سيرياستيبس
بعد استعادة مناطق شرق الفرات إلى كنف الدولة السورية، يعود ملف القمح إلى الواجهة بوصفه اختبارا حقيقيا لقدرة الدولة على إعادة إحياء قطاع استراتيجي طالما شكّل صمام أمان للاقتصاد والأمن الغذائي. في هذه المناطق، التي كانت تُعرف تاريخيا بأنها "سلة القمح السورية"، لا تبدو التحديات الزراعية مجرد نتيجة لعوامل طبيعية، وإنما حصيلة سنوات من السياسات المتخبطة، وعلى رأسها إدخال بذور مستوردة لم تتكيف مع البيئة المحلية شبه القاحلة.
اليوم، وبين محاولات حكومية لدعم الفلاحين، وشكاوى متكررة من تراجع الإنتاج، تتشكل صورة معقدة لواقع زراعي يقف بين إرث ثقيل وإمكانية التعافي.
البذور الهجينة: بداية الخلل في ريف القحطانية، يتذكر المزارع أبو رائد السنوات التي سبقت التغييرات الأخيرة، حين بدأ استخدام أنواع جديدة من بذور القمح المستوردة، يقول: "إن هذه البذور، رغم الترويج لها على أنها عالية الإنتاجية، لم تنجح في التكيف مع ظروف المنطقة".
ويضيف لموقع تلفزيون سوريا: "في أول موسم، كان الإنتاج مقبولاً، وثمن البذور أرخص من بذورنا المحلية، لكن بعدها بدأت المشاكل تظهر، الأرض لم تعد تعطي كما كانت، والبذار صار يحتاج ماء أكثر".
هذه التجربة لا تقتصر على أبو رائد، وإنما في أغلب المناطق التي رصدنا فيها آراء وشكاوى المزارعين، فمثلا في مناطق ريف عامودا وتل حميس، يروي مزارعون قصصا مشابهة عن تراجع تدريجي في الإنتاج، وارتفاع في كلفة الزراعة، خاصة مع الحاجة إلى استخدام كميات أكبر من الأسمدة والمياه.
ويوضح المهندس الزراعي زكريا عبد الرزاق أن المشكلة تكمن في طبيعة هذه البذور، التي صُممت لبيئات مختلفة "البذور الهجينة قد تعطي إنتاجا عاليا في ظروف مثالية، لكنها تكون أكثر حساسية للجفاف والتقلبات المناخية"، ويشير عبد الرزاق إلى أن الاعتماد عليها في مناطق تعتمد على الأمطار فقط كان قرارًا غير مدروس.
ويضيف عبد الرزاق أن سوريا اعتمدت لعقود على أصناف محلية ومطوّرة داخليا أثبتت قدرتها على التكيّف مع الظروف المناخية القاسية، مثل أصناف "شام 3" وشام 5" و"دوما 1"، إضافة إلى سلالات "بحوث" والقمح البلدي المعروف بـ"الحوراني".
توبشوت - العمال يجمعون القمح الذي اشترته السلطات الكردية أثناء تفريغه في صومعة بمدينة قامشلي شمال شرق البلاد في 12 يونيو 2025. في مواجهة جفاف غير مسبوق يؤثر على ملايين السوريين، تتنافس السلطات السورية والكردية هذا العام لشراء محاصيل القمح من المزارعين. (صورة بواسطة دليل سليمان / وكالة فرانس برس) (صورة بواسطة دليل سليمان/وكالة فرانس برس عبر جيتي إيماجز) عمال يجمعون القمح أثناء تفريغه في صومعة بمدينة قامشلي شمال شرقي سوريا، 12 يونيو 2025 ـ غيتي ويشير عبد الرزاق إلى أن هذه الأصناف طُوّرت عبر مؤسسات بحثية وطنية وبالتعاون مع مراكز دولية، ما منحها قدرة عالية على تحمّل الجفاف وتقلبات الطقس، خصوصا في المناطق التي تعتمد على الزراعة البعلية، حيث لا تتوفر مصادر ري منتظمة.
