إعادة الإعمار يمكن أن تكون قصيرة الأجل إذا اعتمدت على ديون خارجية من دون إصلاحات هيكلية عميقة، مما أدى لاحقاً إلى أزمات مالية متكررة... في سوريا، يجب أن يرافق التعافي بناء مؤسسات قوية ومستقلة وخطة واضحة لإعادة الإعمار تشمل الجميع"، وأشار إلى أن فرص الاقتصاد السوري الآن أكبر مما كانت عليه منذ عقود، وأن قطاع الطاقة يمكن أن يولد إيرادات سريعة ويحسن الكهرباء، واحتياجات إعادة الإعمار الهائلة "تقديرات تراوح ما بين 200-400 مليار دولار" تمثل فرصة جذب استثمارات من الخليج وتركيا وأوروبا، ورأى أن عودة اللاجئين تحمل معها رأس مال بشرياً واستهلاكاً محلياً يدفع التجارة، مؤكداً أن البدء بقطاعات سريعة العائد مثل الطاقة والزراعة، ثم الانتقال إلى الصناعة والخدمات، يمكن أن يولد نمواً ملحوظاً خلال 3-5 أعوام إذا رافقه استقرار.

5 إلى 10 سنوات للنهوض الاقتصادي

المتخصص الاقتصادي إيهاب اسمندر يؤكد أن هناك فرصة لانطلاق الاقتصاد السوري، بخاصة بعد الانتهاء من ملف العقوبات واستعادة النفط والأراضي الزراعية الأوسع والأهم في البلاد "الجزيرة"، موضحاً أنه من الناحية النظرية يمكن لسوريا أن تخطو اقتصادياً بسبب الموقع الجغرافي الاستراتيجي الذي تتمتع به، وتوفر الموارد الطبيعية من نفط وغاز وفوسفات وزراعة محتملة، إلى جانب حجم السوق الداخلية ووجود شتات سوري كبير يمكن أن يستثمر في البلاد، لكن هذه الفرصة، برأي المختص السوري، تتطلب من 5 إلى 10 أعوام مقبلة بسبب استمرار حال عدم الاستقرار الكامل وعدم وجود رؤية اقتصادية موحدة وخطة تنموية وطنية معلنة ومستقرة، مشيراً إلى صعوبة حصول إعادة إعمار واسعة من دون تسوية سياسية تفتح الباب للتمويل الدولي.

المختص السوري تحدث عن وجود مخاوف يمكن أن تعيق عملية التعافي الاقتصادي، مثل استمرار التشرذم السياسي والجغرافي، وانهيار البنى التحتية "تحتاج عملية إعادة الإعمار إلى 216 مليار دولار بحسب البنك الدولي"، أيضاً استمرار الأزمة الإنسانية والهجرة ونزوح الكفاءات وهجرة العقول، ورأى أن هناك تبعية اقتصادية إقليمية، "يمكن أن تؤدي المساعدات أو الاستثمارات من دول معينة إلى علاقات غير متوازنة بين سوريا وتلك الدول"، وهناك الفساد، "ما زالت سوريا تُصنّف وفق منظمة الشفافية الدولية على أنها ثالث أكثر دولة فساداً في العالم"، يُضاف إلى ذلك العقوبات، "بعض الجهات الدولية والشركات تتعامل مع سوريا كدولة معاقبة".

المتحدث السوري حدد مجموعة من الشروط يجب توافرها حتى تتمكن سوريا من التكيف مع النظام الاقتصادي العالمي، يأتي في مقدمتها إصلاح النظام المصرفي والمؤسسات المالية، "إصلاح جذري لاستعادة الثقة والامتثال للمعايير الدولية لمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب"، وتحقيق استقرار سياسي من خلال إنجاز حل سياسي شامل، واستقرار أمني لتشجيع الاستثمار الأجنبي المباشر على القدوم.

