سورية الجميلة RSS خدمة   Last Update:19/09/2026 | SYR: 17:28 | 19/09/2026
الأرشيف اتصل بنا التحرير

 حكاية القمح السوري... حين تستعيد السنابل وطنها
19/09/2026      



سيرياستيبس 

حكاية القمح السوري ليست حكاية محصول تتقلب كمياته بين موسم وآخر، بل حكاية تحوّل اقتصادي واجتماعي تشكّل حول الأرض والمياه والبحث العلمي والعمل الريفي والسياسة العامة. فمن الحنطة الحورانية التي منحت جنوب سورية مكانته التاريخية، إلى انتقال مركز الإنتاج نحو الجزيرة وحوض الفرات، وسطور أخرى يمكن روايتها في هذه الحكاية، ومن برامج التحسين الوراثي وإكثار البذار التي أسهمت في بناء القدرة على الاكتفاء قبل الحرب، إلى موجات الجفاف التي خفضت الغلة وأضعفت سبل العيش ودفعت السكان إلى الهجرة، ثم الحرب التي نقلت مركز الثقل من اقتصاد الإنتاج إلى اقتصاد الاستيراد والوساطة، تختصر السنابل مساراً واسعاً من تحولات الاقتصاد السوري. ولهذا لا ينبغي قراءة تعافي محصول عام 2026 بوصفه زيادةً كميةً أو إعلاناً نهائياً عن الاكتفاء الذاتي، بل مؤشراً أولياً إلى التعافي الزراعي واختباراً لقدرة الاقتصاد على الانتقال من إدارة الندرة إلى بناء قدرة إنتاجية مرنة ومستدامة. فالسؤال ليس كم طناً أنتجت سورية في موسم مواتٍ، بل ما إذا كانت تستطيع تثبيت الإنتاج عبر الدورات المناخية، ورفع إنتاجية الأرض والمياه، وإنصاف المنتجين، وربط الزراعة بالنمو الاقتصادي والتشغيل والاستقرار السكاني والتنمية الإقليمية.

بلغ إنتاج القمح نحو 4.93 ملايين طن عام 2006، ثم هبط إلى نحو 2.14 مليون طن عام 2008، وانخفض مردود الهكتار إلى نحو 1.44 طن، وجاء قرابة 92% من الإنتاج من الأراضي المروية