ويلفت عبد الرزاق إلى أن السنوات الماضية شهدت إدخال أصناف محسّنة ذات إنتاجية مرتفعة، بعضها يعود إلى برامج دولية لتحسين القمح، والتي يصفها المزارعون أحيانا بـ"الأجنبية"، ويؤكد أن هذه الأصناف قد تعطي نتائج جيدة في حال توفر المياه والظروف المناسبة، لكنها تبقى أكثر حساسية للجفاف، ما يجعل استخدامها في بيئة مثل شمال شرقي سوريا محفوفا بالمخاطر.
ويختم أن التحدي اليوم يتمثل في تحقيق توازن بين الإنتاجية العالية والقدرة على التكيّف، عبر دعم البحوث المحلية وتطوير أصناف تجمع بين الميزتين.
الجفاف: عامل مضاعف للأزمة باستثناء هذا العام الذي سجل فيه الموسم المطري هطولات فاقت المعدل السنوي، فإن الجفاف ظاهرة معروفة في شمال شرقي سوريا، وأصبح تأثيره في السنوات الأخيرة أكثر قسوة، فمع تراجع كميات الأمطار، باتت المحاصيل الزراعية أكثر عرضة للفشل، خاصة في ظل استخدام بذور غير متكيفة.
وفي ريف الشدادي، يصف المزارع أبو الليث الموسم الماضي بأنه "كارثي"، حيث لم يتمكن من حصاد سوى جزء بسيط من محصوله. يقول: "المطر تأخر، والبذار ما تحمّل، خسرنا تعب سنة كاملة".
من جانبه، يشير الخبير البيئي الدكتور وضّاح الخطيب إلى أن التغيرات المناخية تلعب دورا متزايدا في تفاقم الأزمة "هناك ارتفاع في درجات الحرارة، وتذبذب في الهطولات المطرية، وهذا يتطلب إعادة التفكير في نوعية المحاصيل والبذور المستخدمة".
ويضيف الخطيب لموقع تلفزيون سوريا إن الحل لا يكمن فقط في مواجهة الجفاف، بل في استعادة التوازن البيئي الزراعي، من خلال استخدام أصناف محلية قادرة على التكيف مع هذه الظروف".
وفي ظل الظروف المحلية والأقليمة من تضخم وراتفاع أسعار الأسمدة وانخفاض الإنتاجية، يجد المزارعون أنفسهم أمام معادلة صعبة، فكلفة الإنتاج، من بذار وأسمدة ووقود، ارتفعت بشكل ملحوظ، في حين لم يعد العائد مضمونا.
في ريف رأس العين، تقول المزارعة أم خالد إنها فكرت في التوقف عن زراعة القمح هذا العام "نصرف كثير، وفي النهاية ما نربح" في إشارة منها إلى أن أسعار المدخلات الزراعية تضاعفت، بينما بقيت أسعار شراء القمح غير مستقرة.
هذه الضغوط الاقتصادية دفعت بعض المزارعين إلى تقليص المساحات المزروعة، أو التحول إلى محاصيل أخرى أقل كلفة، ما يهدد بتراجع الإنتاج الإجمالي في المنطقة وتراجع الأراضي الصالحة للزراعة مع مرور الوقت.
محاولات الدعم.. خطوة في الاتجاه الصحيح في محاولة لمعالجة هذه التحديات، أعلنت الجهات المعنية عن إجراءات لدعم الفلاحين، من بينها توفير البذار والأسمدة بأسعار مدعومة، وإتاحة البيع الآجل لتخفيف العبء المالي.
المهندس الزراعي أيهم السالم يرى أن هذه الخطوات "إيجابية، لكنها تحتاج إلى استمرارية وتكامل"، ويضيف لموقع تلفزيون سوريا "إن الدعم يجب أن يشمل أيضا تحسين خدمات الإرشاد الزراعي، وتوفير معلومات دقيقة للمزارعين حول أفضل الممارسات".
