سيرياستيبس
مع حلول المساء وانخفاض حدة أشعة الشمس في دمشق، تبدأ بسطات فاكهة الصبّارة بالظهور على أرصفة دمشق وشوارعها الرئيسية، محملة بثمار حمراء وصفراء وبرتقالية وخضراء، يرصها الباعة بعناية فوق ألواح خشبية، ويحيطونها بحبات الثلج للحفاظ على برودتها في أيام الصيف الحارة، وسط ارتفاع أسعارها عن العام الماضي.
ولا تكتمل البسطة لدى كثير من الباعة من دون مصابيح صغيرة وسلاسل ضوئية ملونة تجذب المارة، إضافة إلى أوعية المياه والسكاكين والقفازات التي يستخدمونها لتقشير الثمار وتقديمها جاهزة للزبائن مع عروض للتسويق.
وتنتشر بسطات الصبّارة بشكل واضح في أسواق دمشق القديمة وشوارع بغداد وأبو رمانة والشعلان والمزة وكفر سوسة، إلى جانب عدد من المناطق الشعبية ومداخل المدينة، حيث تتحول خلال ساعات المساء إلى مشهد صيفي مألوف ينتظره السكان كل عام.
ورصد موقع تلفزيون سوريا، بسطات الصبارة في عدد من أحياء دمشق وريفها، كواحدة من أبرز الفواكه حضوراً لدى سكان العاصمة وما حولها، حيث لا تسأل أحد عنها إلا ويثني على طعمها وطيابتها وبرودتها في الصيف مع التأكيد على أنها أصبحت غالية الثمن مقارنة مع الماضي.
وتختلف أسعار حبة الصبارة من مكان إلى آخر، وبحسب جودة الحبة وحجمها ولونها أيضاً، فتبدأ من 5 آلاف ليرة للحبة في حين يصل سعر الصحن من 20 حبة إلى 60 ألف ليرة بداية الموسم ثم ينخفض شيئاً فشيئاً، مع أنها أسعارها كانت منخفضة بنسبة لا تقل عن 30 في المئة في صيف 2025.
الصبارة والصيف بالنسبة إلى الباعة، لا تمثل الصبّارة مجرد فاكهة موسمية، بل فرصة عمل ترتبط بعدة أشهر من العام. ويبدأ يوم بعضهم منذ ساعات الصباح الباكر، عندما يتوجهون إلى أسواق الهال أو يتواصلون مع المزارعين والتجار للحصول على الكميات التي يحتاجون إليها.
بعد ذلك، تبدأ عملية نقل الصناديق وفرز الثمار واستبعاد الحبات المتضررة، قبل تجهيز البسطة واختيار موقع مناسب تتوافر فيه حركة للمشاة والسيارات. ويحرص الباعة على البدء قبل ساعات الذروة المسائية، إذ يتركز الإقبال عادة بعد انتهاء الدوام وخروج العائلات للتسوق أو التنزه.
ويتحدث الباعة عن يوم عمل طويل قد يمتد حتى منتصف الليل، ولا ينتهي بإغلاق البسطة، إذ يتعين عليهم جمع الأدوات وتنظيف المكان وحفظ ما تبقى من الثمار، في البرادات التي بدأت تشكل أساس البسطات.
ويعتمد نجاح البائع على موقع البسطة وجودة الثمار وطريقة عرضها، فضلاً عن قدرته على التعامل مع الأشواك وتقشير الحبات بسرعة. فعملية تنظيف الصبّارة تحتاج إلى خبرة، وقد تسبب أشواكها الدقيقة آلاماً تستمر ساعات إذا دخلت في اليدين أو الوجه.
لذلك يستخدم بعض الباعة قفازات سميكة وملاقط معدنية، في حين يعتمد آخرون على خبرة اكتسبوها خلال سنوات العمل، فيمسكون الثمار بطريقة محددة ويزيلون قشرتها بسكين حادة خلال ثوانٍ.
كم يبلغ سعر الصبارة على البائع والزبون؟ وفي سياق متصل، قال أبو عدنان، صاحب بسطة لبيع الصبّار في منطقة الشيخ سعد بالمزة، لموقع تلفزيون سوريا: "لكل نوع من الصبّار موسمه، سواء الأحمر أو الأخضر. ويأتي الصبّار الأخضر عادة في أواخر الموسم، لكن لونه لا يعني بالضرورة أنه ناضج أو جيد المذاق، إذ يعتمد الأمر على درجة نضج الثمرة وخبرة الزبون في الاختيار. أما الصبّار الأحمر، فيبدأ لونه فاتحاً، ثم يتحول تدريجياً إلى الأحمر عند اكتمال نضجه". وأضاف أن الإقبال هذا العام ضعيف، ويرجع ذلك أساساً إلى ارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية لدى الناس. فقد بلغ سعر الكيلوغرام قبل يومين نحو 40 ألف ليرة سورية، ثم انخفض إلى قرابة 35 ألفاً، وقد يتراوح بين 25 و30 ألف ليرة بحسب النوع والجودة. وبيّن العامل في المجال منذ سنوات طويلة، أن "ارتفاع أسعار الوقود وتكاليف النقل في زيادة الأسعار، إضافة إلى تأخر وصول الصبّار المحلي، ما أدى إلى طرح كميات من الصبّار المصري واليمني في الأسواق. والصبّار اليمني قريب من السوري من حيث الشكل، لكن الصبّار المحلي يبقى، في رأيي، الأفضل مذاقاً". ولفت أبو عدنان إلى أنه "من أبرز المناطق السورية المعروفة بزراعة الصبّار قطنا وخان الشيح ودير العدس وريف درعا، إلى جانب كميات تأتي من الساحل، ولا سيما من بانياس. وفي النهاية، يحتاج شراء الصبّار إلى خبرة، لأن الشكل الخارجي وحده لا يكفي للحكم على جودة الثمرة ونضجها".