من الحنطة الحورانية إلى صناعة الاكتفاء الذاتي
بدأت الحكاية من الجغرافية. فقد منحت التربة البركانية وملاءمة الزراعة البعلية سهل حوران، إلى جانب خبرة الفلاح السوري المتراكمة، مكانةً تاريخيةً جعلته يوصف بأنه من "أهراءات روما". ولا تقدم العبارة مقياساً تاريخياً دقيقاً، لكنها تختصر وظيفةً اقتصاديةً مستمرة: إنتاج فائض من الحنطة يربط الريف بالمدينة، ويولد التجارة والتخزين والنقل، ويمنح الإقليم وزناً يتجاوز حدود الزراعة. غير أن الطبيعة لم تبق العامل الوحيد في تحديد جغرافية القمح. فقد أعادت مشروعات الري والاستصلاح والاستثمار العام رسم خريطة الإنتاج، وانتقل مركز الثقل تدريجياً نحو الحسكة والرقة وحلب ودير الزور وحماة، فيما حافظت حوران وحمص وإدلب على أدوار مهمة، ولا سيما في القمح البعلي والقاسي. وبذلك أصبحت الجغرافية الإنتاجية محصّلة لسياسات تخصيص المياه والبنية الأساسية والأسعار والدعم، لا انعكاساً للأمطار والتربة وحدهما.
ولم يكن الاكتفاء الذي بلغته سورية قبل الحرب هبةً من الأرض، بل نتيجة تراكم مؤسسي جمع استصلاح الأراضي والري وإنتاج البذار المحسنة والإرشاد والمكننة ودعم الوقود والأسمدة والائتمان والشراء الحكومي. وبين عامي 1991 و1995 ارتفعت المساحة المزروعة من 1.269 مليون هكتار إلى 1.644 مليون هكتار، وزاد الإنتاج من 2.14 مليون طن إلى 4.184 ملايين طن، وارتفع مردود الهكتار من 1.686 طن إلى 2.545 طن. وبين عامي 2001 و2005 بلغ متوسط الإنتاج نحو 4.7 ملايين طن، واقترب عام 2006 من خمسة ملايين طن. وكان القمح المروي يوفر نحو 68% من الإنتاج رغم أن مساحته كانت أقل من المساحة المزروعة بعلاً. وهذا يثبت أن الاكتفاء قام على رفع الإنتاجية وتقليل تقلب الغلة، لكنه يكشف أيضاً هشاشة الارتباط بالطاقة والري والمياه الجوفية. لذلك تقتضي الاستدامة قياس العائد من الهكتار ومن كل متر مكعب، لا المساحة المزروعة وحدها. وكان التحسين الوراثي الحلقة العلمية الأكثر حسماً في هذا التحول. ففي عام 1973 لم تكن الأصناف الحديثة تغطي سوى نحو 8% من مساحة القمح، ثم توسع استخدامها حتى غطى الصنفان شام 1 وشام 3 أكثر من 60% من المساحة المزروعة بحلول أواخر تسعينيات القرن الماضي. ولم يكن ذلك مجرد إحلال صنف محل آخر، بل انتقالاً نحو منظومة تجمع التهجين والانتخاب الوراثي واختبار التراكيب في بيئات متعددة، بهدف رفع الغلة وتحسين استقرارها ومقاومة الأمراض وتحمل الجفاف والحرارة والملوحة.
وفي تل حديا بريف حلب اكتسب بنك الموارد الوراثية لـ"إيكاردا" قيمةً استراتيجيةً موازيةً لمشروعات الري، لأن التكيف المناخي يتطلب أصنافاً أعلى كفاءةً في استخدام المياه وأكثر ثباتاً تحت الإجهاد. وعادت هذه الوظيفة عام 2026 عبر استعادة نظام البذار انطلاقاً من 1.625 كيلوغراماً من بذار المربي وما قبل الأساس، وإنشاء سبعة حقول للإكثار وأربع مجموعات لمنتجي البذار، بمشاركة 49 مزارعاً على نحو مائتي هكتار. وتظهر القيمة الاقتصادية لهذا العمل في القمح القاسي، الذي شكّل نحو 43% من الإنتاج السوري عام 2006 ويوفر قاعدةً لصناعات البرغل والسميد والمعكرونة. فقد أظهرت دراسات على أصناف وسلالات محسنة محتوىً بروتينياً بين 13.6% و15.3%، ونسبة استخراج وصلت في إحدى السلالات إلى 74%. وهذه الخصائص ليست مؤشرات مخبريةً منعزلة، بل عناصر لميزة تنافسية يمكن تحويلها إلى قيمة مضافة وصادرات غذائية، شرط ربط الصنف بالجودة والتصنيف والتصنيع والتسويق. ولا ينبغي نسبة هذه القدرة إلى كفاءة النظام السابق، فقد قامت على خبرة الفلاحين والباحثين والموارد الوراثية واستثمارات عامة تراكمت عبر عقود. أما النظام فحوّل الاكتفاء الذاتي إلى شعار دعائي، وركز على الكميات من دون سياسة شفافة تحمي المنتج من الجفاف وتقلب الأسعار. وهكذا سوّق صورة الاكتفاء، بينما كشفت أزمات المياه والدعم والفساد هشاشة شروط استدامته.

الجفاف من صدمة إنتاجية إلى هجرة سكانية
كشف الجفاف حدود النموذج قبل الحرب. فقد بلغ إنتاج القمح نحو 4.93 ملايين طن عام 2006، ثم هبط إلى نحو 2.14 مليون طن عام 2008، وانخفض مردود الهكتار إلى نحو 1.44 طن، وجاء قرابة 92% من الإنتاج من الأراضي المروية. وتداخل نقص الأمطار خلال 2006–2010 مع استنزاف المياه الجوفية وتراجع بعض أشكال الدعم وارتفاع تكاليف الوقود والأسمدة، فتحولت الصدمة المناخية إلى أزمة في دخل الفلاح وقدرته على الاستمرار. وأسهم تدهور سبل العيش في انتقال ما يقدر بنحو مليون إلى 1.5 مليون شخص من المناطق الريفية، ولا سيما شمال شرقي سورية، إلى المدن وأطرافها. ولا يجوز رد هذه الحركة إلى الجفاف وحده، فقد تداخلت معها البطالة والفقر وسوء إدارة الموارد، لكنها تكشف المسار السببي الذي تنتقل عبره الصدمة من فشل المحصول إلى فقدان العمل وبيع الماشية والأصول والاقتراض، ثم إلى الهجرة بوصفها استراتيجيةً اضطراريةً لحماية الأسرة. وتكرر المسار في الموسم الزراعي 2024–2025، حين انخفضت الأمطار بنحو 54% عن المتوسط طويل الأجل، ووصل العجز في بعض المناطق إلى 69%، وتعرض نحو 75% من الأراضي البعلية للإجهاد المائي. وهبط إنتاج القمح إلى نحو 934 ألف طن عام 2025 بعد نحو 900 ألف طن عام 2024، واتسعت فجوة القمح إلى نحو 2.73 مليون طن. ولم تكن الفجوة نقصاً غذائياً فقط، بل تراجعاً في أجور العمال الزراعيين ودخل النقل والخدمات الريفية والطلب المحلي، وارتفاعاً في مخاطر تجدد الهجرة.

