سورية الجميلة RSS خدمة   Last Update:15/05/2026 | SYR: 12:48 | 15/05/2026
الأرشيف اتصل بنا التحرير
TopBanner_OGE

 أسعار الأسمدة السورية تضع الأمن الغذائي على المحك
أزمة هرمز وارتفاع الكلفة يضعان الزراعة في أزمة ومتخصصون يدعون إلى تقلل الاعتماد على الاستيراد
15/05/2026      




سيرياستيبس :

تشهد سوريا تصاعداً في أزمة الأسمدة بفعل اضطرابات مضيق هرمز وارتفاع كلفة الاستيراد والطاقة، ما يهدد الإنتاج الزراعي والأمن الغذائي، وسط تحذيرات من تراجع المحاصيل وارتفاع أسعار الغذاء.

تتزاحم الأسباب التي تقف وراء موجات غلاء متلاحقة في سوريا، من رفع أسعار الكهرباء والوقود، وتراجع سعر صرف الليرة، وقرارات الحكومة بوقف استيراد بعض المنتجات وفرض سلفة على المستوردين.

وبينما يؤكد اقتصاديون أن الحرب والوضع في مضيق هرمز قد انعكسا على الأسواق السورية، مع ارتفاعات طاولت معظم السلع الغذائية والاستهلاكية والمواد الأساسية، فإن ارتفاع أسعار الأسمدة قد يفرض نفسه على ارتفاع الكلفة والأسعار في "البلد الزراعي"، مع حديث تقارير دولية، للبنك الدولي، عن توقع ارتفاع أسعار الأسمدة 30 في المئة، في حين ذهبت منظمة "الفاو" إلى التحذير من تأثير ارتفاع أسعار الأسمدة في الأمن الغذائي لملايين البشر، خصوصاً في الدول الفقيرة، نتيجة حصار مضيق هرمز.

في عهد النظام السابق، ومع اشتداد الحصار، كان الاحتكار المتسبب الأول في قلة وارتفاع أسعار الأسمدة وإخضاعها لإدارة النقص، في سبيل خلق سوق سوداء تُعرض فيها أسمدة مرتفعة السعر ومنخفضة الجودة، مما أدى إلى انكفاء الكثير من الفلاحين عن استخدام الأسمدة لعجزهم عن تحمل أسعارها، الأمر الذي تسبب في تراجع الإنتاج وهجر أراضيهم.

وبعد سقوط النظام البائد تم فتح الاستيراد، ولم يعد هناك احتكار، وتوافرت الأسمدة في الأسواق، ولكن بقي التهريب قائماً، وظلت أسعارها فوق طاقة المزارعين، خصوصاً مع ارتفاع أسعار الطاقة والوقود.

ومع بدء مشكلات مضيق هرمز بدأت الآثار تظهر وتنبئ بأزمة ارتفاع أسعار الأسمدة في البلاد، وإذا ما استمر الحصار فقد يحصل نقص بالمادة في بلد تشكل الزراعة فيه من 20 إلى 26 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، وتشكل 17 في المئة من اقتصاده، وتسهم بـ64 في المئة من صادراته، إلى جانب توظيف 17 إلى 20 في المئة من قوة العمل.

800 ألف طن حاجات سوريا من الأسمدة سنوياً

تقدر حاجات سوريا من الأسمدة الزراعية، خصوصاً للمحاصيل الاستراتيجية والأشجار المثمرة، بنحو 300 ألف طن من سماد اليوريا 46 في المئة، و200 ألف طن من سماد سوبر فوسفات، وتشير بعض التقديرات إلى حاجة إجمالية تصل إلى 800 ألف طن لجميع أنواع التسميد.

وهناك فجوة كبيرة بين الحاجة الفعلية والكميات المتاحة، وتعتمد البلاد على مزيج من الإنتاج المحلي عبر معمل أسمدة حمص والاستيراد لتغطية النقص، وسط تحديات تتعلق بضعف الاستثمار وتأمين المستلزمات.

