
سيرياستيبس :
كتب نادر جنيد ـ مستشار طيار:
إن أي إصلاح حقيقي ومستدام في ملف الطاقة لا يمكن أن ينجح بمعزل عن إصلاح جذري ومتزامن في السياسة النقدية، وهيكل الأجور، والحوكمة المالية للدولة. فالمشكلة الجوهرية في قطاع الطاقة لا تكمن فقط في أرقام الأسعار الاسمية (كأن يكون سعر كيلو واط الكهرباء 60 ليرة سورية)، وإنما في القيمة الحقيقية للعملة الوطنية مقابل الدولار. اليوم يتقاضى بعض المسؤولين رواتب تتجاوز 1000 دولار شهرياً، في حين أن رواتب الموظفين والمتقاعدين أقل من 100 دولار؛ هذا الخلل البنيوي هو أحد أهم أسباب الاحتقان الاجتماعي، وهو ما أفقد شريحة واسعة من المواطنين ثمار النصر والأمل بالتغيير الحقيقي. إن استمرار التعامل مع ملفات الطاقة والمياه والإنترنت والضرائب بعقلية التسعير الجزئي (نرفع هنا ونخفض هناك) دون معالجة أصل المشكلة النقدية، يمثل امتداداً عملياً لنهج اقتصادي تقليدي أثبت فشله، ولا ينسجم مع متطلبات بناء اقتصاد حديث. نسمع اليوم مقترحات متعددة، منها: رفع أسعار المشتقات النفطية لمنع تهريبها. خفض سعر الكهرباء بحجة دعم الإنتاج الصناعي. لكن هذه المعالجات تبقى سطحية ما لم تُعالَج الجذور؛ فعلى سبيل المثال: سعر كيلو واط الكهرباء بـ 60 ليرة سورية يعادل حالياً تقريباً 5 سنتات أمريكية، ولو كانت قيمة الدولار 1000 ليرة فقط، لأصبح السعر نفسه 60 سنتاً. أي أن العبرة ليست بعدد الليرات، بل بقيمتها الشرائية. ومن هنا أضع بين أيديكم رؤية إصلاحية متكاملة تقوم على المحاور التالية: أولاً: إصلاح نقدي جذري البنك المركزي يملك كل العملة وميزانية الدولة، ولا تنافسها أي عملة أخرى في السوق. استبدال كل 1000 ليرة سورية قديمة (أو كل 10 ليرات جديدة) مقابل 1 دولار أمريكي وفق آلية واضحة ومضبوطة. ثانياً: إعادة هيكلة الأجور جذرياً ليس عبر زيادات شكلية، بل عبر تعديل شامل يجعل متوسط راتب الموظف الحكومي ضمن مستوى مقارب للحد الأدنى للأجور في الدول الأوروبية، أي بحدود 2000 إلى 3000 دولار شهرياً. عندها فقط يمكن تسعير الكهرباء والمياه والخدمات العامة وفق تكلفتها الحقيقية دون ظلم المواطن. ثالثاً: التحول إلى الدفع الإلكتروني الشامل توحيد عمليات البيع والشراء عبر بطاقات إلكترونية في جميع دوائر الدولة، ومحطات الوقود، والمؤسسات العامة والخاصة. اعتماد بطاقات ائتمان أو بطاقات دفع إلكترونية كوسيلة رئيسية للتعامل. ويحقق ذلك النتائج التالية: ضبط الكتلة النقدية. إبقاء السيولة داخل النظام المصرفي. الحد من التلاعب بالعملة. تعزيز الشفافية ومكافحة الفساد. وقف طباعة العملة الذي يؤدي إلى التعويم والفقر والانهيار. إن إصلاح ملف الطاقة يبدأ من البنك المركزي بقدر ما يبدأ من الوزارة المعنية، ويحتاج إلى قرار شجاع بالانتقال من إدارة الأزمات إلى بناء نظام اقتصادي جديد متكامل. اليوم لدينا عملة جديدة، ومعظمها بيد البنك المركزي؛ ولو قرر البنك المركزي أن يبيع ويشتري الدولار بألف ليرة بدل عشرة آلاف ليرة، لأصبح هو المتحكم بالسوق، وهو من يصنع السعر لا “السوق السوداء”. بدل أن ترهقوا المواطن برفع أسعار الكهرباء والوقود والضرائب، ارفعوا قيمة الليرة السورية نفسها. فعندما ترتفع قيمة الليرة: يرتاح المواطن، وترتفع القدرة الشرائية، وتقوى خزينة الدولة. لو كان راتب الموظف الحقيقي يساوي ألف دولار، فليكن راتبه عشرة آلاف ليرة بسعر صرف قوي. أما اليوم، فيقبض مئة ألف ليرة ولا تكفيه لأسبوع! وماذا ستكون النتيجة؟ طباعة عملة جديدة، ثم عملة جديدة، ثم تعويم، ثم انهيار مستمر. والسؤال الواضح: لماذا لا تُربط الليرة السورية بالدولار كما تفعل دول الخليج؟ هل نحن أفهم من دول الخليج؟ أم أن المشكلة تكمن في غياب القرار الاقتصادي الصحيح؟ الدولة التي لا تحمي عملتها لا تحمي شعبها. إصلاح الليرة ليس خياراً، بل ضرورة وطنية. ارفعوا قيمة الليرة قبل أن ترفعوا أعداد الفقراء. إما اقتصاد حقيقي.. أو انهيار دائم.
والقرار بيدكم. وتفضلوا بقبول فائق الاحترام والتقدير.
المصدر:
http://www.syriasteps.com/index.php?d=131&id=204384