لا تكتمل عودة جغرافية القمح من دون استعادة البنية المائية التي صنعتها. فقد ارتبط انتقال مركز الإنتاج إلى الجزيرة وحوض الفرات بمشروعات عامة أعادت تشكيل استخدام الأرض

الحرب واقتصاد الاستيراد والندرة الإنتاجية
دخلت منظومة القمح الحرب وهي منهكة، ثم تفككت حلقاتها الأساسية. تضررت شبكات الري والصوامع والطرق ومؤسسات البذار والإرشاد، وانفصلت مناطق الإنتاج عن مراكز التخزين والاستهلاك. فانخفض الإنتاج الرسمي إلى نحو 1.07 مليون طن عام 2014، ثم إلى 468 ألف طن عام 2018، وتحول النقص من أزمة إنتاج عابرة إلى بنية اقتصادية أعادت توزيع القوة والعائد. ففي اقتصاد الإنتاج تتوزع القيمة بين الفلاح والعامل والنقل والتخزين والطحن والخدمات الزراعية. أما في اقتصاد العجز فتنتقل إلى المستورد وشركات الشحن والوسطاء والقادرين على الوصول إلى التمويل والعقود. ومع ضعف المنافسة والإفصاح، أصبحت الندرة مورداً للريع لا مجرد مشكلة مطلوب حلها، ونشأت حول الوقود والبذار والأسمدة والتخزين والتوريد شبكات مصالح حمّلت المنتج والمستهلك الكلفة النهائية.
ومنذ عام 2017 احتل القمح الروسي حيزاً رئيسياً في الإمدادات السورية. وقد ترافق ذلك مع عقود كبيرة وظروف تمويل وتنفيذ معقدة، بينها تعثر عقد لتوريد مليون طن أُسند إلى شركة محدودة الخبرة وبسعر بدا أدنى من مستويات السوق، ثم الإعلان عن اتفاق لشراء ثلاثة ملايين طن خلال ثلاث سنوات بتمويل ائتماني روسي. ولا تكفي هذه الوقائع للحكم على جميع التعاقدات، لكنها تكشف بيئةً تداخلت فيها الضرورة الغذائية مع ضعف المنافسة والإفصاح، وأحاطت ببعض الصفقات أسئلة مشروعة عن الوسطاء والأسعار وشروط التمويل والتنفيذ، وبرز دور السماسرة الذين لعبوا دورا مهما في تفضيل الاستيراد على حساب الإنتاج ضمن صفقات فساد كان النظام السابق يستفيد منها ويعمل على حمايتها. كما نقل الاستيراد أثر تراجع الإنتاج إلى التضخم وسعر الصرف. فارتفاع الطلب على القطع الأجنبي وتكاليف الشحن والتأمين يرفع كلفة الخبز. وإذا تحملت الموازنة فارق الكلفة ظهر الأثر في الدعم والعجز، وإذا نُقل إلى المستهلك ظهر في التضخم الغذائي وتراجع الأجور الحقيقية. لذلك لا تعني استعادة الإنتاج إحلال طن سوري محل طن مستورد فقط، بل إعادة توزيع الدخل والقوة من اقتصاد التوريد والوساطة إلى اقتصاد الإنتاج والعمل.