وفي ظل ارتفاع أسعار الأسمدة عالمياً واضطرابات سلاسل الإمداد وارتفاع كلفة الطاقة وتزايد التوترات الجيوسياسية في مناطق الإنتاج والتجارة، فإن الدول الفقيرة وذات الاقتصاد الهش مثل سوريا ستتأثر، لأن ذلك يطاول قطاع الزراعة الذي يعاني أصلاً من آثار الحرب الطويلة وارتفاع الكلفة وانخفاض القدرة الشرائية للمزارعين.

في سوريا، لا تمثل الأسمدة مجرد عنصر إنتاج، بل تشكل العامل الأهم والحاسم في تحديد ما إذا كان الموسم الزراعي سينجح أو يفشل، وإذا ما ارتفعت أسعارها، وقد ارتفعت فعلاً، فإن المزارعين سيجدون أنفسهم أمام خيارين: إما تقليل استخدام الأسمدة إلى الحد الأدنى، أو التخلي عن زراعة بعض المحاصيل الأساسية. وفي الحالتين ستكون النتيجة واحدة تقريباً، وهي انخفاض واضح في إنتاجية الأرض، وهو ما لا ترغب به الحكومة السورية التي تحاول استعادة الاكتفاء الذاتي في العديد من المحاصيل الاستراتيجية، في مقدمتها القمح، وتعظيم دور الإنتاج الزراعي في التصدير وسد حاجات السوق المحلية بما يقلل من الاعتماد على الاستيراد.

مع الإشارة هنا إلى أن المحاصيل الاستراتيجية مثل القمح والشعير والخضار تعتمد بصورة مباشر على التسميد المنتظم، وأي تراجع في استخدامه سينعكس سريعاً على كمية الإنتاج وجودته، وقد يصل الانخفاض في بعض الحالات، بحسب بعض الاختصاصيين، إلى ما بين 10 إلى 25 في المئة أو أكثر، بحسب طبيعة الأرض ونوعية الري.

أخطار على المحاصيل التي تشكل حاجة وطنية

المتخصص الزراعي السوري مهند أصفر رأى أن أسعار الأسمدة تبدو مقبولة وأرخص مقارنة بما كانت عليه في السنوات الأخيرة قبل سقوط النظام البائد، إذ كانت أسعارها فلكية، وبعد السقوط تراجعت من 40 إلى 50 في المئة، خصوصاً المستوردة من قبل الشركات الخاصة التي كانت تستورد بعقود احتكارية تمكنها من التحكم بالسوق والأسعار على حساب الفلاح والزراعة والمواطن.

الحرب الحالية والمشكلات المرتبطة بمضيق هرمز قد تتسبب مجدداً في ارتفاع أسعار الأسمدة، إلا أن التأثير الأهم سيكون في تأخر وصول الشحنات في وقتها، لأن سوريا تستورد معظم الأسمدة من روسيا والهند والاتحاد الأوروبي، وما سيزيد المشكلة أن الاستيراد يتم لتلبية حاجات المحاصيل الاستراتيجية تحديداً، وتأخرها سيؤدي إلى حدوث مشكلة في تأمينها، محذراً من أن الفلاح قد يستخدم أي أسمدة يجدها، "المهربة تحديداً"، وهنا الكارثة، لأنها قد تكون غير فعالة وبلا جدوى، مما سيزيد ضرر التربة وتكلفة إعادة استصلاحها.

ا

وأوضح أن المحاصيل الاستراتيجية التي ستتأثر بارتفاع أسعار الأسمدة الفاعلة أو المستوردة هي القمح والشعير والذرة والشمندر السكري وعباد الشمس، وهذه كلها محاصيل تمثل حاجة وطنية "خبز، أعلاف، سكر، زيوت".