طرق تسويق ولوحات جذب تحولت طريقة عرض الصبّارة إلى جزء أساسي من المنافسة بين الباعة. فبعد أن كانت تُعرض في صناديق بسيطة على الأرصفة، أصبحت بعض البسطات مزينة بسلاسل من الأضواء الملونة واللافتات، وتوضع الثمار فوق طبقات من الثلج أو داخل أوعية معدنية لتبدو أكثر نضارة وبرودة.
وأوضح أبو محمد صاحب بسطة صبارة في كفرسوسة، إن الإنارة لا تُستخدم للزينة فقط، بل تساعد الزبائن على رؤية لون الثمرة وحجمها وجودتها، ولا سيما أن الجزء الأكبر من البيع يجري مساءً وبعض الشوارع غير مضاءة. كما تمنح البسطة شكلاً لافتاً وسط ازدحام السيارات والمحال التجارية.
وبيّن أبو محمد أن الثلج يُستخدم للتخفيف من تأثير درجات الحرارة المرتفعة والحفاظ على الثمار، فضلاً عن أن كثيراً من الزبائن يفضلون تناول الصبّارة باردة. ويضطر البائع إلى إضافة كميات جديدة من الثلج أكثر من مرة خلال اليوم، ما يزيد من تكاليف العمل، إلى جانب أجور النقل والإضاءة والأكياس والقفازات والأدوات.
وتختلف أشكال البسطات بين منطقة وأخرى؛ ففي دمشق القديمة يغلب عليها الطابع البسيط وتنتشر قرب الأسواق والممرات المزدحمة، في حين تبدو بعض البسطات في الشعلان وأبو رمانة والمزة أكثر تنظيماً وإضاءة، مع تقديم الثمار مقشرة داخل صحون أو عبوات جاهزة.
ويتحدث باعة عن صعوبة الاستقرار في موقع واحد، نتيجة لحملات إزالة الإشغالات أو اعتراض بعض أصحاب المحال، ما يضطرهم أحياناً إلى نقل البسطة من شارع إلى آخر. كما أن العمل في الأماكن المفتوحة يجعلهم عرضة لتقلبات الطقس والحرارة والغبار، إضافة إلى مخاطر المرور، خصوصاً في الشوارع التي تشهد حركة سيارات كثيفة.
تفاوت الإقبال بين الأحياء وتختلف طبيعة الزبائن وحجم المبيعات باختلاف المنطقة. ففي شوارع دمشق القديمة، يعتمد الباعة على المارة وزوار الأسواق والمطاعم، في حين ترتبط الحركة في شارع بغداد وكفر سوسة والمزة بازدحام السكان والسيارات.
وفي الشعلان وأبو رمانة، يشتري بعض الزبائن كميات صغيرة جاهزة للأكل في أثناء التجول، في حين تفضل عائلات أخرى شراء كميات أكبر ونقلها إلى المنازل.
ويشير الباعة إلى أن الإقبال يرتفع في المساء وأيام العطل، لكنه يتأثر بالقدرة الشرائية للسكان وارتفاع أسعار الفاكهة والمواد الغذائية. لذلك يلجأ بعض الزبائن إلى شراء عدد محدود من الحبات، في حين يسأل آخرون عن الأسعار ثم يغادرون من دون شراء.
ويحاول البائع مراعاة اختلاف قدرات الزبائن، من خلال بيع الحبات بشكل منفرد أو إعداد صحون صغيرة، بدلاً من اشتراط شراء كمية كبيرة. كما يقدم بعضهم حبة للتذوق أو يختار للزبون الثمار الأكثر نضجاً، في محاولة لبناء علاقة تدفعه إلى العودة مرة أخرى. وقال حسام أحد الزبائن إن الصبار يرتبط بذاكرتنا نحن أبناء دمشق بأيام الصيف وبالبسطات المنتشرة في الشوارع والحارات. كنا نشتريه بكميات كبيرة، وكان من الفواكه الشعبية المتاحة للجميع. وأضاف لموقع تلفزيون سوريا أنه "في السنوات الماضية، كان بإمكان أي عائلة شراء كمية تكفي جميع أفرادها، لكن الأسعار ارتفعت كثيراً، وأصبح الصبّار بالنسبة إلى كثيرين من الكماليات. نشتري اليوم بضع حبات فقط للتذوق عالماشي، بعد أن كنا نشتريه بالكيلوغرامات".
تلفزيون سوريا
|