المياه رأس مال إنتاجياً
لا تكتمل عودة جغرافية القمح من دون استعادة البنية المائية التي صنعتها. فقد ارتبط انتقال مركز الإنتاج إلى الجزيرة وحوض الفرات بمشروعات عامة أعادت تشكيل استخدام الأرض، من سهول الحسكة ومشروع جر مياه دجلة إلى شبكات الرقة ودير الزور، ومشروعي مسكنة شرق ومسكنة غرب، وسهول حلب الجنوبية، إضافةً إلى مشروعات الري في سلمية والغاب. ولذلك فإن إعادة تأهيل هذه المنظومات لا تمثل ترميماً لبنية متضررة فحسب، بل إعادة تكوين لرأس المال الإنتاجي الزراعي.
وتوفر مشروعات مسكنة مثالاً على هذا البعد، إذ تبلغ مساحة مسكنة غرب نحو 34.1 ألف هكتار، وتبلغ مساحة مسكنة شرق نحو 17.7 ألف هكتار، إضافةً إلى مشروع منشأة أخرى بنحو 17 ألف هكتار. كما يستهدف مشروع سهول حلب الجنوبية، في تصوره الكامل، نحو 65 ألف هكتار. وهذه المشروعات تعيد ربط مياه الفرات بالإنتاج الزراعي والأسواق الحضرية والصناعات الغذائية، بما يوسع الأثر المضاعف للاستثمار العام على الدخل والتشغيل.
وفي الرقة، أظهرت إعادة تأهيل 2.320 متراً من قنوات الري إمكان استعادة خدمة مساحة واسعة قُدرت بنحو 63 ألف هكتار، بعدما دفع تضرر الشبكات بعض المزارعين إلى الاعتماد على آبار مرتفعة الكلفة والملوحة أو إلى مغادرة أراضيهم. ويبين ذلك أن إصلاح الري ليس تدخلاً فنياً فقط، بل سياسة لاستعادة سبل العيش والحد من الهجرة ودعم العودة الريفية.
كما أن مشروع سهول الرصافة وسهول سلمية من المشاريع الهامة التي لم تدرس بعد بصورة مناسبة والتي يمكن أن تعيد النشاط الزراعي لقرى السليمة بعد الجفاف الكبير الذي حصل في السنوات الخمسين بعد تجفيف سهل الغاب. أما مشروع جر مياه دجلة إلى سهول الحسكة فيحتاج إلى تقييم اقتصادي وبيئي لكلفة الإنشاء والطاقة والتشغيل والحقوق المائية وكفاءة الشبكات. وفي دير الزور وسلمية قد يكون الري التكميلي وحصاد المياه والصيانة والأصناف المبكرة أجدى من التوسّع غير المحسوب. فالمعيار هو إنتاجية المياه واستقرار الغلة وكلفة الطن والعمل والدخل المتولد من الاستثمار.