بالنسبة لسوريا، فإن ارتفاع أسعار الأسمدة سيشكل عامل ضغط على استقرار القطاع الزراعي، وهذا يتطلب، برأي أصفر، من الحكومة تجهيز حلول لحماية الزراعة المحلية وتجنيبها أي انتكاسة محتملة نتيجة ارتفاع أسعار الأسمدة وحتى نقصانها، مؤكداً ضرورة العمل على تقليل الاعتماد على الأسمدة المستوردة من خلال منح فرصة لمعامل الأسمدة المحلية، وتأمين موادها الأولية، ومنحها إعفاءات جمركية وضريبية، وتشجيع صناعة الأسمدة العضوية، بخاصة وأن لها سوقاً رائجة، وكل الدول تتجه لاستخدامها.

ومن أهم الحلول أيضاً زيادة الوعي في ترشيد استخدام الأسمدة، وأن يكون الاستخدام فنياً وتقنياً بوجود إرشاد زراعي حقيقي، إلى جانب التدقيق في مواصفات الأسمدة المستوردة والحد من تهريب السيئ منها، مشيراً إلى وجود أسمدة مهربة في الأسواق السورية تدخل بمواصفات سيئة.

ارتفاع الأسعار يضرب المنتجات الزراعية

المتخصص التنموي السوري بديع العيسى أكد أن سوريا لن تكون في منأى عن ارتفاع أسعار الأسمدة، ومع ارتفاع أسعار الطاقة والوقود والبذار وأجور اليد العاملة والنقل، فإن البلاد قد تواجه تراجعاً في القطاع الزراعي في الوقت الذي بدأ فيه بالتحسن، محذراً من أن حدوث تراجع في الإنتاج الزراعي سيؤدي إلى حدوث مشكلات اقتصادية واجتماعية، خصوصاً في الريف الذي يعاني من ارتفاع معدلات الفقر والبطالة.

وأضاف العيسى، في تصريح خاص لـ"اندبندنت عربية"، أن ارتفاع كلفة الإنتاج بسبب الأسمدة ستنجم عنه موجة غلاء في الأسواق وعجز المواطن عن شراء منتجات بلاده، كذلك سيلجأ الفلاح إلى تقليص نشاطه وترك الأرض من دون زراعة، وهذا أمر وارد جداً وحدث في سنوات الحرب والجفاف.

المتخصص التنموي السوري أكد أن سوريا ليست بعيدة عما يحدث في مضيق هرمز، وعليها أن تستعد، أو أن تكون قد استعدت فعلاً، لاحتواء منعكسات ارتفاع الأسعار، بخاصة تلك المتعلقة بمدخلات الإنتاج، موضحاً أن القطاعات الإنتاجية تأثرت نتيجة اضطراب سلاسل التوريد، والزراعة السورية اليوم في مواجهة ارتفاع أسعار الأسمدة الذي أصبح في حكم المتحقق، إذ بدأت الأسعار بالارتفاع بنسبة تجاوزت أحياناً الـ30 في المئة، مؤكداً أن مواسم الربيع والصيف تأثرت فعلاً، والمنتجات الزراعية تشهد ارتفاعات كبيرة في الأسواق السورية، وقد يمتد التأثير إلى الصادرات وتراجع تنافسيتها في الأسواق التصديرية.

الأمن الغذائي في مهب ارتفاع أسعار الأسمدة

انخفاض الإنتاج الزراعي والصناعي المرتبط بالزراعة ستظهر منعكساته في الأسواق من خلال تراجع المعروض وخلق حلقة تضخمية جديدة، "أسعار السلع ارتفعت أكثر من 35 في المئة خلال الأسابيع الماضية"، بحسب العيسى، الذي أكد أن التأثير الأهم سيكون في الأمن الغذائي، خصوصاً الفقراء، فالسوريون يعتمدون على الغذاء المحلي أو شبه المحلي، وأي خلل في الإنتاج الزراعي سيصيب أمنهم الغذائي، ليتأكد لنا أن ارتفاع أسعار الأسمدة ليس مجرد قضية زراعية تقنية، بل هو عامل يحدد مستوى الاستقرار المعيشي والغذائي لنسبة كبيرة من الشعب السوري.