لكن بعض المزارعين لا يزالون متحفظين، أبو الليث، على سبيل المثال، يقول إن المشكلة ليست فقط في السعر، بل في "نوعية البذار" ويتابع "إذا البذار مو زين، ما بي فائدة من الدعم".
في ظل هذه التحديات، يبرز خيار العودة إلى البذور المحلية كأحد الحلول المطروحة، هذه البذور، التي تكيفت عبر عقود طويلة مع البيئة السورية، تُعد أكثر قدرة على تحمل الجفاف والتقلبات المناخية.
الدكتور نزار الحسن، الباحث في الشأن الزراعي، يشير إلى أن "البذور المحلية ليست أقل قيمة، بل هي أكثر استدامة في الظروف الحالية"، ويضيف لـ"موقع تلفزيون سوريا" "إن تطوير هذه البذور من خلال برامج بحثية يمكن أن يجمع بين الإنتاجية العالية والقدرة على التكيف".
كما يدعو الحسن إلى إنشاء بنوك للبذور المحلية، للحفاظ على التنوع الزراعي وضمان توفر أصناف مناسبة للمزارعين.
ولا تقتصر أهمية القمح على كونه محصولا زراعيا وإنما يمتد تأثيره إلى الأمن الغذائي والاستقرار الاقتصادي، فمع تراجع الإنتاج المحلي، تزداد الحاجة إلى الاستيراد، ما يضع ضغطا إضافيا على الموارد المالية للدولة.
من جهته يرى الخبير الاقتصادي حسن حيدر العيلي "أن إعادة إحياء قطاع القمح هو استثمار في الاستقرار"، ويشير العيلي إلى أن الاعتماد على الإنتاج المحلي يقلل من التعرض لتقلبات الأسواق العالمية، ويعزز قدرة البلاد على مواجهة الأزمات.
ويعود المهندس الزراعي أيهم السالم ليجدد تأكيده أن الزراعة تحتاج إلى وقت لتتعافى، مشيرا إلى أن النتائج لن تظهر بين ليلة وضحاها، لكنه يرى أن الخطوة الأولى بدأت، والمهم هو الاستمرار، فرغم التغييرات السياسية والإدارية التي شهدتها مناطق شرق الفرات، فإن التحديات الزراعية لا تزال قائمة، وإعادة بناء القطاع تتطلب أكثر من مجرد إجراءات قصيرة الأجل، وإنما رؤية شاملة تأخذ في الاعتبار العوامل البيئية والاقتصادية والاجتماعية.
في نهاية حديثهم، أجمع من التقيناهم من مزارعين وخبراء على فكرة واحدة مفادها أن الأرض في شرق الفرات لم تفقد قدرتها على العطاء يوما، يقول أبو رائد وهو ينظر إلى حقله: "الأرض ما بتخون، هي نفسها من زمان، بس بدها طريقة صح بالتعامل"، ويضيف المهندس أيهم السالم أن مستقبل الزراعة "مرتبط بالقرارات التي يتم اتخاذها في الوقت الراهن، وسيظهر ذلك جليا في السنوات القليلة القادمة إن كانت مدروسة بتأن أم لا"، أما الخبير البيئي عمار الخطيب فيرى أن "المشكلة ليست في الأرض، وإنما في الخيارات الزراعية والإدارة"، بين هذه الآراء، يتلخص المعنى: العطاء موجود، لكن استمراره مرهون بكيفية استثماره اليوم.
وبين شكاوى المزارعين، وتحذيرات الخبراء، ومحاولات الدعم، تتشكل ملامح مرحلة جديدة قد تحدد مستقبل الزراعة في سوريا، فإما أن تتحول هذه المرحلة إلى فرصة لإعادة بناء قطاع القمح على أسس أكثر استدامة، أو تستمر التحديات في تقويض إمكانياته، وكما ختم أبو رائد: "الأرض بتعطي، بس بدها مين يفهمها".
تلفزيون سوريا
|