من شبكات الدعم الزراعي إلى سياسة السعر النهائي
لم يقتصر اقتصاد الندرة على الاستيراد، بل امتد إلى منظومة الدعم والإنتاج. فقد كان الدعم الزراعي سابقاً يشمل البذار والأسمدة والمازوت والكهرباء والائتمان والري والتسويق، ضمن دعم للمشتقات النفطية بلغ إجمالاً نحو 2.9 مليار دولار عام 2010، وإن لم يكن مخصصاً للزراعة وحدها. وكشف رفع سعر ليتر المازوت من سبعة ليرات إلى 25 ليرة عام 2008 مقدار اعتماد الري والمكننة والنقل على دعم الطاقة لضمان مردود وحدة المساحة. غير أن تعدد قنوات التوزيع وضعف الرقابة وعدم دقة سجلات الحيازات أتاح لشبكات من المنتفعين والوسطاء تحويل جانب من البذار والأسمدة والأدوية والمازوت المدعوم إلى السوق السوداء، فيما اضطر الفلاح الفعلي إلى شرائها بأسعار مرتفعة. وكان يفترض بالجمعيات الفلاحية أن تحد من هذا التسرب، لكنها لم تتحول إلى تعاونيات اقتصادية يملكها أعضاؤها وتوفر المكننة والشراء الجماعي والتخزين والتسويق. وغلب على كثير منها دور تسجيل المساحات وتوزيع المخصصات، بما جعل بعضها حلقةً داخل شبكات توزيع الدعم بدلاً من أداة لحماية المنتج. وامتد الخلل إلى شبكات الري عبر ضعف الصيانة والتعديات والجباية غير الرسمية والمحسوبية في أدوار المياه وعقود التأهيل، فارتفعت كلفة الإنتاج واتسع الاعتماد على الضخ الخاص والمياه الجوفية. وهكذا أصبح الفساد في الري هدراً مزدوجاً يستنزف المال العام والمورد المائي، ويمنح الأفضلية للنفوذ والقدرة على الدفع لا للكفاءة الإنتاجية.
ومع انحسار دعم المدخلات، اتجه التدخل العام بصورة أوضح إلى دعم الناتج عند التسليم. ففي 2020 خُصص نحو 450 مليار ليرة، تعادل قرابة 11% من الموازنة العامة، لشراء القمح المحلي. وفي عام 2026 حُدد السعر الأساسي لطن القمح القاسي من الدرجة الأولى بنحو 46 ألف ليرة سورية جديدة، ثم أضيفت مكافأة قدرها تسعة آلاف ليرة ليصل السعر إلى 55 ألف ليرة للطن. ولا يمثل السعر كله دعماً، لأن جزءاً منه هو الثمن التجاري للمحصول، بينما يتمثل الدعم الصافي في المكافأة أو الفارق عن السعر المرجعي. وبذلك انتقلت السياسة جزئياً من دعم عملية الإنتاج قبل الحصاد إلى دعم المنتج النهائي بعد التسليم. غير أن المنتج الذي لا يمتلك السيولة لشراء البذار والأسمدة وتمويل الري لن يستفيد من هامش ربح يأتي بعد الحصاد. كما لا تكفي رقمنة التسليم والدفع إذا لم تقترن بمعايير تصنيف معلنة، وفاتورة قابلة للاعتراض، وتحويل سريع للمستحقات، لأن التأخير يفرض كلفة تمويل خفية ويدفع الفلاح إلى الوسيط للحصول على السيولة.
لذلك يتطلب الإصلاح سعراً عادلاً وتمويلاً موسمياً وتأميناً ضد المخاطر ودعماً موجهاً للمنتج الفعلي، وتحويل الجمعيات الفلاحية إلى تعاونيات طوعية للمكننة والشراء والتخزين والتسويق، مع تدقيق إداراتها وحساباتها. كما يقتضي تتبع المدخلات والمياه إلكترونياً وإعلان معايير الاستحقاق وأدوار الري، لأن جوهر المشكلة في توقيت الدعم وبنيته والجهات المتحكمة في مساره.

السيادة الغذائية لا تعني إنتاج كل حبة داخل الحدود أو الانغلاق عن التجارة، بل امتلاك قاعدة إنتاج محلية مستقرة، ومخزون استراتيجي، وواردات تكميلية متنوعة وشفافة، ومؤسّسات تحمي المنتج والمستهلك من الصدمات

عودة الإنتاج وجغرافية اقتصاد القمح
جاء موسم 2026 بعد عام من الجفاف الحاد، مدفوعاً بتحسن الهطولات منذ ديسمبر/ كانون الأول 2025 وارتفاع رطوبة التربة وعودة مساحات واسعة من شمال شرقي سورية إلى الإنتاج. وقدّرت الفاو محصول القمح بنحو 2.7 مليون طن، بزيادة تتجاوز 50% عن متوسط السنوات الخمس وأعلى مستوى منذ عام 2020، بينما أشارت التقديرات الوطنية إلى إنتاج يتجاوز ثلاثة ملايين طن، ومساحة مزروعة تقارب 1.4 مليون هكتار، وكميات مستلمة تجاوزت 2.7 مليون طن. ولا ينبغي إخفاء التباين بين هذه الأرقام، لأن الإنتاج المحصود يختلف عن الكميات المسوقة والمقبولة، كما تختلف احتياجات إنتاج الخبز، المقدرة بنحو 2.55 مليون طن، عن الميزان الوطني الكامل الذي يشمل البذار والاستهلاك الريفي والصناعة والفاقد والمخزون. ولهذا قدّرت منظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة (الفاو) استمرار الحاجة إلى استيراد نحو مليوني طن خلال السنة التسويقية 2026/ 2027. وبذلك حقق الموسم قفزةً في معدل تغطية الاحتياجات، لكنه لم يثبت اكتفاءً هيكلياً. كما أن توطين جزء أكبر من الغربلة والتصنيف والتخزين والطحن والتصنيع الغذائي في المحافظات المنتجة يرفع دخل الفلاح ويوسع فرص العمل ويحد من الهجرة الريفية. فالاستقرار السكاني لا يصنعه محصول جيد وحده، بل تدفق معاكس للاستثمار والطاقة والطرق والتعليم والصحة والتمويل نحو المناطق التي تتحمل كلفة إنتاج الغذاء الوطني.