فرصة سوريا في التحول إلى سوق ناشئة

منذ سقوط النظام البائد، تحاول الحكومة السورية التركيز على إعادة اندماج الاقتصاد السوري بالاقتصاد العالمي، ويظهر بوضوح تركيزها على تسريع خطوات عملية باتجاه الاندماج المالي والمصرفي، لكن هل يمكن لسوريا أن تنجز تعافيها وتكون جزءاً من النظام الاقتصادي العالمي في الوقت نفسه؟

برأي المتخصص في الاقتصاد السياسي عبد الحميد القتلان، فإن الأمر قد يبدو أكثر تعقيداً، والسبب أن الاقتصاد السوري من البداية لم يكن مرتبطاً بالاقتصاد العالمي، والسعي اليوم ليكون جزءاً من المنظومة الاقتصادية العالمية يحتاج إلى وقت وإمكانات وخطط مرحلية، وأشار إلى نقطة إيجابية هي أن تأثر الاقتصاد السوري سيكون محدوداً جداً بأي أزمة اقتصادية عالمية، لأن الأزمة في سوريا أكبر، لكن يمكن أن تكون التغييرات التي يشهدها الاقتصاد العالمي فرصة للاقتصاد السوري للنمو بشكل سريع، وذلك بإنشاء "سوق ناشئة حقيقية" يكون مشجعاً للاستثمار أمام السوريين وغير السوريين، بحيث تصبح سوريا محل جذب للاستثمار، وتشجع المستثمرين على الهروب من الاقتصادات المتعثرة والمتخبطة والتوجه إلى سوق "ناشئة" يحتاج الاستثمار في كل شيء ويستوعب كل شيء لأنه بحاجة إلى كل شيء.

 

وتابع القتلان حديثه، "وضع خطة استثمارية وقوانين مشجعة وآليات اقتصادية ومالية مرنة من أجل خلق السوق الناشئة بشكل يُقنع ويشجع المستثمرين على القدوم إلى سوريا، ونكون بهذا قد استفدنا من الأزمة الاقتصادية العالمية بشكل إيجابي"، ولفت إلى أن صغر الاقتصاد السوري قد يحميه من التغيرات والأزمات التي يشهدها الاقتصاد العالمي، وبالمقابل يمكن أن يكون فرصة حقيقية لإعادة تشكيل هذا الاقتصاد بشكل ينسجم مع الاقتصاد العالمي، وقال إن النجاح يقتضي عدم تدخل الدولة في الاقتصاد بشكل مباشر، وهذا يتطلب مرحلة انتقالية قد لا تكون قصيرة، وعلى الحكومة السورية أن تديرها بطريقة متوازنة تؤمن إطلاق عملية الإعمار والتعافي بشكل لا يضغط مرحلياً على المواطن، بخاصة أن هناك انتشاراً للفقر والبطالة، إلى حين الوصول بالاقتصاد السوري إلى مرحلة يوازن فيها نفسه ويستقر ويحسن من دخل المواطن.

التسرع في التحول الاقتصادي قد يؤدي إلى الانهيار

من جهتها، رأت الباحثة الاقتصادية فريال صقر أن دور الدولة الرئيسي يكمن في إدارة عملية التعافي وفتح الاقتصاد بدقة شديدة وبالتدريج، أي إنجاز التحرير الاقتصادي على مراحل، وأوضحت صقر، أن الفترة الانتقالية حكماً ستكون أطول، لكن بالمقابل ستحقق التوازن، محذرةً من أن التسرع قد يؤدي إلى الانهيار كما حصل في شرق أوروبا بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، إذ كان التحول سريعاً وأدى إلى كوارث اقتصادية، وهذا الأمر لا تتحمله سوريا أبداً.

وتحدثت عن وجود عوامل إيجابية تساعد سوريا في تجاوز هذه الفترة وتقصير مدة التحول الاقتصادي التي سيعاني فيها المواطن، وأهمها عودة آبار النفط لإدارة الدولة، وأيضاً كون سوريا دولة زراعية وحققت الاكتفاء الذاتي في الماضي، ومن الممكن بإدارة واعية وخطط موضوعة بدقة وفي وقت قصير أن تصل إلى الاكتفاء الذاتي، ولاحقاً التوسع باتجاه التصدير.

اندبندنت عربية



المصدر:
http://www.syriasteps.com/index.php?d=131&id=204596

Copyright © 2006 Syria Steps, All rights reserved - Powered by Platinum Inc