وأضاف "على الحكومة أن تعمل على ردم الفجوة التي سيحدثها ارتفاع أسعار الأسمدة، وأن تجري مقاربة مختلفة في ما يتعلق بأسعار الطاقة والوقود، ولو مرحلياً وإلى حين تجاوز مشكلة هرمز، والنظر إلى الأسمدة كسلعة استراتيجية بصورة يتيح توسيع إنتاجها محلياً. وفي ما يتعلق بالاستيراد، نصح بإبرام عقود استيراد طويلة الأجل تقلل تقلب الأسعار".

وأكد أن ارتفاع أسعار الأسمدة ليس أمراً عابراً، بل يجب النظر إليه كمؤشر ضاغط على القطاع الزراعي والأمن الغذائي وعلى الاقتصاد الوطني ككل.

روسيا استثمرت معمل حمص للأسمدة من دون أن تصرف دولاراً واحداً

ومر موضوع الأسمدة بتقلبات كثيرة، على رغم أن سوريا تملك مقومات إنتاج أجود أنواع الأسمدة بسبب توافر احتياطات كبيرة من الفوسفات تُقدر بـ1.8 مليار طن، وكذلك الغاز، مع إمكانية تأمين المياه من نهر الفرات، ولكن ذلك يحتاج إلى استثمارات كبيرة وحوافز استثمارية عالية.

ويوجد معمل سماد وحيد لدى القطاع العام، وهو معمل الأسمدة في حمص، وهو قادر على تغطية حاجة البلد، ولكن تهالك المعمل وغياب الصيانة وتحديث خطوط الإنتاج وعدم توافر الغاز للتشغيل أدى إلى توقف المعمل لفترات طويلة. يضاف إلى ذلك توقيع عقد استثمار مع شركة "أس تي جي" الروسية، التي كان عليها، بحسب العقد، ضخ استثمارات بقيمة 500 مليون دولار لمضاعفة إنتاج المعمل، ولكن استثمرت التجهيزات والخطوط الموجودة والمواد الأولية من دون أن تضخ دولاراً واحداً لتحديث الخطوط.

وتبلغ طاقة المعمل الإنتاجية حالياً نحو 400 طن يومياً، وفي حال صيانة الخطوط فلديه القدرة لإنتاج ما يزيد على 1600 طن يومياً، وهذا يكفي لتغطية الحاجة بالكامل، وهو ينتج ثلاثة أنواع من الأسمدة: "اليوريا - سوبر الفوسفات - سلفات البوتاس".

مع الإشارة إلى أن الشركة العامة للأسمدة "الحكومية" أعادت تشغيل معمل السماد الفوسفاتي في حمص في نوفمبر (تشرين الثاني) من العام الماضي بطاقة إنتاجية تتراوح بين 350 و400 طن يومياً، بعد توقف دام لأكثر من ثلاث سنوات، بهدف دعم القطاع الزراعي وتأمين حاجات المزارعين من الأسمدة، وذلك ضمن خطة لإعادة التأهيل وصيانة الآلات الحيوية لضمان الاستمرارية.

يذكر أن الحكومات خلال السنوات الماضية لجأت إلى تأمين جزء من الحاجة عن طريق مقايضة الفوسفات بالسماد، ولا سيما مع بيلاروس وروسيا والهند، والاستيراد من العراق، ولكن بكميات خجولة كانت تأتي بتوقيتات غير مناسبة وبأسعار مرتفعة.

ولمحاولة تعويض العجز والنقص، تم السماح للقطاع الخاص بإنتاج الأسمدة الفوسفاتية، وهناك نحو خمسة أو ستة معامل صغيرة في مدينتي حسياء وعدرا الصناعيتين، ولكن بكميات محدودة وبأسعار مرتفعة.

اندبندنت عربية


شارك بالتعليق :

الاسم : 
التعليق:

طباعة هذا المقال طباعة هذا المقال طباعة هذا المقال أرسل إلى صديق