من محصول استراتيجي إلى نموذج للنمو وسلاسل القيمة
لا يفتح القمح سؤال الاكتفاء فقط، بل سؤال مساهمته في النمو والناتج والتشغيل والميزان الخارجي. فبسعر 427 دولار للطن، تبلغ القيمة الإجمالية لمحصول قدره 2.7 مليون طن نحو 1.15 مليار دولار. وهذه ليست مساهمةً صافيةً في الناتج المحلي، لأن حساب القيمة المضافة يقتضي طرح قيمة البذار والأسمدة والطاقة والخدمات الوسيطة، لكنها توضح حجم الدورة الاقتصادية التي يولدها القمح داخل الزراعة والنقل والمكننة والتخزين والطحن والتصنيع الغذائي. وبالمقاييس العالمية، لا تعد سورية من كبار منتجي القمح، إذ يفوقها إقليمياً إنتاج تركيا وإيران ومصر. لكن أهمية القمح السوري تنبع من قدرته التاريخية على تغطية الاستهلاك المحلي، ومكانة القمح القاسي، وأثر المحصول في الدخل والعمل والاستقرار. وتنسجم هذه الرؤية جزئياً مع التوجهات المعلنة للاستراتيجية الزراعية 2026–2030، التي تركز على الأصناف عالية الإنتاجية والمقاومة للجفاف والأمراض، والزراعة الذكية مناخياً، وزيادة توافر البذار المعتمدة، وتأهيل شبكات الري ومحطات الضخ، وتطوير التخزين والفرز والتدريج والتصنيع، وبناء نظم للمعلومات والإنذار المبكر. غير أن الانتقال من التعافي إلى الاستثمار المستدام يتوقف على تحويل هذه العناوين إلى مؤشرات قابلة للقياس، تشمل مردود الهكتار، وإنتاجية المياه، واستقرار الغلة، ونسبة البذار المعتمدة، والفاقد بعد الحصاد، وحصة المنتج من السعر النهائي. ولا يعوض الاستثمار الخاص غياب الدولة عن البنية الأساسية والبحث والبذار والرقابة وإدارة المياه. كما ينبغي أن تحتسب جدوى المحاصيل الأمن الغذائي والتشغيل والاستقرار السكاني والمخاطر المناخية، لا الربحية الآنية وحدها. فاقتصاد القمح الرشيد يقبل الواردات. وتكتمل هذه الرؤية حين ينتقل القمح القاسي من سلسلة تنتهي عند الصومعة إلى سلسلة قيمة تضم البحث والبذار والإنتاج والتجميع والتخزين والغربلة والطحن وتصنيع البرغل والسميد والمعكرونة والتعبئة والتسويق والتصدير. وكلما طال الجزء المنجز من هذه السلسلة داخل سورية، ارتفعت القيمة المضافة وتحسن أثرها في الناتج والتشغيل والميزان التجاري والتنمية الإقليمية.
فالسيادة الغذائية لا تعني إنتاج كل حبة داخل الحدود أو الانغلاق عن التجارة، بل امتلاك قاعدة إنتاج محلية مستقرة، ومخزون استراتيجي، وواردات تكميلية متنوعة وشفافة، ومؤسسات تحمي المنتج والمستهلك من الصدمات. وهي لا تقاس بمحصول سنة جيدة، بل بقرار الفلاح في الموسم التالي: هل يعود إلى أرضه ببذار أفضل ومياه أكثر انتظاماً وتمويل متاح وسعر عادل، أم يعود بديون أكبر ومخاطر أعلى؟
حين تحفظ سورية مواردها الوراثية والمائية، وتنصف فلاحيها، وتعيد توزيع عوائد السلسلة نحو مناطق الإنتاج، وتربط الحقل بالتصنيع والتنمية الريفية، فإنها لا تستعيد محصولاً أو اكتفاءً حسابياً فحسب، بل تستعيد جزءاً من قدرتها على النمو والتخطيط والصمود وحرية القرار. عندئذٍ تستعيد السنابل وطنها.

العربي الجديد 


شارك بالتعليق :

الاسم : 
التعليق:

طباعة هذا المقال طباعة هذا المقال طباعة هذا المقال أرسل إلى صديق